بالنظر إلى تحليل إيمانويل تود والواقع الجيوسياسي، فإن الاعتقاد بأن دول شمال أفريقيا بمنأى عن هذه الحرب هو "هدوء يسبق العاصفة". فرغم البعد الجغرافي عن مضيق هرمز، إلا أن الانعكاسات ستكون بنيوية وعميقة لعدة أسباب، خصوصا إذا تنبئنا بتحول إيران إلى قوة إقليمية وانحسار الهيمنة الأمريكية التي يمكن أن تحمل أبعاداً "زلزالية" على التوازن الحساس بين المغرب والجزائر. في عالم يبتعد عن القطبية الأمريكية الواحدة، تصبح المنافسة بين الجارين أكثر تعقيداً وارتباطاً بالمحاور الدولية الجديدة. قد لا يكون سقوط الهيمنة الأمريكية حدثاً حتمياً، بل احتمالاً بين احتمالات أخرى. فالتاريخ يبين أن القوى الكبرى كثيراً ما تعيد إنتاج نفوذها بطرق جديدة، سواء عبر الاقتصاد أو التكنولوجيا أو التحالفات المرنة. لذلك، على دول شمال أفريقيا أن تتعامل مع المستقبل كفضاء متعدد السيناريوهات، حيث قد يتعايش تراجع أمريكي جزئي مع استمرار أدوات النفوذ المالي والتقني لواشنطن، مما يفرض على المغرب والجزائر استراتيجيات أكثر مرونة وتعددية. سيزداد الاستقطاب بين المغرب والجزائر؛ وتجد دول المنطقة نفسها مجبرة على الاختيار بين الاستمرار تحت المظلة الغربية أو الانفتاح أكثر على المحور الأوراسي (الصينوروسيا) الذي سيبدو أكثر استقراراً وقوة بعد انكسار الهيمنة الأمريكية. لكن إذا كانت شمال أفريقيا لن تتأثر بالرصاص، فإنها ستتأثر بالاقتصاد والندرة والتحالفات. إذا سقط "النظام العالمي القديم" في طهران، فإن "الخريطة السياسية" في الرباطوالجزائر ستتغير جذرياً لتتلاءم مع واقع أوراسي جديد. إن انتصار محور (روسيا-الصين-إيران) يعني أن الجزائر ستشعر بأن خيارها الاستراتيجي كان "رهاناً رابحاً". هذا سيعزز من ثقتها في مواقفها الإقليمية، خاصة في ملف الصحراء. كما في حال إغلاق مضيق هرمز، ستصبح الجزائر "رئة" حيوية لأوروبا المذعورة طاقياً، مما يمنحها نفوذاً دبلوماسياً هائلاً للضغط على القوى الأوروبية (خاصة فرنسا وإسبانيا) لتبني مواقف تخدم مصالحها. في عالم مضطرب طاقياً، ستظل الجزائر شريكاً لا غنى عنه لأوروبا، مما يمنحها حصانة دبلوماسية تجعل القوى الغربية تتردد في الضغط عليها لصالح المغرب. أوروبا ليست مجرد مستهلك للطاقة، بل هي لاعب يبحث عن إعادة تعريف دوره في عالم مضطرب. قد تدفعها أزمات الهجرة والأمن إلى صياغة سياسة أكثر استقلالية تجاه شمال أفريقيا، بعيداً عن المظلة الأمريكية. هذا يفتح الباب أمام المغرب والجزائر لتوظيف أوراقهما ليس فقط في ملف الطاقة، بل أيضاً في ملفات الأمن والحدود والهجرة، مما يمنح المنطقة وزناً إضافياً في الحسابات الأوروبية. بعدما قام المغرب بتعزيز تحالفاته مع الولاياتالمتحدة وإسرائيل (خاصة بعد الاتفاقيات الثلاثية)، سيجد نفسه أمام واقع جديد إذا ما تراجع النفوذ الأمريكي كما يتوقع تود. لذلك سيضطر إلى إعادة حساباته إذا ضعفت المظلة الأمريكية، قد يسرع المغرب استراتيجيته في "تنويع الشركاء" نحو الصينوروسيا للحفاظ على التوازن العسكري والدبلوماسي. لكن بالوصول إلى عام 2026، لم يعد "فك الارتباط" مع اسرائيل مجرد قرار سياسي بإغلاق مكتب اتصال، بل أصبح عملية محفوفة بمخاطر استراتيجية كبرى بسبب "المأسسة" العميقة التي حدثت للعلاقات في السنوات الخمس الأخيرة. إن التحدي الأكبر أمام المغرب لن يكون في ميدان التحالفات الخارجية فقط، بل في الداخل الاجتماعي. الضغوط الاقتصادية، التضخم، وأزمات الغذاء والطاقة قد تتحول إلى عوامل زعزعة للاستقرار إذا لم تُدار بذكاء. هنا يصبح "سباق التحمل" ليس مجرد قدرة على الصمود أمام الخارج، بل قدرة على الحفاظ على الشرعية السياسية والتماسك الاجتماعي أمام موجات الغضب الشعبي. يحدر تود من "انكسار القيد" الإسرائيلي والتوتر النووي، الذي قد يضع المغرب في موقف حرج، حيث سيحاول الموازنة بين التزاماته الاستراتيجية وبين الضغط الشعبي والواقع الإقليمي المتغير. إن فك الارتباط في 2026 ليس "مستحيلاً"، لكنه "مكلف استراتيجياً" بشكل لا يوصف، لأن العلاقة تحولت من "تطبيع رمزي" إلى "تحالف هاردوير" (Hardware Alliance) يدخل في صلب الأمن القومي المغربي. تنظر الدولة للعلاقة ك "ضرورة وجودية" (Functional Sovereignty) لحماية الوحدة الترابية، وتتبع استراتيجية "الدبلوماسية الهادئة"؛ حيث ترفع صوت التنديد بالإجراءات الإسرائيلية في فلسطين، بينما تستمر في تعميق التعاون العسكري والصناعي "خلف الأبواب المغلقة". وإذا كانت القوة القادمة هي قوة "المهندسين والابتكار الذاتي"، ستنتقل المنافسة بين البلدين من "شراء السلاح" إلى "تكنولوجيا المسيرات والصواريخ". ستستفيد الجزائر من نقل التكنولوجيا الروسية-الإيرانية، بينما سيعتمد المغرب على التكنولوجيا الغربية-الإسرائيلية، مما يحول المنطقة إلى ساحة لاختبار أحدث تكتيكات الحرب غير المتناظرة. سيتحول الصراع من صراع محلي إلى "صراع بالوكالة" ضمن المواجهة الكبرى بين الغرب المترنح والشرق الصاعد. قد يميل لصالح الجزائر بسبب ارتباطها العضوي بالمحور المنتصر (روسيا-الصين). ومع ذلك، يمتلك المغرب قدرة "براغماتية" عالية على المناورة، وقد يسعى لتقديم نفسه كجسر بين "أوروبا المنهارة" وبين "أفريقيا الأوراسية الجديدة". إذا استطاع المغرب أن يحافظ على براغماتيته، فقد يقدم نفسه كجسر بين أوروبا الباحثة عن الاستقرار وأفريقيا التي تنجذب نحو المحور الأوراسي. هذا الدور يتطلب مبادرات عملية: تعزيز الاستثمارات في غرب أفريقيا، تطوير مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، وتقديم نفسه كوسيط دبلوماسي قادر على التحدث بلغات متعددة مع القوى المتنافسة. بهذا الشكل، يتحول المغرب من مجرد طرف في الصراع إلى فاعل يملك قيمة مضافة في النظام العالمي الجديد. لقد وصل الطرفان لتوازن الرعب ومرحلة من التسلح تجعل تكلفة أي حرب شاملة "انتحاراً متبادلاً" سيدمر اقتصاد البلدين لعقود. غير أن انقسام العالم في 2026 يأخد شكل واشنطن وتل أبيب تدعم الطموح المغربي، في المقابل تضمن موسكو وبكين استمرار القوة الجزائرية. هذا التوازن الدولي يمنع "حسم" الصراع محلياً. إن "الجزائر تربح جيوسياسياً" (بصعود حلفائها الشرقيين)، التحالف مع "المنتصرين": كونها بوابة الصين وأحد أوثق حلفاء روسيا في أفريقيا، فإن الجزائر تراهن على أن النظام العالمي الجديد سيثبت أقدامها كقوة إقليمية مهيمنة. لكن "المغرب يربح مؤسساتياً" (بتماسكه الداخلي وتغلغله الاقتصادي في أفريقيا). سيكون الحسم الحقيقي في ساحة المعركة، بل في "سباق التحمل": من منهما سيستطيع الحفاظ على استقراره الداخلي وتماسكه الاجتماعي أمام موجات التضخم وتحولات الطاقة العالمية؟ في النهاية، يعاد تعريف السيادة في عالم متعدد الأقطاب. لم تعد السيادة مجرد قدرة على التحكم في الحدود أو عقد التحالفات، بل أصبحت "سيادة وظيفية" مرتبطة بالقدرة على أداء دور محدد في شبكة عالمية معقدة. الجزائر تراهن على دورها كقوة طاقية وجيوسياسية، والمغرب يراهن على دوره كمؤسسة مستقرة وجسر اقتصادي. لكن السؤال الأعمق يبقى: أي نموذج من السيادة سيكون أكثر قدرة على الصمود أمام العواصف القادمة؟