تحت عنوان "منظومات التسريع الصناعي: أي وقع اقتصادي على الصعيد الوطني؟"، احتضن المقر المركزي لحزب الحركة الشعبية بالرباط، مساء أمس الجمعة، ندوة حول وضعية القطاع الصناعي بالمغرب، توقفت مليًا عند أبرز التحديات التي تعيق مساهمته في تحقيق القيمة المضافة، عبر امتصاص البطالة والرفع من قيمة الكفاءات المحلية. وخلال الندوة التي دعا إليها "مركز سنابل للدراسات والسياسات العمومية"، شددت عدد من المداخلات على ضرورة جعل المقاولات المغربية، لاسيما الصغرى منها والمتوسطة، في صلب الدينامية الصناعية الوطنية، مع العمل على ربط الاستثمارات في هذا القطاع بأولوية دعم أسس العدالة المجالية. وأكد محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، "الارتباط الكبير بين التسريع الصناعي والعمل التشريعي"، حيث قال إنه "لا وجود لتسريع صناعي دون تشريع أو إطار قانوني منظم يفتح الفرص أمام استقطاب الشركات والفاعلين الاقتصاديين الوطنيين والدوليين". وأبرز أوزين، في كلمة افتتاحية، أن "المطلوب اليوم هو كيفية بناء اقتصاد قوي قادر على خلق فرص الشغل، خاصة أن المغرب حقق نقاط قوة في صناعة السيارات وصناعات مماثلة"، موضحًا أن "جلب الاستثمارات الأجنبية مهم، لكن الأهم هو بناء قدرات إنتاجية حقيقية داخل المملكة". كما أشار إلى "ضرورة رفع نسبة الإنتاج المحلي وإطلاق جيل جديد من الصناعات، بهدف الانتقال من اقتصاد التجميع الصناعي إلى اقتصاد قادر على الابتكار والإنتاج، في أفق تحقيق السيادة الصناعية"، كاشفًا بالمناسبة أن "العمل يجب أن ينصب على تشكيل عقيدة صناعية مغربية تقوم على منطق التعلم التدريجي وبناء القدرات الوطنية". مقاولات غائبة أوضح يوسف الكراوي الفيلالي، نائب رئيسة مركز سنابل، أن "المنظومة الصناعية في المغرب تشمل مجموعة من القطاعات الصناعية، تتقدمها صناعات السيارات والطيران وكذا النسيج"، مبرزًا أن "الهدف الأساسي هو وجود شركات رائدة تقود القاطرة الاقتصادية الوطنية نحو مرحلة التصنيع المتكامل". وشدد الفيلالي، ضمن مداخلته، على "ضرورة عدم الاكتفاء بالقراءة السطحية لأرقام الصادرات المغربية التي تبلغ 430 مليار درهم؛ فهي أرقام مهولة في ظاهرها، لكنها تخفي تبعية هيكلية، طالما أنها تتحقق عبر شركات عالمية مستثمرة وطنيًا ومتواجدة على مستوى مراكز التسريع الصناعي، مما يجعل النسيج المقاولاتي المحلي ضعيفًا وتابعًا للسلاسل الإنتاجية الأجنبية". ولفت الخبير الاقتصادي إلى "وجود خلل في التوزيع الجغرافي للاستثمارات، حيث تتركز مناطق التسريع الصناعي في خمس جهات فقط من أصل 12 جهة بالمملكة"، مبينًا أن "تعميم هذه الدينامية يتطلب إرادة حقيقية، بهدف ضمان عدالة استثمارية تشمل مختلف المناطق"، بتعبيره. إلى ذلك، أبرز المتحدث ذاته أن "المغرب يعيش على وقع مفارقة اقتصادية حادة، تتمثل في ضخ استثمارات أجنبية ضخمة بمليارات الدراهم، دون أن يقابلها خلق فرص شغل مناسبة"، مستنتجًا بذلك أن "نسبة النمو المحققة لا تنعكس على سوق الشغل الوطنية، وهو في حد ذاته إشكال بنيوي يطرح فاعلية الاستثمارات الأجنبية المباشرة". وقال موضحًا: "نستثمر أكثر ونخلق مناطق للتسريع الصناعي ونجلب مستثمرين أجانب، لكن، مع الأسف، لا ينعكس هذا المجهود على نسب خلق فرص الشغل". ولم تفته أيضًا الإشارة إلى ما اعتبره "غيابًا للمقاولة الصغرى والمتوسطة المغربية عن هذه الحلقة، طالما أن المقاولات العالمية الكبرى تسيطر على مراكز التسريع الصناعي"، ملمحًا إلى "عدم توفر سياسة واضحة للرفع من قيمة الكفاءات الوطنية وجعلها رهن إشارة الشركات الأجنبية". بحث عن القيمة المضافة من جهته، تحدث عبد العالي المنور، مهندس باحث في الاستراتيجيات القطاعية، عن مسار القطاع الصناعي بالمملكة، الذي كان في وقت سابق يقتصر على الصناعات الغذائية والنسيج والإسمنت والفوسفاط، قبل أن يعرف الانفتاح، في مطلع الألفية الثالثة، على صناعة السيارات وكذا صناعة الطيران وصناعات متقدمة وأكثر قيمة، بالموازاة مع توالي الاستراتيجيات الصناعية المعلن عنها. ولفت المنور، ضمن مداخلته، إلى أن "الرغبة الحقيقية في التغيير بالمغرب ظهرت أكثر ما بين عامي 1983 و2004، وهي الفترة التي شهدت توقيع اتفاقيات التبادل الحر والانفتاح على الأسواق الخارجية"، وأردف: "كان المغرب مضطرًا حينها لإصلاح منظومته التجارية والصناعية والاندماج في الاقتصاد العالمي؛ وهي سياسة إيجابية رغم أنها لم تخلق فرص شغل كافية في بدايتها". وفي هذا الصدد، أبرز كاتب "مركز سنابل للدراسات والسياسات العمومية" أن "الإشكال الأساسي يكمن في نسبة الإدماج (Taux d'intégration) أو القيمة المضافة التي يتم الحديث عنها على أنها تصل إلى 70 أو 80 في المائة بالمغرب، بيد أنها في الحقيقة لا تزيد عن 30 في المائة، بعد إزالة المواد المستوردة من الخارج، مما يبرز أن صناعتنا الوطنية ما تزال تعاني من تحديات جمّة". كما سجل أن "المغرب، بين مخططي الإقلاع الصناعي والتسريع الصناعي، كان ملزمًا بمسايرة التطورات الدولية، إذ قرر، مع مطلع الألفية الثالثة، الانفتاح على مجموعة من الدول في إطار اتفاقيات التبادل الحر التي ما تزال سارية إلى يومنا هذا".