يعتبر الالتزام الفكري والنضالي بقضية تحرر المرأة وتحقيق المساواة بين الجنسين شرطا لتحرر جميع أفراد المجتمع , وبعدا جوهريا من أبعاد التحديث الثقافي والسياسي والاجتماعي. إن المبالغة في الحديث عن المكتسبات المحققة لايجب أن يطمس الواقع المؤلم الذي تواجهه الأغلبية الساحقة من نساء بلادنا في مختلف المستويات, وأخطرها مستوى الذهنية الذكورية المهيمنة في كل فضاءات الحياة اليومية . وإذا كان يوم 8 مارس في مصدره التاريخي يرتبط بكفاحات النساء العاملات في بداية القرن الماضي بأمريكا والغرب من أجل المساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ( حق الاقتراع آنذاك) , فإن مطلب تحقيق مكاسب فعلية في المساواة بين الجنسين ما زال مطلبا ملحا , ولا غنى عنه في ربح رهانات تقدم ونهضة مجتمعنا : فعلى الرغم من المكتسبات التي تحققت بفعل نضال الحركة النسائية ومختلف قوى التقدم ,فإن المرأة في مجتمعنا ما زالت تواجه ظلم الإقصاء والتهميش والتعنيف والإستغلال الاجتماعي والجنسي ما يفرض سياسات عمومية إرادوية للنهوض بأوضاعها في كافة المجالات والقطع مع كل أشكال وظاهر وتعبيرات التمييز بين الجنسين . إن الصورة الدونية للمرأة, المترسخة في الوعي واللاوعي الجمعيين تشكل مكونا من مكونات التأخر التاريخي لمجتمعاتنا , و مظهرا من مظاهر رسوخ الفكر التقليدي المحافظ , ما يجعل من مسألة تحرير المرأة من مختلف أشكال التمييز والتهميش والتسليع مدخلا لا غنى عنه في ربح رهانات التحديث الفكري والسياسي , وتحقيق النهضة المجتمعية الشاملة. إن المواجهة النقدية للثقافة الذكورية والتقليدانية ولمختلف أشكال التشييء و" التسليع" للمرأة , هي أكبر من كونها معركة مطالب حقوقية يتم التنصيص عليها دون تفعيل حقيقى , فعلي إنها معركة ثقافية بالدرجة الأولى : معركة تربوية تثقيفية تنويرية وتجديدية لمختلف الخطابات حول المرأة , إنها هي رافعة أي تفعيل لمبدأ المساواة القانونية والحقوقية والاجتماعية والسياسية بين الجنسين , وتحصين له من أي نكوص أو احتواء من طرف تيارات التقليد والمحافظة .. إن تحرير الوعي الفردي والجمعي , الذكوري والأنثوي على حد سواء ,من ركام مستنقعات الثقافة الماضوية الذكورية الملتحفة بلبوس ديني , يشكل شرطا لا غنى عنه لبناء ثقافة المساواة , فالنضال من أجل تحرير المرأة من مختلف مظاهر الحيف والإقصاء, ومن الفقر والهشاشة ..الخ هو أعمق من كونه مجرد مطالب قانونية وحقوقية تفصيلية_على أهميتها وحيويتها_ , إ نه مسألة فكرية , ثقافية , إيديولوجية , في المقام الأول , و رهان حيوي من رهانات أي مشروع حداثي نهضوي.. فليكن يوم8 مارس يوما لمساءلة الذات , والتفكير في المسألة النسائية كمسألة ثقافية وسياسية واجتماعية وحقوقية وإنسانية , أي في شموليتها , بدل اختزالها في مكتسبات متواضعة, بل هشة ضمن بهرجة إعلامية " ترى الشجرة ولاترى الغابة" فتطمس بذلك كل أبعادها كمسألة مركزية في أي مشروع مجتمعي نهضوي شامل.. ولعله من الواجب , في هذا اليوم , الاعتراف بالدور النضالي الرائد الذي تضطلع به الحركة النسائية المغربية بمختلف مكوناتها و أطيافها الديمقراطية التقدمية من أجل حماية المكتسبات التي حققتها بنضالها , وتفعيل المساواة بين الجنسين في السياسات العمومية للدولة . ولاشك في أن الحاجة ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى كي توحد الحركة النسائية صفوفها , ومبادراتها , تفعيلا لشعار " من أجل حركة نسائية مغربية جماهيرية مستقلة" .