لطالما كان التوجس والمقاومة هما رد الفعل الأول للعقل البشري أمام كل قفزة تقنية كبرى؛ فالبيئة المحافظة، بطبعها، تميل إلى التشكيك في كل "وافد" يهدد السائد. والنفس البشرية بطبعها تنفر من التغيير لأنه مبني للمجهول، بينما الوضع القائم معلوم ويمنح نوع من الشعور (الزائف أحيانا) بالأمان، وإن كان معتلا. كنتُ، في البداية، جزءاً من هذا التحفظ، فامتنعتُ تماماً عن ولوج عالم تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ولكن، وبمجرد أن وضعتُ هذه الأدوات على مِحكّ التجربة والاختبار، اكتشفتُ أننا لا نملك أمامنا مجرد برمجيات، بل نوع من "المفاعلات الذهنية" الهائلة القادرة على إعادة صياغة طريقتنا في التفكير والعمل. لقد وجدتُ في تقنيات مثل ChatGPT ونظيراتها من "الأدوات الذكية" آلية ضخمة تتجاوز مجرد الإجابة على الأسئلة؛ فهي شريك استراتيجي في: ترتيب شتات الأفكار: وتحويلها من سياقات مبعثرة إلى هياكل منطقية. تدقيق المفاهيم: وتصويب التصورات الفكرية والمنهجية. تخطيط العمل: واختبار المنهجيات البحثية في ثوانٍ معدودة. إن ما كان يستنزف من الباحث أو الكاتب ساعات طوال من الجهد المضني في البحث والتنظيم، بات اليوم متاحاً بضغطة زر. وهذا ليس "كسلاً" فكرياً، بل هو تحرر من الأعباء الروتينية لصالح التركيز على القيمة المضافة الحقيقية، الذي من شأنه الرفع من غزارة الإنتاج الفكري والثقافي والعلمي. في اعتقادي. لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي اليوم إرفاق أو رفاهية أو خياراً ثانوياً، بل أزعم أن المشتغلين في حقول البحث العلمي والثقافة والفكر صاروا ملزمين بإجادة توظيف هذه الأدوات. إنها الوسيلة الأنجع لتيسير واختصار مسارات إنتاج المعرفة. ومع ذلك، يظل هذا الالتزام مشروطاً بوعي نقدي حاد؛ فالذكاء الاصطناعي "مساعد" وليس "بديلًا". وهنا تبرز أهمية العودة الدائمة إلى أمهات الكتب والمراجع المحققة للتثبت من صدقية المعلومات. المحظور الحقيقي الذي يجب ألا نسقط فيه هو استخدام هذه التطبيقات كأدوات للإنتاج النهائي (Output) بدلاً من كونها أدوات للمعالجة (Processing). فمتى ما استبدلنا "عقل الإنسان" ب "خوارزمية الآلة" في صلب العملية الإبداعية، فقدنا جوهر الفكر وأصالته. إن الذكاء الاصطناعي بات حقيقة موضوعية تفرض ذاتها على الواقع. ومن يرفض التعامل معه اليوم إنما "يغرد خارج الزمن"، ومن يجهل سبل الوصول إليه فقد تجاوزه القطار بالفعل. إن الإشكال الحقيقي الذي يجب أن ينصبّ عليه نقاشنا الآن ليس "هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟"، بل هو: كيف نصل إلى التوظيف الأمثل لهذه الأدوات الهائلة؟ وكيف نضمن صون أصالة البحوث والدراسات الفكرية في عصر الآلة؟ . وفي هذا الشأن يمكنني اقتراح ثلاث "قواعد اشتباك" موجهة للباحثين وعشاق الكتابة في تعاطيهم مع الذكاء الاصطناعي: 1. قاعدة التثقيب: لا تأخذ معلومة تاريخية أو دينية من الآلة دون العودة للمصدر الأصلي. 2. قاعدة البناء: استخدم الآلة لبناء "الفهرس" أو "الهيكل العام"، واترك "الصياغة البيانية" لقلمك الخاص. 3. قاعدة التعددية: اطلب من الذكاء الاصطناعي "نقد فكرتك" من وجهات نظر مختلفة لتوسيع مداركك قبل البدء بالكتابة فالرهان اليوم هو رهان "الأصالة في عصر الذكاء"، وليس رهان الانغلاق والرفض. إن الخط الفاصل بين التوظيف الذكي والاتكال الكامل يكمن في 'اللمسة الذاتية'؛ فالذكاء الاصطناعي يمنحك الهيكل، لكنه لا يمنحك 'الروح' أو 'الموقف الفكري'. إن الباحث الحقيقي هو من يستخدم الخوارزمية لتقريب المسافات المعلوماتية، ثم يتدخل بمشرط الناقد ليفكك، ويحلل، ويربط النتائج بسياقاتها الإنسانية والاجتماعية التي تعجز الآلة عن إدراك عمقها وأبعادها.