"ناسا" تخطط لتطوير قاعدة دائمة على سطح القمر بكلفة 20 مليار دولار    سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية ل"مازغان"            "ألوان المغرب" بفيلا الفنون.. مبادرة تجمع العائلات البيضاوية لاستكشاف سحر التراث    مظاهرة في لندن ضد اليمين المتطرف        إحالة مشتبه فيهما على النيابة العامة بطنجة بعد شجار بالسلاح الأبيض قرب مؤسسة تعليمية    اليوم ال29 للحرب.. صواريخ الحوثيين تدخل المعركة وتستهدف ديمونة.. وترامب يعلن "نهاية" نظام طهران    العثور على شاب جثة هامدة بحي المرس في طنجة في ظروف مأساوية    الجمعية الوطنية للأعمال الاجتماعية لموظفي قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني    بوريطة يبرز بمالابو الرؤية الملكية لتعاون جنوب–جنوب قائم على الشراكة والتضامن    10 ملايين زائر لمتحف السيرة النبوية    صراع المغرب وإسبانيا على المواهب.. بيتارش يختار "لا روخا"    كنفاوي يقف بإقليم الحسيمة على إنتاج وتسويق ألواح "الدلاحية"    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    أخنوش لبرلمانيي الأحرار: رهان المرحلة هو كسب معركة التواصل حول المنجز الحكومي    تظاهرات واسعة النطاق ضد ترامب    السنغال تحتفي بالكأس في باريس    إسبانيا تغيّر الساعة مجددًا رغم انتقادات سانشيز.. جدل متواصل حول جدوى التوقيت الصيفي    تلفزيون المنار: مقتل 3 صحفيين في غارة إسرائيلية على لبنان    أخنوش: رئاسة عكاشة للفريق النيابي تعزز رهان "الأحرار" على التمكين السياسي للمناضلين الشباب    تسجيل انتعاش سياحي بطنجة خلال يناير 2026    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    رأي: منطق الطرد كعنوان لأزمة أعمق داخل الحزب    "ميتا" تعتزم إطلاق نظارات ذكية جديدة لمستخدمي العدسات الطبية    التعاون العلمي المغربي الاوربي : تمديد المشاركة في برنامج "PRIMA    حملة طبية تعتني ب"الأسرة الأمنية"    انسحاب "بوبا" من عرض ودية السنغال والبيرو.. وتصعيد قانوني مغربي يواكب المباراة    بحضور الوزير بركة.. تكريم أبطال مواجهة تداعيات الاضطرابات الجوية الأخيرة بجهة الشمال    كبيرة حولتها إيران صغيرة    المغرب يساند مرصد الاتصال بالنيجر    بعد أن بلغت أسعار اللحوم الحمراء 130 درهما..مساءلة وزير الفلاحة عن أسباب الغلاء رغم الدعم الموجه "للكسابة"    لاعبو إيران يحيّون ذكرى ضحايا غارة جوية على مدرسة    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    تعادل بطعم الدروس.. وهبي يضع النقاط على الحروف بعد لقاء الإكوادور        "فدرالية اليسار": ملايير الدعم لا تنعكس على الأسعار بل تذهب لحسابات الوسطاء والمضاربين    حكيمي: "المنتخب المغربي في مرحلة انتقالية وعلينا الاستعداد جيدا لبلوغ أفضل جاهزية للمونديال"    معزوز: من التخطيط إلى التنفيذ .. الأرقام تكشف تطور جهة الدار البيضاء سطات    إقصاء المصدّرين نحو السوق الإفريقية من دعم مصدري الطماطم يثير جدلا حول خلفيات القرار    كلوب عن صلاح: من أفضل اللاعبين في تاريخ ليفربول وسفير رائع لبلاده    الأرجنتين تهزم موريتانيا دون إقناع    وهبي يبدأ رحلة "الأسود" بتعادل باهت أمام الإكوادور وإشارات مقلقة رغم تفادي السقوط    من العتمة إلى الحب .. التشكيل كخلاص أنطولوجي    التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    عودة النقاش الاستراتيجي في المغرب؟ 3/2 الاتفاق الثلاثي المغربي الاسرائيلي الأمريكي: كيف نفكر تحت النيران؟    ماذا بقي من المنتدى الوطني للمدرس؟    تطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر وتكرم العياشي أبو الشتاء في "ربيع الشعر"    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    شَغَبُ المَاءْ    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الريف زمن الحماية الإسبانية" .. كتاب يرصد فقر مجال وهامشية الاستعمار
نشر في هسبريس يوم 25 - 10 - 2021

غير خاف عن باحثين مهتمين، كون ريف مغرب زمن الحماية كان مجال حرب قذرة حيث استعملت غازات سامة للقضاء على مقاومة محلية شرسة من قبل الإسبان. وعليه، حق السؤال حول بدايات إعداد وتجريب واستعمال سلاح فتاك، وطبيعة ما كان من تعاون إسباني ألماني فرنسي في الأمر، وحجم ما كان رهن إشارة قوات استعمارية إسبانية، فضلا عن سبب اعتماده وما تم استهدافه من أماكن وما كان لذلك من أثر على البشر والحجر والشجر، ومن ثمة المقاومة، ناهيك عن ردود فعل المخزن صوب ما حصل، وغير خاف أيضا ما عرفه الريف من انتعاش ملموس للحركة الماسونية خلال هذه الفترة، تلك التي انتسب إليها كبار موظفي المخزن الخليفي بمنطقة النفود الإسباني هذه، كما بالنسبة للريسوني باشا العرائش والقائد الملالي باشا القصر الكبير وعبد الكريم اللوه باشا الحسيمة، إلى جانب أعوان وتجار وجنود قبل التحاق عدد من الوطنيين، مع أهمية الإشارة لما أثارته هذه الحركة بالريف من مخاوف إسبانية، وبالتالي ما أحيطت به من تضييق ورقابة.
حول زمن الريف الذي لا يزال بحاجة لمزيد من الالتفات والإنصات البحثي، صدر حديثا عن دار النشر مفترق الطرق بالدار البيضاء، كتاب موسوم ب"الريف زمن الحماية الإسبانية" في أزيد من أربعمائة صفحة. إصدار بقدر ما يخص تاريخ المغرب المعاصر والراهن، بقدر ما هو في الأصل أطروحة جامعية تقدم بها الباحث "ميمون أزيزا"، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، لنيل شهادة دكتوراه بجامعة السربون بفرنسا أواسط تسعينات القرن الماضي، تحت إشراف الأستاذ "رونيه غاليسو"، أحد كبار المهتمين بتاريخ الحمايتين الفرنسية والإسبانية بالمغرب، علما أن العمل ترجم إلى اللغة الإسبانية ونشر برعاية دار النشر بياتيرا ببرشلونة قبل حوالي عقدين من الزمن. وحتى لا يظل هذا الجهد العلمي ضمن دائرة متخصصين في تاريخ الحماية الإسبانية بالمغرب فقط، تجند لترجمته إلى اللغة العربية تعميما للفائدة وإغناء لنصوص خزانة البلاد التاريخية، كل من الدكتور جمال الحيمر، الباحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، والدكتور محمد حاتمي، الباحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس.
هامشية الاستعمار الإسباني بالمغرب جوهرا وفعلا، وطبيعة تواضع أهداف استعمارية إسبانية مقارنة بنظيرتها الفرنسية، وسؤال مكامن ما حصل من تحولات طبعت مجتمع الريف على امتداد نصف قرن من الزمن، وكذا ما ترتب من مضاعفات مست بنيات وعقليات ... وطبيعة العلاقة بالدولة المركزية من جهة، وبالدولة الحامية بعد انسحابها من جهة ثانية، كلها إشارات استهل بها الدكتور عبد المجيد بنجلون تقديما عميقا لكتاب "الريف زمن الحماية الإسبانية" الذي تمحور حول الوجود الاستعماري الإسباني بالمغرب، قال عنه "ميمون أزيزا" في مقدمة مؤلفه إنه لم يحظ بما ينبغي من عناية مقارنة بنظيره الفرنسي، إن من قبل باحثين مغاربة أو غيرهم بغض النظر عن توجهاتهم ومناهج مدارسهم التاريخية، مشيرا إلى أن هامشية إسبانيا في منظومة أوروبا الاستعمارية، كانت بسبب علاقة صعبة بين إدارة الحماية الفرنسية في الرباط ونظيرتها الإسبانية في تطوان، وما كان من هيمنة واضحة للأولى على البلد قبل فرض الحماية عليه حتى استقلاله، فضلا عن صعوبة ولوج ما هو محفوظ في دور الأرشيف الإسباني لمدة طويلة وأثره على آفاق البحث في هذا الاتجاه، علما أن عددا من الباحثين يختزلون حقبة المغرب الاستعمارية في الحماية الفرنسية، كقناعة تأسست على ما لوحظ من تهميش للاستعمار الإسباني ومن فقر وصغر مساحة أوكلت حمايتها لإسبانيا مقارنة بالمنطقة الفرنسية، ناهيك عن فقر إسبانيا نفسها وضعف ووقع صيغة استعمارها المعتمد.
وكانت عناية الباحثين بالعلاقات المغربية الإسبانية على محدوديتها قد دشنت-يقول المؤلف-لعهد أكاديمي مدرك لإرث مشترك من شأنه فهم راهن التحديات، ما يفسر بتزايد اهتمام الباحثين بفترة الحماية الإسبانية في المغرب، وكذا اتساع وعاء الدراسات والمنشورات مع تأسيس فرق بحث توجهت بعنايتها فضلا عن الحماية صوب تيمات ذات صلة بالإسلام والحضارة العربية الإسلامية. مع أهمية الإشارة لما كان لأعمال الراحل جرمان عياش من أثر ودور معبر في فتح مسارب بحث جديدة همت العلاقات المغربية الإسبانية والحضور الاستعماري في الريف.
وبقدر ما يروم كتاب "الريف زمن الحماية الإسبانية" تفكيك جذور الحماية الإسبانية وأسباب اهتمامها بمنطقة نفوذ شمال المغرب، وكذا إبراز مميزات الاستعمار الإسباني وسر بقائه هامشيا باهتا في إنجازاته وآثاره مقارنة برديفه الفرنسي، بقدر ما يجمع باحثون مهتمون بالظاهرة الاستعمارية عموما وبالوجود الإسباني بالمغرب خاصة، على أن ما كانت عليه إسبانيا من مشاكل سياسية واقتصادية داخلية جعلها قوة استعمارية أقل طموحا وإنجازا من نظيراتها الأوروبية.
إن جغرافية الريف وفقر مجاله وحدّة طباع أهله-يقول المؤلف-كان لها أثر في الحد من إمكانية التهيئة المجالية والتحكم الإداري والاستغلال الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، بل ما يعاني منه الريف من تهميش يجد بعض تفسيره في إخفاقات الفترة الاستعمارية. ولكونه لم يستفد من الحضور الإسباني إلا بشكل ضئيل، كان الريف عند حصول المغرب على الاستقلال في مقدمة مناطقه الفقيرة، التي تضررت من مضاعفات مقاومة امتدت من 1921 إلى 1927 ولم تستفد لا من بنيات تحتية ولا استثمارات اقتصادية. مع أهمية الإشارة إلى أنه بعد نهاية فترة الحماية أدارت إسبانيا ظهرها للمنطقة وباتت مغيبة في اهتمامات مدريد رغبة ربما في تناسي ما كان الريف سببا فيه من مآس.
لقد كان التوغل العسكري الإسباني في الريف عصيا مكلفا، سرعان ما تحول إلى سلسلة انتكاسات-يقول المؤلف، وتجلت المأساة بشكل فضيع في معركة أنوال وحرب إسبانيا الأهلية لاحقا من خلال مشاركة واسعة لمغاربة حاربوا إلى جانب قوات "فرانكو"، قبل انتقال آلاف المهاجرين منهم إلى إسبانيا بعد ما شهدته من صحوة اقتصادية خلال ثمانينات القرن الماضي عند انضمامها للاتحاد الأوروبي. وكانت قوة حضور المغاربة بإسبانيا قد أثارت فضول باحثين إسبان كانوا وراء إنجاز عدد من الدراسات حول الريف، باعتباره مصدر غالبية من توافد على إسبانيا من يد عاملة خلال هذه الفترة.
وقد توزع كتاب "الريف زمن الحماية الإسبانية"، الذي استهدف رصد تطور المجتمع الريفي خلال نصف قرن من الاستعمار الإسباني وإبراز مظاهر تحولاته الاجتماعية، على ثلاثة فصول متكاملة، أفرد الأستاذ "ميمون أزيزا" الأول منها للريف كمجال اقتصاد وكيان تاريخ ومجتمع. سياق أورد فيه أن نهج بحثه المتبع فرض ضبط مؤسسات المجتمع التقليدية الرئيسية المنظمة قبل الحماية، وإبراز عناصر كانت وراء نقلات بنيوية في زمن قصير، فضلا عن تحديد أدوار ثغور إسبانية محتلة داخل المنظومة الريفية، خاصة سبتة ومليلية، وكذا طبيعة ما نسجه أهل الريف من علاقات مع المجال الوهراني بالجزائر. مع أهمية الإشارة إلى أن دراسة التوغل الاقتصادي ووضع أسس الاستقرار والاستغلال أخذت حيزا هاما من هذا الفصل إبرازا لمختلف مجالات الاقتصاد الاستعماري من استغلال زراعي وصناعة ومناجم ومشاريع بنية تحتية وغيرها.
وكانت آثار الاستعمار الإسباني على مجتمع الريف، من تراجع المداخيل وانفصام العلائق بين الإنسان والأرض، هي ما تم تناوله ومقاربته في فصل ثان من الكتاب، علما أن ما حصل من تحكم إداري كان ذا مضاعفات معبرة على البنى الاجتماعية والسياسية في المنطقة، حيث كف أهل الريف عن العيش وفق نظم قديمة دون بديل فيه ما يكفي من نجاعة. بل ومما زاد الأمر هشاشة، تعرض إسبانيا لهزات على درجة من الخطورة، لعل منها إعلان الجمهورية الثانية (1931) الحرب الأهلية (1936-1939). وكان ما ترتب من تحولات كبرى عن المواجهة بين بنيات اجتماعية تقليدية ريفية ونظام اقتصادي رأسمالي إسباني استعماري، هو ما تمت مناقشته في فصل ثالث وأخير من الكتاب؛ بحيث أورد الباحث أن ما كان من توازنات قديمة انقطعت تحت وطأة بنيات اقتصادية دخيلة، وأجبر اعتماد العملة الأهالي على تغيير سلوكاتهم الاستهلاكية، وأن ما كان من هجرة موسمية إلى الجزائر تحول تدريجيا إلى هجرة دائمة، مضيفا أن أكبر تحول في الريف كان هو انخراط جزء كبير من ساكنته في منطق عمل مأجور، النقلة التي كان لها أثر كبير على تركيبته الاجتماعية السائدة.
وبخلاف ما هناك من ادعاء حول كون سياسة إسبانيا في منطقة نفوذها بالمغرب زمن الحماية لم تكن لها بصمات تذكر، أورد المؤلّف أن كل الأحداث ذات البعد الدولي في المغرب كانت تجد صداها في إسبانيا، منها ما سمي بحروب المغرب، وعلى رأسها حرب الريف خلال العقد الثالث من القرن الماضي، ثم ما حصل من انقلاب عسكري ضد الحكومة الجمهورية الإسبانية انطلاقا من المغرب بزعامة الجنرال فرانكو (1936). كما أن المغرب الذي لم يكن مغيبا في حسابات الفاعلين السياسيين الإسبان زمن الحماية، كان مؤثرا في عدد من الأحداث الكبرى التي رهنت التاريخ الإسباني المعاصر. فبعدما كان احتلال المغرب من قبل الإسبان شرطا لرد الاعتبار وكسب مواقع في المنظومة الأوروبية، تحول إلى قضية ذات أبعاد عاطفية لدى الأوساط الرسمية القريبة من السلطة، بدليل انطلاق شرارة حركة الانقلاب التي قادها الضباط الأفريقانيون من أرض المغرب.
وإذا كان الاستعمار الإسباني في المغرب يعد موضوعا شائكا وسجاليا لوجود آراء ووجهات نظر متباينة، بل متناقضة، حول تقويم الحصيلة الإجمالية للتجربة الاستعمارية الإسبانية، فمقابل كتاب فرانكاويين يقولون بعظمة إنجاز إسبانيا الاستعماري والحضاري بالمغرب وبأنها بذلت مجهودات كبرى لتنمية منطقة الريف، هناك من أقر من باحثين أكاديميين آخرين بأن إسبانيا لم تنجز أعمالا تستحق الذكر لدرجة أنها ساهمت في تعميق تأخر الريف وتخلفه، هذا فضلا عن فريق ثالث دافع عن تصور توفيقي بين الاتجاهين السابقين. ولعل وضعية الإهمال الشامل التي وجدت فيها منطقة الريف غداة الاستقلال، هو ما يعزز نظرة سلبية عن الاستعمار الإسباني؛ إذ لم يدمج الريف في برامج تنمية البلاد بل اتخذت حكومات المغرب المتتالية تدابير عمقت عزلته وكرست هامشيته-يقول المؤلف. وبدل الانكباب على إخراج المنطقة من تخلفها الاقتصادي بعد الاستقلال، تم تبني اختيارات زادت من إضعافها، فمنذ سنة ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين، تم تعويض اللغة الإسبانية باللغة الفرنسية في المدارس والإدارة، مما كان وراء إبعاد نخبة محلية تكونت في مدارس إسبانية.
يذكر أن التجربة الاستعمارية الإسبانية بالمغرب في اعتقاد جزء هام من الرأي العام الإسباني كانت معضلة ومصدر صراع، بل من الباحثين من يذهب إلى كون المغرب في الفترة ما بين 1912-1927 شكل نزيفا اقتصاديا وبشريا حقيقيا لإسبانيا، وهو ما ساهم في تدهور وضعيتها السياسية وتقوية مكانة ضباط أفريقانيين قادوا انقلابا على الحكومة الجمهورية وأقاموا بها نظاما ديكتاتوريا (1939). ولعل هذا ما يفسر ربط عدد من الإسبان قيام الديكتاتورية الفرنكاوية بالحضور الإسباني في المغرب حيث صنع فرانكو قوته ومجده العسكري وحيث تبلورت فكرة انقلاب فرنكاوي.
ولعل إلى جانب دور الاستعمار الإسباني فيما حصل من تحولات بنيوية في الريف، نجد انفتاحه على الجزائر وهجرة آلاف الريفيين صوب وهران، وبالمثل أدت كوارث طبيعية عدة إلى تقوية هجرة قروية انطلقت مع بدايات استعمار زراعي. ناهيك عن أدوار مدينتي سبتة ومليلية داخل المنظومة المجالية الريفية في تسريب منتجات مصنعة غيرت نمط حياة وعادات جزء من الإهالي الاستهلاكية. مع كون ما حصل من تحولات بالريف لم يؤد إلى خلق مراكز حضرية كبيرة وأحياء هجينة على شاكلة ما نتج في منطقة الاحتلال الفرنسي، فقد ظل المجتمع الريفي في معظمه قرويا ولم يغير إنشاء مراكز حضرية من طابعه البدوي.
إن الطابع الهامشي للاستعمار الإسباني لم يحل دون التأثير على بنيات الريف الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية؛ فمن الميادين التي أبانت فيها إسبانيا عن حضور متميز مقارنة بنظيرتها الفرنسية، نجد ما هو ثقافي من خلال تداول اللغة الإسبانية في كل الأوساط والأماكن، بما فيها النائية، الأمر الذي يفسر بحضور جنود وفلاحين صغار إسبان في الوسط القروي، حيث لم تكن شروط عيشهم أفضل بكثير من عيش مغاربة.
هكذا أضفى "استعمار الفقراء"-يضيف المؤلّف-طابعا خاصا على الحماية الإسبانية شمال المغرب، من خلال تقاسم الإسبان والأهالي نفس الفضاءات. وكان الإسبان المقيمون بالريف قد ربطوا صلات عدة بأهله؛ إذ لم توجد أحياء مخصصة للأوروبيين كما كان عليه الوضع في منطقة الحماية الفرنسية. مع أهمية الإشارة هنا إلى أن النخبة الناطقة بالإسبانية كان عددها قليلا، واقتصرت أساسا على بعض أبناء الأعيان الذين تلقوا تكوينهم في جامعات إسبانية. فضلا عن تشجيع سلطات فرانكو تعلم اللغة والثقافة العربيتين وخلق أقسام للغة العربية في بعض جامعات إسبانيا ابتداء من ثلاثينات القرن الماضي. ووعيا بعزلة البلاد دوليا، حاول فرانكو بتبنيه لهذه السياسة إيجاد مخرج من خلال انفتاحه على العالم العربي من جهة، ومنحه اللجوء السياسي لبعض الوطنيين المغاربة القادمين من منطقة الحماية الفرنسية من جهة ثانية، في إطار سياسة ليبرالية إسبانية تجاه الحركة الوطنية المغربية.
يبقى أنه إذا كان مؤلف "الريف زمن الحماية" للأستاذ أزيزا قد تضمن جملة إشارات تخص رهان البحث والباحثين في تاريخ مغرب الحماية ومنطقة الريف خاصة خلال هذه الفترة، ومن هذه الإشارات ما أثاره حول قضية اللغة الإسبانية من أهمية، فضلا عن مسألة الأرشيف الإسباني، فمن حيث ما هو بحثي تاريخي يخص الريف والحضور الاستعماري الإسباني بالمغرب، يسجل ما تراكم خلال العقدين الأخيرين من دراسات على قدر كبير من الأهمية والقيمة المضافة لفائدة الخزانة التاريخية المغربية، لعل منها أعمال رشيد يشوتي ومحمد أونيا ومحمد أحميان ومصطفي المرون ومحمد العبوتي ويوسف أكمير ومحمد ياسين الهبطي وخالد بويقران ومحمد بويقران وعزيز الحساني، إضافة إلى أعمال تاريخية بحثية أولى وسابقة اهتمت بالريف، في مقدمتها كتابات المؤرخ جرمان عياش ومحمد ابن عزوز حكيم وعبد العزيز خلوق التمسماني وعبد المجيد بنجلون وبوبكر بوهادي وأحمد مهدرها وعبد الرحيم برادة ومحمد العربي المساري وعبد الرحمان الطيبي ومحمد خرشيش وغيرهم. بل يوجد الريف منذ حوالي عقدين من الزمن على ايقاع حركة بحثية علمية هامة توجهت بعنايتها أساسا لحقلي تاريخ وذاكرة المنطقة، وهو ما تجلى فيما عقد هنا وهناك من لقاءات وندوات وما حصل من ترجمة لأعمال أجنبية، لعل منها كتابات المؤرخة الإسبانية ماريا روسا ذي ماذرياغا والأنتربولوجي دافيد مونتمغري هارت والمؤرخ الإنجليزي سباستيان بلفور. ولا شك-يقول الأستاذ أزيزا-أن من شأن مراجعة التأليف الأجنبي وتشجيع البحث التاريخي، بناء تصور سليم حول علاقة الريف بالسلطة المركزية وتعميق معرفة بمحيطه الجغرافي والجيو-استراتيجي، ورفع ما هناك من لبس عن ظرفيات غامضة طبعت تاريخ المنطقة.
إن ما استحضره كتاب "الريف زمن الحماية الإسبانية" من تيمة تاريخية وتماسات وأزمنة وأمكنة وإنسان وعلاقات وبنيات وعقليات وتحولات وفعل وتفاعل ريفي وإسباني زمن الحماية، جعله عملا بحثيا متميزا لما وفره من مادة علمية بقيمة مضافة هامة ملأت بياضا حقيقيا، في أفق ما يساعد على مزيد من البحث والنبش والتنقيب في تاريخ الريف ورمزية ذاكرته، وكذا ما ينبغي من تراكم ودراسات وإغناء وإضافة في هذا الإطار. وعليه، يسجل لمؤلّف "الريف زمن الحماية الإسبانية" ما كان له من سبق وأثر ووقع في توسيع وعاء ذخيرة الأبحاث التاريخية المغربية الأكاديمية من جهة، ونصوص تاريخ المغرب وتاريخ منطقة الريف المعاصر والراهن من جهة ثانية.
(*) مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.