قدم عبد العلي حامي الدين، القيادي في حزب العدالة والتنمية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، تشخيصه لما وصفها ب"نكسة البيجيدي" في انتخابات 8 شتنبر. وجاء ذلك في سلسلة من المقالات التي اعتاد نشرها مع اقتراب موعد المؤتمر الوطني للحزب. وأشار القيادي في حزب العدالة والتنمية إلى أن من بين أسباب هذه "النكسة" عوامل سياسية، تمثلت في قرارات حكومية ناقضت – أو بدت وكأنها ناقضت – مرجعية الحزب. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما اتخذ في عهد سعد الدين العثماني، والذي أثار حفيظة القواعد، إذ بدا مناقضاً لمبادئ الحزب أو لثقافته، أو على الأقل هكذا فُهم. وقد جاء ذلك في ظل غياب نقاش داخلي عميق وتواصل سياسي فعّال، لا سيما بشأن: القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بالهندسة اللغوية، والقانون رقم 13.21 حول تقنين الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي.
إلى جانب توقيع رئيس الحكومة على الاتفاق الثلاثي، وما تبعه من موجة تطبيع جارفة مع الكيان الصهيوني، خلّفت صدمة وردود فعل غاضبة داخل صفوف الحزب ومتعاطفيه، وعلى رأسهم حركة التوحيد والإصلاح، التي سجلت موقفاً رافضاً، وامتنعت لأول مرة عن دعوة أعضائها للمشاركة في الحملة الانتخابية، وتركت لهم حرية الاختيار، فكان الامتناع والتخلي شبه الكامل عن دعم مرشحي الحزب، ناهيك عن تراجع الحماسة المطلوبة في الحملات الانتخابية. واعتبر حامي الدين أن من بين عوامل تراجع حزب "العدالة والتنمية" التعامل الضعيف والمتراخي مع تعسفات السلطة خلال الانتخابات، خاصة على مستوى الإدارة الترابية. حيث واجه مرشحو الحزب – خصوصا في دوائر الاقتراع الفردي – تعسفات صارخة دون أن يجدوا من قيادة الحزب الحماية السياسية الكافية. وأشار إلى أن هذا العامل أثّر على مستويين: أولهما إصابة جزء من القواعد الاجتماعية بإحباط شديد، إذ لم ير هؤلاء الحزب يدافع عنهم أو عن حقوقهم الانتخابية، فابتعد بعضهم عن الحزب، فيما لجأ آخرون إلى الترشح تحت ألوان أخرى بإيعاز من السلطة. وثانيها تراجع تغطية الحزب للدوائر ذات الاقتراع الفردي بأكثر من 8750 مرشحاً مقارنة بالاستحقاقات السابقة، وهو ما أثر بشكل مباشر على النتائج. ولفت إلى أن الحزب قدم موقفا باهتا تجاه التعديلات الانتخابية المجحفة، إذ لم يُفعّل رئيس الحكومة الفصل 103 من الدستور، الذي يتيح له ربط استمرار الحكومة بمنح الثقة بشأن قانون معيّن (مثل القوانين الانتخابية). كما لم تُقدّم الحكومة أي مذكرة طعن لدى المحكمة الدستورية بخصوص تلك القوانين، ما بدا وكأنه استسلام كامل وضعف فاضح. وأكد حامي الدين أن هناك خلافات داخلية تفجّرت خارج مؤسسات الحزب، منها تراكم الخلافات بين القيادات، وغياب آليات فعالة لاحتوائها داخل أجهزة الحزب، جعل وسائل التواصل الاجتماعي ساحةً لتبادل الاتهامات، ما شوّه صورة الحزب المنظّم، وأفقده ثقة جزء معتبر من الرأي العام. وأوضح أن هناك أسبابا أخرى ذات طبيعة تنظيمية أنتجت ما تعرض له "البيجيدي" سنة 2021، من بينها ضعف التأطير والتعبئة من القيادة، وخاصة من الأمين العام ورئيس الحكومة، ما انعكس سلباً على التفاعل مع القواعد خلال الحملة، فالمهرجان الرقمي لانطلاق الحملة لم يتابعه أكثر من 2500 شخص، وانهيار النفس النضالي لعدد كبير من المناضلين والمتعاطفين، والغياب اللافت للوجوه المعروفة في الحملات، وامتناع البعض عن التصويت أصلاً، فحتى الأمين العام السابق بنكيران خرج عشية الانتخابات ببث مباشر، اكتفى فيه بالدعوة إلى عدم التصويت على أخنوش دون أن يدعو للتصويت لحزبه. وأبرز أن "البيجيدي" قاد حملة بلا شعار سياسي وخطاب باهت: غياب شعار سياسي وازن، وضعف واضح في الخطاب مقارنة بشعارات الماضي (صوتك فرصتك لمواجهة الفساد والاستبداد). يُضاف إلى ذلك الخلل الواضح في تدبير ملف المراقبين، والفشل في تغطية مكاتب التصويت، وهو خطأ قاتل في سياق انتخابي دقيق كهذا.