كشف تحقيق أجرته تعاونيات البحث الاجتماعي الإسبانية لصالح منظمة " Women ́s Link Worldwide" الدولية، الانتهاكات المستمرة التي تتعرض لها العاملات المغربيات الموسميات في إقليم "هويلفا" الإسباني. التحقيق الذي نشرت مضامينه أمس الخميس، بعد التقصي الذي أجرته تعاونيات البحوث الاجتماعية الإسبانية، بشراكة مع خبراء مستقلين، بناء على طلب منظمة "Women ́s Link Worldwide" الدولية، أكد أن الانتهاكات الرئيسية لحقوق العاملات المغربيات في سنة 2019 ، استمرت على الرغم من حقيقة أنه تم بالفعل تنفيذ بعض الإجراءات مثل (بروتوكول العمل ضد التحرش الجنسي)، بعد تكشف قضايا الاستغلال الجنسي التي انفجرت في 2018.
نساء في وضعية هشاشة وأكد التحقيق أن هذا الانتهاكات تبدأ من معايير اختيارهن بالمغرب، حيث غالبا ما تختار بشكل شبه حصري للنساء اللواتي لديهن أطفال قاصرون، وغالبا ما يكونون مطلقات أو أرامل، وذلك من أجل ضمان عودتهن فيما بعد. وسجل التحقيق غياب الشفافية فيما هو مكتوب على العقود، وعدم تطابقه مع يوجد على أرض الواقع، لدى وصول العاملات إلى إقليم "هويلفا". وأكد التحقيق أن العاملات لا يدركن الشروط المحددة المنصوص عليها في عقود عمله،ن أو الحقوق التي يضمنها الاتفاق الجماعي، فالعقود المسبقة الموقعة في المغرب هي باللغة الفرنسية، وهي لغة لا تتحدثها ولا تقرأها معظم العاملات ولا يتم تزويدهن بترجمة مكتوبة، ولا يحصلن على نسخة من العقد الموقع في جميع الحالات (حتى عند وصولهن إلى إسبانيا). و يتم إبلاغهن شفهيًا ببعض خصائص العقد، والراتب التقريبي ، وحقهم في الراحة الأسبوعية والإجازات أثناء النهار، وجميع هذه الجوانب التي لا يتم الوفاء بها دائمًا لاحقًا. وحسب التحقيق تختلف شروط الإقامة التي يتم إبلاغ العاملات بها قبل مجيئهن إلى "هويلفا" عما وعدن به سابقا. وأشار التحقيق أن العاملات يتحملن سلسلة من النفقات من أجل الوصول إلى هذه العقود، تبدأ من الشهادة الطبية وجواز السفر والتأشيرة، ويتعين عليهن أيضا مواجهة تكلفة السفر إلى المراكز الحضرية لتنفيذ الإجراءات الإدارية وحضور المواعيد مع "لانابيك" (للتسجيل واختيار وتوقيع العقد) وشراء الطعام والملابس وأدوات المطبخ لإقامتهن في "هويلفا". وأكد التحقيق أن أغلب العاملات التي يتم انتقاؤهن ينحدرن من وسط اجتماعي متسم بالضعف الشديد، فأغلبهن نساء قرويات من دون أي مستوى دراسي، و معيلات لأسرهن. وشدد على أن هذه الأسباب القاهرة تدفعن للصمت والعمل تحت أي ظروف. ساعات إضافية وحرمان من الراحة وأبرز التحقيق أنه قد يتأخر توقيع العقد لتكييف تواريخ بدء النشاط بما يناسب صاحب العمل، ومن الانتهاكات الأخرى التي تم تحديدها وسائل نقل العاملات. وأحصى التحقيق العديد من الانتهاكات المرتبطة بظروف العمل وفترات الراحة، إذ غالبا ما لا تتمتع العاملات دائمًا بنصف ساعة من الراحة أثناء النهار، كما يتم حرمانهن من يوم الراحة الأسبوعي، إلى جانب فرض العمل الإضافي بموجب منطق التحكم في الإنتاجية والذي تم من خلاله إنشاء حد أدنى من الصناديق يتم جمعها يوميًا ، مما يجبرهن في بعض الأحيان على العمل أكثر من الساعات المحددة في الاتفاقية. وتُفرض ساعات العمل الإضافي هذه أحيانًا تحت التهديد بالعقوبات التي تتمثل أساسًا في حرمان العاملات من ساعات العمل وعدم دفع ساعات العمل الإضافية أو دفعها بالمعدل العادي. وفيما يتعلق بالأجور، كشف التحقيق عن العديد من المخالفات مثل قلة الساعات المسجلة، وحذف أيام العمل، وخصومات لا داعي لها. كما أن طريقة الدفع تخلق العديد من علامات الاستفهام، فالعاملات اللواتي يتلقين رواتبهن نقدًا، ليس لديهن دليل للإبلاغ عنه، ومن تتقاضين عن طريق التحويل المصرفي لا تجدن دائمًا مراسلات بين ما يجب أن يتلقوه وما يفرضه المشغل في نهاية المطاف، علما أن اللغة هنا ضرورية، والعاملات في الأصل لا يتحدثن الإسبانية، ولا يعرفن التنظيم الإداري الإسباني، ولا كيفية الإبلاغ وتقديم شكاوي. ظروف إقامة مزرية وأحصى التحقيق أيضا انتهاكات مرتبطة بحالات الفصل، الذي يتم عادة بسبب التلاعب في العقود لتمديد الفترة التجريبية من 15 إلى 30 يومًا ، ويمكن خلالها للشركة الانسحاب من توقيع العقد دون ادعاء السبب؛ أو لأن العمال ملزمون بالتوقيع على مستندات التسريح الطوعي دون معرفة ذلك. إلى جانب الانتهاكات المرتبطة بشروط الإقامة، حيث يشار في العقد أن كل من الإقامة والانتقال من مكان الإقامة إلى مكان العمل سيقدمهما صاحب العمل، ومع ذلك هناك حالات يقوم فيها أصحاب العمل بخصم تكاليف الماء والكهرباء والإيجار والغاز، على العاملات الموسميات، ويتم إجراء الخصومات مباشرة ولا تظهر عادة في العقود أو كشوف المرتبات، أو يتم إضافة نصف ساعة من العمل غير مدفوع الأجر كل يوم لدفع النفقات المتعلقة بالسكن. وأكد التحقيق أن ظروف إقامة وعيش العاملات الموسميات محفوفة بالمخاطر وغير صحية، فالعديد من الأماكن التي تمت زيارتها، والتي تقطن فيها العاملات، تم الوقوف فيها على نقص مياه الشرب، وعدم القدرة على الحصول على الماء الساخن للنظافة الشخصية، أماكن إقامة مزدحمة، إدارة غير مناسبة للنفايات والصرف الصحي، أكواخ خشبية بدون نظام تكييف. حالات التحرش الجنسي وأكد التحقيق أن عدم استقرار العمل المياوم، والخطر القانوني الذي ينطوي عليه هذا النوع من العقود في الأصل، يضع العاملات في موقف ضعيف للغاية في مواجهة العنف. وأشار أن اختيار النساء الفقيرات اللواتي يعلن أطفالا صغار، والمطلقات أو الأرامل في كثير من الأحيان، يضعهن في حالة اعتماد شديد على العقود وتجديدها، علاوة على ذلك فإن سلطة إعادة العمال إلى بلد المنشأ تعتمد بشكل مباشر على إرادة المدير أو الرئيس. يضاف إليها أن العزلة في أماكن الإقامة، والجهل بالبيئة المحلية واللغة الإسبانية، وكذلك العلاقات الاجتماعية المحدودة خارج المزارع، تساهم في زيادة انعدام الحماية للعاملات، يضاعفها أن لجوؤهن إلى الغرباء لطلب المساعدة يعرضهن لأنواع عديدة من التبعية تنتج استغلال جنسيا. ووقف التحقيق على بعض حالات التحرش الجنسي، التي شملت الإيماءات البذيئة، واللمس والتقبيل، وإظهار صور ذات محتوى جنسي، والنكات الجنسية. الإهانة وسوء المعاملة وأكد التحقيق أن كل العاملات اللواتي تمت مقابلتهن صرحوا أنهم عانوا من تعليقات وسلوكيات تمييزية مثل الإهانات وسوء المعاملة، وفي بعض الحالات العنف الجسدي. ونسبت العاملات هذه السلوكيات المهينة التي اضطروا إلى تحملها إلى أصحاب المزارع، الذين يقومون بدفع العمال الموسميين أو إهانتهم أو حتى منعهم من الذهاب إلى الحمام. وسجل التحقيق عدم قدرة العاملات الوصول إلى العدالة خوفا من فقدان العمل، فعندما تقرر النساء الاتصال بالنقابات أو الجمعيات لتقديم شكوى ، فإن إعادتهن المتوقعة إلى بلادهن، تكون أحد الإجراءات التي يسلكها أصحاب المزارع لمعاقبتهن. كما أن العزلة والجهل بالبيئة التي يعشن فيها والخوف من فقدان وظائفهن والعودة إلى المغرب واستبعادهم من العقود في المواسم المقبلة، كل ذلك يمنعهن من تقديم شكاوي. عبودية جديدة وخلص التحقيق إلى أن أرباب العمل الذين يتحكمون في حياة العاملات، يولدون نظامًا بيئيًا اجتماعيًا كاملًا من العادات والنظم تشبه إلى حد بعيد علاقات العبودية. واستنتج أن الانتهاكات التي تتعرض لها العاملات هي نتيجة لخصائصهن الاجتماعية والديموغرافية ، فهؤلاء النساء يتعرضن بالفعل لخطر لاستبعاد وقهر اجتماعي في بلدهن الأم(في معظم الحالات هم معيلات لأطفال، فقيرات وأميات من وسط قروي)، يأتون إلى إسبانيا دون معرفة اللغة وعادة ما يحتفظ رب العمل وثائقهن عند وصولهن إلى إسبانيا (لتجنب بقائهن في البلاد كمهاجرين في وضع غير نظامي)، وليست لديهن تغطية صحية، ويعيشن في أماكن عملهن في مزارع بعيدة عن المراكز السكانية ، مما يحد من إمكانية الاتصال بأشخاص آخرين ويجعل من الصعب الوصول إلى الخدمات الأساسية ، وتصبح هذه المساحات مثل "غيتوهات" معزولة لا يعرف أحد ما يجري فيها. تجدر الإشارة أن المنظمة الدولية Women's Link Worldwide ، بعثت بدعم من سبع منظمات أخرى ، برسالة عاجلة إلى مختلف منظمات الأممالمتحدة ، أبلغت فيها عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تتعرض لها العاملات الموسميات المغربيات وغيرهن في الضيعات الفلاحية الإسبانية، محذرة من تفاقم الوضع نتيجة الوباء الناجم عن كورونا، مؤكدة أن احترام حقوق العاملات هو فوق المصالح الاقتصادية.