في المغرب، يعود الشارع إلى نبضه من جديد، وهذه المرة بقيادة جيل يُقال عنه إنه لا يؤمن بالسياسة، جيلZ شباب في مقتبل العمر، يرفعون مطالب اجتماعية واضحة، ويعلنون في بياناتهم رفضهم للأحزاب والمؤسسات السياسية. لكن هذا الرفض، في جوهره، ليس عزوفا عن الشأن العام، بل احتجاجا على تزييف السياسة، وعلى منظومة لم تعد تمثلهم. يتردد على ألسنة كثير من الشباب القول إنهم بعيدون عن السياسة، وإن انشغالهم ينحصر في المطالب الاجتماعية البسيطة، شغل، تعليم، صحة، وعيش كريم. لكن هذا الادعاء بالابتعاد لا يخلو من تناقض، فالتعبير عن هذه المطالب في الفضاء العام، بالاحتجاج أو حتى بالكلمة، هو في جوهره فعل سياسي. إنهم لا يرفضون السياسة بوصفها أداة للتغيير، بل يرفضون النسخة المغربية منها، تلك التي تحولت إلى مسرح مغلق، لا يستهوي، في غالب الأعم، إلا من اعتاد المناورة أو ركن إلى الامتيازات. لقد سبق للمناضل التقدمي عبد السلام المودن، أحد رموز اليسار في السبعينيات، أن كتب مقالة بعنوان "جيل الانشغالات التافهة"، انتقد فيها ما رآه من تحول في اهتمامات الشباب خلال الثمانينيات، واعتبر أن الأنانية والسطحية طغتا على ذلك الجيل، مقارنة بما سماه "جيل المبادئ" الذي ملأ السجون وصنع من المعتقلات مدارس للنضال. ورغم حدة حكمه، بل ومجافاته للواقع باعتبار أن جيل الثمانينيات كان جيلا مسيَّسا، فقد ختم بتفاؤل حين أكد أن التاريخ لا يتوقف، وأن مرحلة الانحسار لا بد أن تعقبها مرحلة جديدة ينهض فيها "جيل مبادئ جديدة". وفي السياق نفسه، أطلق محمد جسوس صرخته الشهيرة حين حذر من خطورة خلق "جيل الضباع"، في إشارة إلى ما رآه من انحدار في القيم وضحالة في الانشغالات. هكذا التقت شهادتان بارزتان من قلب التجربة النضالية المغربية على تشخيص واحد متشائم، يختزل جيلا كاملا في صور سلبية قاسية. ورغم نبرة التشاؤم التي طبعت تشخيصهما، فإن كليهما لم يغلق باب الأمل، بل تنبّآ بقدوم جيل جديد يحمل بذور النهوض. وقد صدق الواقع هذا التحليل، إذ برهن الشباب في أكثر من محطة، وعلى رأسها حركة 20 فبراير، أنهم قادرون على حمل مشعل التغيير والدفاع عن مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فمن الطبيعي أن ينفر الشباب من فضاء حزبي ونقابي يطغى عليه التمييع والتحايل واستعمال المال الحرام في الانتخابات، دون رادع جدي. كيف يُنتظر من جيل جديد أن يثق في مسار انتخابي يُفرغ من معناه في كل دورة؟ وكيف يُطلب منه الانخراط في تنظيمات تُفرغ من مضمونها الديمقراطي حين يحتكر قادتها المناصب عقودا طويلة؟ ما معنى أن يظل رئيس نقابة على رأسها أربعين سنة كاملة؟ وأي مصداقية تبقى لمؤسسة يُفترض أنها فضاء للتداول والتجديد؟ ومع تصاعد الحراك الشبابي، تباينت ردود الفعل بين من يدعو إلى الإنصات والحوار، ومن يلجأ إلى أدوات الردع والتشكيك. غير أن الدولة، بدل أن تستوعب هذا التحول، اختارت الرد القديم، القمع (تدخلات عنيفة، اعتقالات، ملاحقات ومحاكمات). أما خطاب التخوين، فلم يصدر عنها بشكل مباشر هذه المرة، بل تولته أصوات في الفضاء الرقمي، تُعيد إنتاج نفس الاتهامات الجاهزة، وتخلط بين الاحتجاج والعمالة، وبين المطالب الحقوقية والتهديد للأمن القومي. بعض هذه الأصوات ما تزال تُصر على التشكيك في صدقية المبادرات الشبابية، وتعتبرها خطرا على الوطن، مسترجعة نفس النغمة التي سادت زمن حركة 20 فبراير، حين فُبركت صور وملفات لربط بعض الشباب بقيادة البوليساريو، وتكرر السيناريو ذاته مع حراك الريف، حيث وُجهت اتهامات ثبت لاحقا عدم صحتها. إن إخراج ورقة التخوين من قبل هذه المنصات لا يعدو أن يكون محاولة يائسة لتبرير القمع، وإسكات صوت الاحتجاج المشروع، بل هو أيضا مؤشر على فشل النخب الرقمية في بناء خطاب عقلاني يُنصت للواقع بدل أن يُشوهه. قبل ست سنوات كتبت مقالة بعنوان "ما بين العدمية السياسية وعقلية المخزن السلطوية، معا من أجل الوطن والديمقراطية"، خلصت فيها إلى أن التعميمات التي تُشيطن الأجيال إنما تخدم عقلية سلطوية تسعى إلى إفراغ الفعل السياسي من مضمونه. وأكدتُ أن جوهر الأزمة لا يكمن في عزوف الشباب أو "تفاهة" انشغالاتهم، بل في انسداد قنوات المشاركة السياسية، وغياب الحوار الحقيقي، وعودة الممارسات النكوصية التي تفرغ الإصلاحات من مضمونها. وها نحن اليوم، أمام مشهد يتكرر، حيث يُقابل الحراك الشبابي بالقمع، وتُلاحقه الاتهامات من منصات رقمية تُعيد إنتاج نفس الخطاب التخويني. كل ذلك يؤكد أن الأزمة ليست في احتجاج الشباب، بل في طريقة التعامل معهم، وفي غياب إرادة حقيقية لفهم مطالبهم. من هنا، انتهيتُ حينها إلى أن الخروج من حالة الانسداد يتطلب إرادة سياسية صادقة تُعيد الاعتبار لقيمة الحوار، وتضمن حق المواطنين في الاحتجاج السلمي باعتباره حقا دستوريا لا مجال للتشكيك فيه. كما شددت على أن أول خطوة على هذا الطريق هي إطلاق سراح كافة المعتقلين على خلفية الحركات الاجتماعية، ثم التقدم في تحقيق الملفات المطلبية كاملة، بما يعيد الثقة إلى الشباب ويجعل من الدولة شريكا في الحل لا طرفا في الصراع. فالمستقبل الديمقراطي لا يُبنى على القمع ولا على التهميش، بل على الحرية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون. إن عزوف الشباب عن العمل السياسي ليس قدَرا محتوما، بل نتيجة مباشرة لممارسات أفقدت السياسة معناها. ومع ذلك، فإن الإصرار على التبرؤ من السياسة خيار مُضلِّل، لأن المطالب الاجتماعية لا تجد طريقها إلى التحقيق خارج السياسة، بل من داخلها. التحدي إذن مزدوج، من جهة، استعادة السياسة لمصداقيتها عبر تجديد وسائطها وتطهيرها من الفساد والجمود، ومن جهة أخرى، تحويل طاقة الشباب الاحتجاجية إلى قوة اقتراحية منظمة، قادرة على خلق بدائل حقيقية. فجيل اليوم، مهما قيل عنه، يملك ما يكفي من الوعي والجرأة ليكتب فصله الخاص في تاريخ هذا الوطن، شريطة أن يُعامل كمواطن، لا كمتهم. وأول خطوة في الاتجاه الصحيح، إطلاق سراح كافة المعتقلين على خلفية الحراكات الاجتماعية، وتنقية الأجواء السياسية من خطاب التخوين والتشكيك، وفتح قنوات الحوار الجاد مع الشباب. أدعو إلى أن يُعامل المحتجون كمواطنين لا كمتهمين، وأن يُستعاد الفضاء العام بوصفه ساحة للتعبير والمشاركة، لا ميدانا للملاحقة والوصاية. كما أطالب بأن يضطلع الإعلام العمومي بدوره في ترسيخ البناء الديمقراطي، عبر ضمان التعددية، ونقل صوت الفئات المهمّشة، وتعزيز النقاش العمومي الحر والمسؤول. فبغير هذه الخطوات، لا يمكن بناء الثقة، ولا يمكن الحديث عن مستقبل ديمقراطي يليق بهذا الوطن.