تعتبر مقولة "الكل أكبر من مجموع أجزائه" الركيزة الأساسية التي قامت عليها النظرية الجشطالتية (Gestalt) في علم النفس المعرفي والتربوي. هذه النظرية، التي تهتم بآليات الإدراك وتشكل المعنى، تؤكد أن أي نظام أو كيان – سواء كان نصاً أدبياً، لوحة فنية، أو تجربة إنسانية – يمتلك في كليته خصائص فريدة وقيمة مضافة لا يمكن العثور عليها في عناصره إذا ما قمنا بتفتيتها. فالسر يكمن في "البنية" وفي شبكة العلاقات التفاعلية بين الأجزاء، وليس في الأجزاء ذاتها. المعنى، بهذا المفهوم، لا يولد من الجمع الحسابي للعناصر، بل من التآزر (Synergy) الذي يخلق هوية "للكل" تتجاوز مجرد الاصطفاف. ورغم بداهة هذا الطرح فلسفياً، إلا أنه يظل من النظريات التي تواجه صعوبة في الاستيعاب والتطبيق العملي، لا سيما لدى المشتغلين في حقل التربية والتعليم، حيث يطغى أحياناً هاجس التفكيك والتحليل الجزئي على حساب الرؤية الشمولية، مما يشكل عائقاً أمام إدراك المعنى العميق للعملية التربوية برمتها. شخصياً، لم أجد تلك الصعوبة النظرية في استيعاب "الجشطالت"، ليس بفضل الكتب الأكاديمية فحسب، بل بفضل إسقاطها على تجربة حسية ووجدانية عشتها مع إحدى ظواهرنا الفنية الخالدة: مجموعة "المشاهب". لطالما نظرتُ إلى هذه الفرقة لا كمجرد خمسة أفراد يعتفون ويغنون، بل ك"بنية جشطالتية" محكمة النسج، تشكلت من خمسة أضلع: الراحلون الشريف لمراني، محمد باطما، ومحمد السوسدي، والفنان محمد حمادي بارك الله في عمره، والزجال مبارك الشادلي، شفاه الله. المتابع الحصيف لمسار هذه الظاهرة يدرك أن "سحر" المشاهب لم يكن نتاج مهارات إبداعية فردية منعزلة، بل كان يكمن في ذلك "التفاعل الدينامي" بين العناصر. لم يكن الشريف لمراني مجرد عازف ماهر، بل كان مهندساً صوتياً طور آلة "الموندولين" لتصبح صوتاً ثالثاً لا هو بالغرب ولا بالشرق؛ ولم يكن باطما مجرد صوت، بل كان "حالة مسرحية" ونبضاً درامياً في قلب الأغنية؛ وكان السوسدي يمثل الامتداد الصوتي الرخيم، وحمادي الإيقاع الضابط، والشادلي العمق الزجلي. هذا التمازج خلق ما يسمى في علم النفس ب"الاستبصار" (Insight)، حيث ندرك الأغنية المشاهبية ككتلة شعورية واحدة، لا كألحان وكلمات منفصلة. وهنا تكمن مأسوية الغياب؛ فكل محاولات تعويض من رحلوا – الشريف، السوسدي، وباطما – باءت بإنتاج نسخ "منقوصة الروح"، ليس لضعف في مهارة الخلف، بل لأن "الجشطالت" المشاهبي قد تصدع. إن استبدال "جزء" في نظام كلي مترابط لا يعيد بناء الكل، لأن العلاقات الخفية التي كانت تربط الشريف بباطما، والسوسدي بحمادي، هي التي كانت تصنع المعنى، وتلك علاقات لا تستنسخ ولا تعوض. اليوم، يصعب على الأذن العاشقة أن تستسيغ "المشاهب" بنفس الشغف القديم، رغم صمود الهرم حمادي ورصانة الشادلي، ورغم براعة الشباب الملتحقين. هذا يؤكد صحة النظرية: المشاهب كانت، وستظل، أكبر من كونها "مجموعة أفراد" يؤدون أدواراً. هي "كلٌ لا يتجزأ"، جسد فني واحد إذا تداعى منه عضو، لم يشفه التعويض، بل تغيرت ماهيته وتشوهت صورته الذهنية في وجداننا. وهذا الدرس لا ينطبق على المشاهب فحسب، بل ينسحب على كافة المجموعات الفنية الأسطورية التي أفضت انقساماتها أو غياباتها إلى أفول "الكل"، لأن أعضاءها – وربما جمهورها أيضاً – لم يدركوا أن قوتهم لم تكن في ذواتهم المنفردة، بل في تلك الروح الجماعية الموحدة التي لا تقبل القسمة، والتي تصنع من النغمات المتفرقة لحناً للخلود.