لا أدري و لا أتذكر أول مرة شاهدت فيها ذلك المخلوق الغريب و الجميل الذي لا يشبه غيره . إنها الفراشة . بداية ، شاهدتها فوق الأوراق الخضراء للنباتات و في منتوجات الطبيعة كالورود . أثار انتباهي بهاء ألوانها التي تبهر الناظرين . كانت تبدو لي الفراشات ، و أنا بعد طفل صغير ، مستكينة و هادئة ، بل و كنت أعتقد أنها خجولة و تستحيي ، لأنني لم أر قط وجهها ، كباقي مخلوقات الطبيعة . بل علمت بعد تقدمي في السن ، أن بعض هذه الكائنات لها وسائل للدفاع عن نفسها كالنحل الذي يوخز ، أو الطيور التي تطير بسرعة فائقة للابتعاد عن الخطر الذي يحدق بها . فيما الفراشة كانت دائما في وضعية تسمح بالإمساك بها و صيدها بسهولة و حتى إذا حاولت الفرار و النجاة بنفسها ، غالبا ما يكون طيرانها بطيئا ، هادئا و لا صوت و لا صدى له . كانت تثيرني ، كذلك طريقة توقفها فوق الأغصان و النباتات . كانت سهلة الصيد و الاقتناص ، حيث أن جسمها كان دائما معرضا لخطر الأغيار و كأنها تستعرضه . كان يكثر ظهور الفراشات في فصل الربيع بحيث تقتات من رحيق الزهور و الورود و تضفي مزيدا من الجمال على الطبيعة . و في تاريخ لاحق عرفت أن الفراشة تتطور من اليراقة إلى الشرنقة ثم تخرج للوجود بأجنحتها التي تحفظ لها توازنها ، كما أن ألوانها الزاهية تقيها من اعتداء الطيور عليها ، لأنها تتوهم كبر حجم ذلك المخلوق . كنا نعتقد و نحن أطفال صغار ، أن ” دعك ” أجنحة الفراشة مع أطراف الجسم التي ينبت فيها الشعر ، يسرع في نموه ، و يضفي علينا مظهر الفحولة . و نظرا لكون هذه العملية غالبا ما تكون فاشلة و بدون مردود ، فإن الأطفال كانوا يبالغون في دعك أجنحة الفراشات بأجسادهم إلى حد إتلافها و إعاقتها عن الطيران . كان يثيرني كذلك التشابه الكبير بين دودة القز و الفراشة ، إلى أن أدركت و بعد تقدمي في السن إلى أن دودة القز قد تتطور و تتشكل إلى تصبح فراشة . الفراشات أشكال و أنواع و منها البيضاء التي تزور العائلات في منازلهم ليلا و تطوف و تلف على الضوء أينما وجد . كان أفراد العائلة يستبشرون بها خيرا عند حلولها بين ظهرانيهم ، إلا أن هذه الأخيرة لا تتوفر على جمالية الفراشات الملكية . الفراشة أثثت لوحات كبار الفنانين التشكيليين ، كما أنها استعملت كاستعارة في كثير من الأشعار الرائعة ، و نعتت بها المرأة الجميلة و الوديعة . و لا أخفي ، أنني و في كثير من اللحظات الممتعة ، أنادي حبيبتي : فراشتي .ا