تلوح في الأفق انتخابات سنة 2026 في سياق سياسي واجتماعي يطبعه القلق، حيث تتقاطع مؤشرات متعددة تنذر بإمكانية تسجيل نسب مشاركة متدنية، تعكس عمق أزمة الثقة في الفعل الانتخابي وجدوى المشاركة السياسية. غير أن خطورة هذا الوضع لا تكمن في الأرقام المجردة بقدر ما تتجلى في ما قد يفرزه من فراغ تمثيلي يعيد إنتاج النخب نفسها، ويُعمّق المسافة بين المؤسسات والمجتمع، خاصة فئة الشباب. إن الاكتفاء بتشخيص مظاهر العزوف، دون التفكير في سبل تجاوزها، لا يفتح أفق الإصلاح ولا يسهم في تجديد الحياة السياسية. فالعزوف، مهما كانت مبرراته، يظل في نهاية المطاف موقفا سلبيا يترك المجال مفتوحا أمام استمرار الاختلالات نفسها. ومن هذا المنطلق، يصبح الشباب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مدعوّين إلى الانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، ومن منطق الانتظار والشكوى إلى منطق المبادرة وتحمل المسؤولية. الأحزاب الصغرى كفضاء ممكن للتجديد يشكّل الانفتاح على الأحزاب الصغرى أحد المسالك الواقعية المتاحة أمام الشباب الراغبين في خوض غمار التجربة السياسية. وليس المقصود هنا التعامل مع هذه الأحزاب كحل ظرفي أو كبديل مؤقت، بل باعتبارها فضاءات سياسية قابلة للاختراق والتجديد، تتيح هامشا أوسع للمبادرة، وفرصا أكبر للحصول على التزكيات، وخوض التجربة الانتخابية بروح مستقلة ورؤية متحررة من الحسابات الضيقة. إن خوض الانتخابات، حتى في ظل شروط غير مواتية، لا ينبغي اختزاله في منطق الفوز والخسارة، بل ينبغي النظر إليه كفعل سياسي بامتياز، وتمرين ديمقراطي ضروري، ومسار للتعلّم والتراكم وبناء الشرعية النضالية. فالتجارب السياسية الكبرى لم تولد مكتملة، وإنما تشكلت عبر محاولات متدرجة وإرادات شجاعة آمنت بأن التغيير يبدأ بخطوة. المال الانتخابي بين التضخيم والواقع وفي خضم النقاش حول العزوف السياسي، كثيرا ما يتم تضخيم دور المال الانتخابي وتقديمه باعتباره العائق الحاسم أمام مشاركة الشباب أو ترشحهم. ورغم أن المال يظل عنصراً حاضراً في العملية الانتخابية، ولا يمكن إنكار تأثيره في بعض الدوائر والسياقات، فإن اعتباره المحدد الأساسي للخريطة الانتخابية يُغفل تحولات عميقة يشهدها المجتمع، ويُهمّش أدوارا أخرى أكثر تأثيرا واستدامة. لقد أظهرت تجارب متعددة أن المال، حين ينفصل عن المصداقية والالتصاق الحقيقي بقضايا المواطنين، يتحول إلى أداة ظرفية محدودة الأثر، سرعان ما يتلاشى مفعولها. في المقابل، يبرز التواصل المباشر، والعمل الميداني، وبناء الثقة عبر خطاب صادق ومواقف واضحة، كعناصر حاسمة في كسب التأييد، خاصة داخل فئة الشباب التي تشهد تبلورا تدريجيا لوعي انتخابي أكثر نقدية. منطق الفكرة بدل منطق الإنفاق إن الرهان الحقيقي في المعركة الانتخابية لا يكمن في حجم الإنفاق، بل في جودة الفكرة، ووضوح المشروع، وقدرة المرشح على تمثل هموم محيطه المحلي وتحويلها إلى برنامج واقعي قابل للتنفيذ. فكثير من الحملات الانتخابية ذات الإمكانيات المحدودة نجحت في فرض حضورها، لا بفضل المال، بل بفضل الانغراس في النسيج الاجتماعي، والاستثمار في القرب، والاعتماد على شبكات تضامن تطوعية بدل شبكات الزبونية. وعليه، فإن الشباب مدعوون إلى التحرر من عقدة الإمكانيات المادية، وعدم اتخاذها ذريعة للانسحاب أو التردد. فالمعركة الانتخابية ليست سباقا في التمويل، بقدر ما هي اختبار في المصداقية والقدرة على إقناع الناخب بأن صوته ليس سلعة، بل أمانة ومسؤولية. المشاركة الواعية كمدخل لإعادة التوازن إن تطور وسائل التواصل الاجتماعي واتساع فضاءات التعبير البديلة، بات من الممكن كسر احتكار المال للفضاء الانتخابي، وخلق ديناميات جديدة أقل كلفة وأكثر تأثيراً. إن تغيير الخريطة الانتخابية لا يتحقق بضخ الأموال، بل بتراكم المبادرات، وبروز نخب شابة تؤمن بالفعل السياسي النزيه، وتراهن على الزمن الطويل بدل المكاسب السريعة. فحين يتقدم الشباب بخطاب مختلف وممارسة مغايرة، يصبح المال عاملا ثانويا، وتتحول المشاركة الواعية إلى القوة الحقيقية القادرة على إعادة التوازن للمشهد السياسي، وبناء أفق ديمقراطي أكثر عدلا وتمثيلية. فالمستقبل السياسي لا يُمنح، بل يُنتزع بالمشاركة الجادة، وبالإيمان بأن للشباب مكانا في صناعة القرار، لا على هامشه.