شهدت قضية الصحراء المغربية منذ الاعتراف الأمريكي التاريخي بمغربية الصحراء في 2020 بعد الاتفاق الثلاثي منعرجات قوية وزخما متصاعدا لفائدة السيادة المغربية على صحرائه، في مشهد سياسي يشبه إلى حد بعيد تأثير الدومينو؛ حيث تساقطت المواقف المترددة تباعا لتفسح المجال أمام واقعية سياسية جديدة تنهي نزاعاً افتعلته الجزائر. تقول القاعدة الشهيرة في نظرية الدومينو بمجرد أن يسقط الحجر الأول، فإن البقية ستتبع حتماً وبسرعة أكبر، هذا تماماً ما يحدث اليوم؛ فمن واشنطن إلى باريس، ومدريد، ولندن، وبروكسيل، وبرلين، وأوتاوا، والقاهرة ...يتجه المغرب بخطى ثابتة لإغلاق الباب محكما في وجه الانفصال وداعميه من الجزائر وإيران وجنوب إفريقيا وكوبا… لقد أثبتت جدية وفعالية الدبلوماسية المغربية أن الاطروحة الانفصالية دخلت مرحلة الإنعاش وتنتظر لحظة القتل الرحيم مع مخرجات طاولة المفاوضات التي يرعاها دونالد ترامب، حيث لم يعد للعالم متسع لمشاريع التجزئة والكيانات الوهمية. إن كل ما حصل من اختراقات ونجاحات ديبلوماسية لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة عمل جاد وقوة بصيرة للملك محمد السادس، الذي وضع نظارة واضحة يتعامل بها المغرب مع العالم. وهنا نستحضر قوله في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات." هذه الرؤية الملكية هي التي حولت الموقف المغربي من موقع الدفاع إلى المبادرة، ومن ضيق الصمود إلى رحاب المكاسب مما جعل عواصم كبرى تراجع حساباتها وتلتحق بركب الشرعية التاريخية. والمؤكد أن تأثير الدومينو لا زال مستمراً، وتشير كل المؤشرات الجيوسياسية إلى أنه سيضرب عواصم أخرى في كل القارات، بما فيها تلك العواصم التي كانت تُعد من الحلفاء التقليديين للانفصال. وأمام هذا الواقع الجيوسياسي الجديد، تجد الجزائر وصنيعتها البوليساريو أنفسهما في زاوية ضيقة. فالعالم اليوم لا يؤمن بالجمود ويفهم لعبة اختباء الفيل وراء عمود كهربائي، واليوم أمام الجزائر والبوليساريو فرصة تاريخية للحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه إذا بقى في وجههما قطرة ماء قبل فوات الأوان. وعلى الانفصال أن يدرك أن اللعب على ورقة الوقت لم يعد استراتيجية رابحة، بل أصبح عبئاً على من يتبناه. فالتاريخ لا ينتظر المترددين ولن يمنحهم فرصة اخرى، وقطار الوحدة الترابية يسير بسرعة تفوق سرعة السيارة المهترئة للانفصال التي لا محالة ستقف في الطريق. لقد حسم المغرب أمره، وباتت القناعة الدولية التي جسدها الموقف الكندي أمس راسخة بأن مبادرة الحكم الذاتي هي الحل الوحيد والأوحد تحت السيادة المغربية. وكما قيل في أدبيات السياسة الدولية عندما تتحرك أحجار الدومينو، فإن الجاذبية هي التي تحكم المسار، وجاذبية الحق المغربي اليوم أقوى من أي مناورات انفصالية، فلم يعد ممكناً الانتظار أو اللعب على الوقت؛ فالخريطة اكتملت، والباب سيغلق قريبا وإلى الأبد. *محلل سياسي