لسنا ممن يبدّلون مواقفهم مع تغيّر الظروف، ولا ممن يركبون الموجة حين تعلو، ثم يقفزون منها حين تهدأ. لقد تركناكم تفعلون ما رأيتموه مناسبًا داخل الحزب، وقلنا يومها إن ما يقع – مهما اختلفنا حوله – قد يكون في صالح البلاد، ما دام لا يمسّ ثوابت الأمة، ولا مقدساتها، ولا اختياراتها الكبرى. لم نتكلم، لا ضعفًا ولا تواطؤًا، بل قناعةً بأن الاستقرار الحزبي ركيزة من ركائز الاستقرار الوطني. ناصرناكم، ودافعنا عنكم، وتحملنا كلفة هذا الدفاع في النقاش العمومي، وفي المحيط السياسي، لأننا آمنا بأن هيكلة الحزب، وتقويته، ودفعه إلى الواجهة، كانت خطوة ضرورية ليتحمل مسؤوليته التاريخية في قيادة الحكومة. وقد نجحتم في ذلك. نجح الحزب، ووصل إلى موقع المسؤولية الأولى في البلاد، ونحن اليوم – بكل وضوح – نقول: نحن معك، سيادة الرئيس، في استكمال المسؤولية التي تتحملها، حزبيًا وحكوميًا، لأن مصلحة الوطن تقتضي الاستمرارية والوضوح. لكن، وفي المقابل، نقولها بالوضوح نفسه: لا نقبل، كمتجمعين، أن يتحول الحزب إلى ملكية خاصة، ولا أن يُفرض علينا من لم يكن يومًا جزءًا من وجدانه، ولا من تاريخه، ولا من نضاله. لا نقبل أن يُتبنى شخص لم "يرضع حليب التجمع" لا من أبيه، ولا من أمه، ولا من أحد من أقربائه السياسيين، بل تنقل بين عدة أحزاب، ثم قُدِّم فجأة كخيار جاهز لقيادة حزب له تاريخه ورجاله ونساؤه. الحزب ليس لشخص، مهما كان موقعه أو وزنه. الحزب ليس أداة تُدار بمنطق التعيين أو الوراثة السياسية أو الحسابات الضيقة. الحزب للمغاربة، والحزب للتجمعيين، وليس العكس. إن التجمع الوطني للأحرار بُني على قيم الكفاءة، والالتزام، والعمل الميداني، وليس على منطق "الإنزال" أو "الاستيراد السياسي". وإذا كان رئيس الحزب ببقد قدّم استقالته من رئاسة الحزب – وهو قرار نحترمه – فإن ذلك لا يعني، بأي حال، أن يُستبدل بمن لا جذور له في الحزب، ولا شرعية تنظيمية، ولا رصيد نضالي داخله. ما نريده بسيط وواضح: نريد ديمقراطية حقيقية داخل الحزب. نريد أن يمر الجميع عبر المساطر التنظيمية، وعبر المؤتمرات، وعبر الانتخابات. نريد صناديق الاقتراع، لا صالونات القرار. نريد أن تقول القواعد كلمتها، وأن يختار المناضلون من يرونه الأجدر، لا من يُفرض عليهم باسم "المرحلة" أو "الضرورة". بهذا فقط نحمي الحزب، وبهذا فقط نحافظ على مصداقيته، وبهذا فقط نُثبت أن التجمع الوطني للأحرار ليس حزب أشخاص، بل حزب مؤسسات، وقيم، ومسار ديمقراطي واضح. هذه ليست معركة مواقع، بل معركة هوية واحترام للمناضلين. وهذا ليس تمردًا، بل وفاء حقيقي للحزب وللوطن.