التعليم ليس مجرد عملية نقل للمعارف من المدرس إلى المتعلمين، بل هو بالدرجة الأولى مجهود مستمر من أحل خلق الشروط المساعدة للعقل البشري على فهم واستثمار التعلمات بإعادة بنائها وتحويلها إلى معارف ذاتية. وهذه العملية غالبا ما تواجهها معيقات وإكراهات عملية تحد من فاعلية العملية التعليمية التعلمية وتؤثر سلبا على نتائجها. ودون دراسة جيدة وتحليل دقيق لهذه المعيقات والمشاكل تبقى العجلة التربوية تدور في فراغ. ودون تمكين المدرسين من آليات التدخل المناسبة، سواء من حيث الممارسة التطبيقية أو المنهجية، لتحليل ولهم ما يقع داخل فصله الدراسي، فقد تتعطل هذه العجلة تماما، مما ينعكس على أداء المنظومة ككل. وهنا تبرز أهمية وقيمة منهجية البحث التدخلي باعتباره ليس مجرد تدخل إجرائي فقط، بل أداة من أدوات التطوير المهني والتجديد التربوي، و فلسفة مهنية تجعل من الأستاذ: باحثا ومُحققًا: يجمع الأدلة ويفهم الأسباب. مُبتكرا: يصمم تدخلات مُخصصة وفعالة وبناء على ما سبق، يُعد البحث التدخلي (Action Research) داخل الفصول الدراسية أداة المدرس للتحسين المستمر والفعّال. هذه المنهجية لا تقتصر على الطرح الأكاديمي النظري المعقّد، بل تحوّله إلى عملية يومية ومتاحة تمكّن أي مُعلّم من فهم ممارساته الصفية وتحليلها، ثم تطويرها وصولاً إلى تجويدها. نحن أمام منهجية بحث من حقل العلوم الإنسانية؛ لا تسعى إلى "التحكم" في العملية التعليمية، بل إلى الفهم العميق لها من أجل الارتقاء بجودة التعلمات، والعلاقات البينية، والبيئة المدرسية بأكملها. الأمر يتعلق بمجموعة من الخطوات المُصممة لتطبيق البحث التدخلي داخل حجرات الدرس بما يتيح تحديد مشكلة صفية، وتحليلها، والتدخل، والتأمل، وتقييم النتائج، ثم العمل على حلها. مع تقديم أمثلة وأنشطة وإرشادات وإجراءات تُمكّن الأستاذ من أن يصبح باحثا في ممارساته الصفية الخاصة. الأسس البيداغوجية والرواد المؤسسون تستمد هذه المنهجية قوتها وشرعيتها من إسهامات أعمدة الفكر التربوي والتدخلي، لتشكل إطاراً نظرياً متيناً للممارسة اليومية: كورت لوين (Kurt Lewin): الأب المؤسس الذي اقترح الدورة الشهيرة للتطوير المستمر: "التخطيط – العمل – الملاحظة – التأمل". لورانس ستينهاوس (Lawrence Stenhouse): الذي رسّخ فكرة أن المدرسين باحثون بالفطرة، قادرون على توليد معرفة حقيقية حول ممارساتهم. دونالد شون (Donald Schön): بمفهومه عن "الممارس التأملي"، الذي يؤكد أن التعلم الحقيقي يحدث من خلال التأمل النقدي في الأفعال والنتائج. جون إليوت (John Elliott): الذي يعتبر البحث التدخلي الوسيلة المثلى لحل المشكلات الصفية الواقعية وتعزيز التدريس التأملي. باولو فريري (Paulo Freire): الذي يُلهم أسلوبه التربوي القائم على الحوار والتفكير النقدي للتحول الاجتماعي داخل الفصل الدراسي. هذه المنهجية تدمج الأطر النظرية مع واقع المدرس اليومي، مقدمةً نهجًا عمليًا، ديمقراطيًا وتربويًا عميقًا. تطبيقات عملية ومشاريع مقترحة للمدرس الباحث لتمكين الأستاذ من الانخراط الفعلي، إليك أمثلة على الإشكاليات والمشاريع التي يمكن تبنيها: أ. تحديد الإشكاليات الحقيقية: البحث التدخلي يبدأ من أرض الواقع، كالتالي: ضعف مشاركة الطلاب. الصراعات المتكررة داخل المجموعة. صعوبات القراءة أو الكتابة المحددة. فقدان الدافعية للتعلم. ب. أسئلة ميتا معرفية موجهة للمُمارس: للانتقال من الممارسة إلى البحث، يجب طرح الأسئلة التالية: التشخيص: ما هي الأدلة المتوفرة لديّ على أن هذه المشكلة تؤثر على التعلم؟ التحليل: ما هي فرضياتي حول الأسباب والآثار الكامنة؟ التصميم: ما هو التدخل الذي يمكنني تصميمه (ولو كان صغيراً) لبدء التغيير؟ المشاركة: كيف يمكنني تقاسم نتائجي لإلهام زملائي الآخرين؟ ج. مقترحات مشاريع عملية قائمة على البحث التدخلي:. المشروع الأول: "المناخ العاطفي في الفصل الدراسي" تحديد المواقف التي تؤثر على ديناميكيات الفصل الدراسي، وتصميم استراتيجيات استماع، واتفاقيات، وأنشطة اجتماعية عاطفية لتغييرها. المشروع الثاني: "تدخل لتحسين فهم القراءة" التقييم الأولي، وتطبيق استراتيجيات القراءة الموجهة، والمتابعة باستخدام السجلات، وتقييم الأثر بعد أربعة أسابيع. المشروع الثالث: "المشاركة العادلة" تسجيل المشاركين وغير المشاركين، والتدخل باستخدام أساليب النقاش، والمجموعات التعاونية، والتناوب؛ والتفكير في التغييرات الناتجة. إن منهجية البحث التدخلي (Action Research) ليست مجرد إضافة ترفيهية للمهام الأكاديمية، بل هي الفلسفة المهنية الضرورية التي تُعيد تشكيل دور الأستاذ في القرن الحادي والعشرين. من خلال تبني دور "الممارس الباحث"، يتحول الفصل الدراسي من مساحة لتنفيذ المنهاج إلى مختبر للتفكير النقدي والتجويد المستمر. لقد أثبت البحث التدخلي قوته في تحويل التحديات اليومية – كضعف الدافعية أو صعوبات الفهم – إلى مشاريع تطوير مُقاسة وقائمة على الأدلة الواقعية. وبتكامل هذه المنهجية مع الأسس البيداغوجية لروادها، نضمن أن يكون التطوير نابعاً من رحم الممارسة، ومُوجهاً نحو تحقيق هدف إنساني أعمق: وهو تجويد التعلم والعلاقات والبيئة المدرسية ككل. فلننظر إلى هذه المنهجية كدعوة مفتوحة لكل مُعلّم ليكون صانع التغيير الأول في بيئته، ولبناء مجتمعات تعلم مهنية قادرة على توليد المعرفة المشتركة، وبالتالي، الارتقاء الدائم بمستوى الأداء التربوي إلى آفاق جديدة. باحث تربوي المصادر أولًا: المراجع العربية الأندلسي، خالد. (2013). البحث التدخلي: علوم، تنمية، ديموقراطية. الدارالبيضاء: مطبعة النجاح الجديدة. شفيقي، فؤاد. (2012). إرساء آليات البحث التربوي في منظومة التربية والتكوين. الجامعة التربوية الأولى لأساتذة المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، الوحدة المركزية لتكوين الأطر "إتقان". إفران: جامعة الأخوين. عابد، تغريد باجس. (2005). البحث الإجرائي: مكانته ومميزاته ودوره. تجارب معلمين. نشرة رؤى تربوية، (16)، مركز القطان للبحث والتطوير التربوي، رام الله. عباس، محمد خليل، وآخرون. (2012). مدخل إلى مناهج البحث في التربية وعلم النفس (الطبعة الرابعة). عمّان: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة. رجب، مصطفى، وطه، حسين. (2008). مناهج البحث التربوي بين النقد والتجديد. القاهرة: العلم والإيمان للنشر والتوزيع. الدريج، محمد. (2014). دليل البحث التدخلي في التربية. الرباط: الوحدة المركزية للبحث التربوي، وزارة التربية الوطنية. ثانيًا: المراجع الأجنبية Corey, S. M. (1953). Action research to improve school practice. New York: Teachers College Press. Dolbec, A., & Clément, J. (2004). La recherche-action. In T. Karsenti & L. Savoie-Zajc (Eds.), La recherche en éducation : ses étapes et ses approches (3rd ed.). Sherbrooke: Editions du CRP. Elliott, J. (1993). El cambio educativo desde la investigación-acción. Madrid: Morata. Freire, P. (1997). Pedagogía del oprimido. Madrid: Siglo XXI. Lewin, K. (1947). Frontiers in group dynamics. Human Relations, 1(2), 5–41. Rojas Soriano, R. (2001). Investigación-acción en el aula. Enseñanza-aprendizaje de la metodología. México D.F.: Plaza y Valdés Editores. Schön, D. (1992). La formación de profesionales reflexivos. Barcelona: Paidós.