حرب إيران تهز البنوك المركزية العالمية    "لا خطة فرنسية" بين إسرائيل وحزب الله        اختتام هاكاثون "رمضان الذكاء الاصطناعي" بطنجة    إقليم شفشاون… تقرير طبي يحسم سبب وفاة الطفلة سندس... حادث عرضي أنهى قصة هزّت القلوب    احتفاء بالفن والتراث: مهرجان القفطان الدولي المغربي يحتفل بعشر سنوات من الإبداع    حادثة سير مميتة بإقليم الناظور    العرائش تحتفي بتراثها في النسخة الثانية من "رمضانيات ليكسوس" احتفاءً بالمرأة العرائشية    إفطار رمضاني يجمع أفراد الجالية المغربية في أمستردام    لاعب وسط ليل أيوب بوعدي يختار تمثيل المغرب    مدرب "جيرونا" يكيل المديح لأوناحي    مهنيون: اضطرابات تزويد محطات الوقود تثير شكوكاً حول وجود مضاربات مع توقعات بارتفاع الأسعار    ارتفاع ملء سدود المغرب إلى أكثر من 71 في المائة مع تحسن الموارد المائية    الدرهم يتراجع مقابل الأورو والدولار    نقابة أعوان الاستقبال بالأمازيغية تندد بتأخر صرف أجور فبراير وتطالب بتدخل عاجل للوزارة        في بلاغ لجامعة الكرة: مواعيد دولية جديد لمختلف الفئات استعدادا للاستحقاقت القادمة..    "أَساوِرُ عائِشَة" جديدُ إصدارات الشّاعر مراد القادري    المغرب على موعد مع عودة التساقطات المطرية خلال الأيام المقبلة    باريس.. تنظيم عملية جديدة ل"الأبواب المفتوحة" لفائدة المرتفقين بالقنصلية العامة للمغرب    مدرب روما يؤكد "تراجع العيناوي"    "الباطرونا" تدعم عطلة 23 مارس    شعراء إعلاميون يجتمعون في طنجة    الفيلسوف الألماني "هابرماس" يغادر دنيا الناس    الولايات المتحدة تقصف أزيد من 90 هدفا عسكريا في جزيرة "خرج" الإيرانية (القيادة المركزية الأمريكية)    وفاة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن 96 عاما    وفاة والد معتقل حراك الريف محمد حاكي    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    ما يقارب 1.4 مليون مسافر عبر مطارات الإمارات منذ بداية مارس الجاري    الحسيمة.. إسدال الستار على الأمسيات الرمضانية للمديح والسماع وتكريم حفظة القرآن    حقوقيون يدينون طرد 18 طالبا بجامعة ابن طفيل ويؤكدون أنه قرار تعسفي ينتهك حق التعبير والاحتجاج    تحرك أميركي لتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية.. ما علاقة إيران؟    موظفو التعليم العالي يستعجلون الحلول    التصعيد في الشرق الأوسط يصل إلى البرلمان.. مطالب بتقييم تأثيره على السوق والمحروقات بالمغرب    دوري أبطال إفريقيا لكرة القدم.. الجيش الملكي يتعادل مع ضيفه بيراميدز المصري (1-1)        أكثر من 1.6 تريليون دولار قيمة الاقتصاد البحري في الصين        الصين: موسم السفر بمناسبة عيد الربيع يسجل رقم قياسي ب9,4 مليار رحلة            استنفار بمحيط فندق كاليفورنيا وسط طنجة بعد تهديد شاب بإلقاء نفسه من شرفة غرفة    أزولاي يستحضر بإشبيلية الجذور التاريخية لاحترام الاختلاف بالمغرب والأندلس    مضيق هُرمز يوسع ارتجاجات العالم .. "عنق البحر" الذي يمسك برقبة الاقتصاد    شركتان أمريكيتان تقيّدان "صور الأوسط"    اكتشاف ديناصور عملاق في البرازيل    ميناءا سيدي افني وأسفي يستقبلان كميات قياسية من الأسماك خصوصا السردين    إفطار رمضاني بإشبيلية يبرز دور الصناعة التقليدية المغربية في تعزيز الحوار والتعايش    محكمة الحسيمة تدين رجلاً وامرأة في قضية مخدرات وإعداد محل للدعارة    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    افتتاح معرض "المصاحف الشريفة للمكتبة الوطنية"    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    شذرات وومضات    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    الفركتوز المضاف إلى الأغذية المصنعة يؤذي الكلى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المغرب وإفريقيا، ما وراء الكان
نشر في لكم يوم 23 - 01 - 2026

من الواضح أن المغرب والسنغال يحاولان على المستوى الرسمي حاليا رأب الصدع الذي أدت إليه أحداث رياضية لم تكن في مستوى دورة "الكان" الأخيرة. هذه الجهود تعكس أن السنغال حليف رئيسي للمغرب، كما تظهر أن المغرب لا يسمح بإفساد كل الجهود السابقة التي بذلها داخل القارة السمراء، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الاقتصادي.
لقد شكل تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم في كرة القدم حدثًا رياضيًا بارزًا، لكنه في الواقع تجاوز البعد الرياضي الصرف ليكتسب دلالات سياسية واقتصادية وثقافية عميقة، ترتبط أساسًا بعلاقة المغرب بإفريقيا وبمسار إعادة تموقعه داخل القارة. فاختيار المغرب لاحتضان هذا الحدث يعكس ثقة إفريقية متزايدة في قدراته التنظيمية والبنيوية، كما يعكس في الآن نفسه نجاح دبلوماسيته في ترسيخ حضوره كشريك موثوق داخل الفضاء الإفريقي، بعد سنوات من العمل المنهجي على إعادة بناء العلاقات جنوب-جنوب، ومن ذلك استثمارات البنوك المغربية في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، واقتراح المغرب لمشروع المبادرة الأطلسية
كاستراتيجية لربط دول الساحل الأفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد) بالمحيط الأطلسي عبر بنية تحتية برية وطرق، مما يمنحها منافذ بحرية للتجارة والتنمية.
ومن الناحية السياسية، يأتي تنظيم كأس إفريقيا للأمم في سياق استراتيجي يتسم بعودة قوية للمغرب إلى إفريقيا، خاصة بعد رجوعه إلى الاتحاد الإفريقي وتعزيز حضوره في عدد من التكتلات الإقليمية بعد غياب دام ما يقرب من ثلاثين سنة بسبب انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية. الحدث الرياضي هنا تحول إلى أداة من أدوات "القوة الناعمة"، حيث يتيح للمغرب تقديم صورته كدولة مستقرة، منفتحة، وقادرة على جمع الأفارقة حول مشروع مشترك. كما يوفر فرصة لتعزيز شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية، عبر استقبال وفود رسمية وشعبية من مختلف الدول الإفريقية، بما يرسخ منطق التعاون بدل منطق التنافس أو الصراع.
اقتصاديًا، مثل تنظيم كأس إفريقيا للأمم رافعة حقيقية للاستثمار والتنمية، فالبنيات التحتية المرتبطة بالملاعب، والنقل والسياحة، والخدمات، لا تستجيب فقط للحدث الآني، بل تشكل استثمارًا طويل الأمد يعزز جاذبية المغرب الاقتصادية داخل القارة. كما أن الحضور المكثف لرجال أعمال ومستثمرين أفارقة يفتح آفاقًا جديدة للشراكات الاقتصادية، خصوصًا في مجالات الأبناك، الطاقات المتجددة، الفلاحة، والصناعات الغذائية، وهي قطاعات راكم فيها المغرب تجربة معتبرة في التعاون الإفريقي.
غير أن البعد الأعمق لهذا الحدث يظل مرتبطًا بسؤال الوعي الجماعي للمغاربة بانتمائهم الإفريقي. فعلى الرغم من أن المغرب ينتمي جغرافيًا وتاريخيًا إلى إفريقيا، إلا أن هذا الانتماء لم يكن دائمًا حاضرًا بقوة في الوعي الشعبي، بسبب عوامل تاريخية وثقافية، من بينها الإرث الاستعماري، وهيمنة التوجه المتوسطي-الأوروبي في السياسات العمومية والتمثلات الاجتماعية. تنظيم كأس إفريقيا للأمم شكل فرصة رمزية وثقافية لإعادة طرح سؤال الهوية الإفريقية للمغرب، ليس كشعار سياسي، بل كمعطى تاريخي وحضاري وإنساني.
وعي المغاربة بإفريقيتهم لا يقتصر على متابعة المباريات أو تشجيع المنتخبات، بل يفترض معرفة أعمق بتاريخ القارة، بتنوعها الثقافي، وبالتحديات المشتركة التي تواجه شعوبها، وهذا كله يسمح بالتعالي على المشاعر السلبية والهياج العاطفي الذي عرفته المباراة النهائية بين المغرب والسنغال، كما أنه الهدف الرئيسي لبلاغ الديوان الملكي الصادر بالأمس.
إن الحدث الرياضي يمكن أن يلعب دورًا تربويًا وإعلاميًا إذا ما تمت مواكبته بنقاشات فكرية وثقافية، وبرامج إعلامية تعرف بالمجتمعات الإفريقية وتبرز القواسم المشتركة بينها وبين المجتمع المغربي. فإفريقيا ليست فقط فضاءً اقتصاديًا أو سياسيًا، بل هي مجال حضاري غني بالتجارب الإنسانية.
في المحصلة، فإن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم ليس مجرد إنجاز رياضي أو تنظيمي ناجح، بل هو محطة ضمن مسار أوسع لإعادة بناء علاقة متوازنة مع إفريقيا، تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل. كما يشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المغاربة على استيعاب عمق انتمائهم الإفريقي، وتحويل هذا الوعي إلى عنصر قوة ثقافية وسياسية واقتصادية.
نجاح هذا الحدث إذن، لا يقاس فقط بنتائج المباريات، بل بمدى ما يتركه من أثر دائم في تمثلات المغاربة لإفريقيا ولمكانتهم داخلها..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.