جريمة القتل "التعسفي" التي اقترفت بدم بارد في حق مواطنين مغربيين من طرف موظف ينتسب لجهاز الأمن الوطني، جريمة مروعة ومؤلمة بكل المقاييس، وتسيء بشكل كبير لصورة الجهاز الأمني كجهاز مكلف بحفظ الأمن وحماية الأرواح والممتلكات رغم المجهودات المبذولة في هذا الإطار، وهو الأمر الذي يمكن للمراقب أن يستشفه بسهولة من خلال بلاغ الإدارة العامة للأمن الوطني الذي ورد فيه "أن المعني بالأمر تورط في ارتكاب تجاوزات مهنية وقانونية خطيرة خلال استعماله لسلاحه الوظيفي". مهما كانت الأسباب والظروف والملابسات، فإن تدخلات رجال الأمن ينبغي أن تكون معقولة وغير مبالغ فيها، وحتى الوسائل المستعملة فيها، يتعين أن تكون مناسبة وملائمة وتقتضيها الضرورة الأمنية، وغير ماسة بحقوق الإنسان، كالحق في السلامة البدنية والحق في الحياة، والحق في الكرامة الإنسانية، والحق في التظاهر السلمي، والحق في حرية الرأي والتعبير.. وارتباطا بموضوع الحكامة الأمنية في الجانب المتعلق بالقتل التعسفي أو بالاستعمال غير المناسب للسلاح من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، لا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى تعليق جد مهم للّجنة المعنية بحقوق الإنسان على المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية جاء فيه: "ينبغي للدول الأعضاء اتخاذ تدابير ليس فقط لمنع الحرمان من الحياة عن طريق الأعمال الإجرامية، بل أيضا لمنع القتل التعسفي الذي ترتكبه قوات الأمن التابعة لها، والحرمان من الحياة على يد سلطات الدولة هو أمر بالغ الخطورة ولذلك يجب أن يتحكم القانون في الظروف التي قد يحرم فيها شخص من حياته على يد هذه السلطات، وأن يحدد هذه الظروف". مما لاشك فيه، أن أعمال القتل المرتكبة وفقا لاستخدام مشروع للقوة بتفويض للقانون لا تعتبر من حالات إعدام تعسفي لحق الإنسان في الحياة. لهذا على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين في أدائهم لواجبهم أن يطبقوا قدر الإمكان الوسائل التي لا تتسم بالعنف قبل اللجوء إلى القوة واستعمال الأسلحة النارية. كما لا يجوز لهم استعمال الأسلحة النارية إلا إذا ثبت عجز غيرها من الوسائل عن أداء المهمة أو عدم وجود أمل في تحقيقها للنتيجة المنشودة.. ومتى كان الاستعمال المشروع للقوة والأسلحة النارية أمرا لا مناص منه ينبغي على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقللوا الضرر والإصابة إلى الحد الأدنى ويحترمون الحياة الإنسانية ويحافظون عليها. وتقرر المادة الثالثة من مدونة الأممالمتحدة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين "أنه لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم"، كما ينص تعليق اللجنة الدولية لحقوق الإنسان على المادة الثالثة على مايلي: 1 يشدد هذا الحكم على أن استعمال القوة من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ينبغي أن يكون أمرا استثنائيا، ومع أنه يوحي بأنه قد يكون من المأذون به للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يستخدموا من القوة ما تجعله الظروف معقول الضرورة من أجل تفادي وقوع الجرائم أو في تنفيذ الاعتقال القانوني للمجرمين أو المشتبه بأنهم مجرمون، أو المساعدة على ذلك. فهو لا يجيز استعمال القوة بشكل يتعدى هذا الحد. 2 يقيد القانون الوطني في العادة استعمال القوة من قبل المكلفين بإنفاذ القوانين وفقا لمبدأ التناسبية. 3 يعتبر استعمال الأسلحة النارية تدبير أقصى لا ينبغي اللجوء إليه إلا عندما يبدي الشخص المشتبه في ارتكابه جرما مقاومة مسلحة أو يعرض حياة الآخرين للخطر بطريقة أخرى وتكون التدابير الأقل تطرفا غير كافية لكبحه أو لإلقاء القبض عليه، وفي كل حالة يطلق فيها السلاح الناري ينبغي تقديم تقرير إلى السلطات الخاصة دون إبطاء. أما مبادئ الأممالمتحدة الأساسية بشأن استعمال القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين فقد نصت على عدة أمور توجيهية ترتبط بالمبادئ العامة لاستعمال الأسلحة وبالجانب المتعلق بالمسائلة عن استعمال الأسلحة وبالظروف المسموح فيها باستعمال الأسلحة وبإجراءات استعمال الأسلحة وما بعد استعمالها. من خلال هذه المقتضيات الواردة في التشريعات الدولية يبدو جليا أن استعمال السلاح الناري من طرف الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ليس هو القاعدة بل يشكل الاستثناء الذي تمليه حالة الضرورة القصوى بما يتوافق ومبدأ التناسبية. غير أنه بالعودة إلى شريط الفيديو الذي يوثق لواقعة القتل التعسفي لشاب وشابة من قبل رجل الأمن أمام الملأ، يتضح بأن الشرطي القاتل، لم يتقيد ولو بالحد الأدنى من المبادئ التي تؤطرها مدونة قواعد وسلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين. كما أنه لم يتصرف وفق توجيهات الإدارة العامة للأمن الوطني في الشق المتعلق بضوابط الحكامة الأمنية أثناء وجود أي احتكاك سلبي مع المواطنين.