يطفئ عبد الإله بنكيران، اليوم 8 أبريل، شمعته الثانية والسبعين، بعد عمر مديد قضى منه نصف قرن يتنقل بين محاضن الشبيبة الإسلامية، ومختبرات الجماعة التي تحولت إلى حركة دعوية، ومطابخ الحزب وردهات البرلمان، وصولاً إلى مكتب رئاسة الحكومة في المشور السعيد. وإذا كان الرجل يحتفل اليوم بعيد ميلاده في فيلا حي الليمون، فإننا نجدها فرصة سانحة لقراءة فنجان هذا الزعيم الذي أتقن، على مدار خمسة عقود، فن التنويم المغناطيسي للجماهير ببلاغة شعبوية فريدة، قبل أن يجد نفسه اليوم، وهو في خريف عمره السياسي، حارساً لمعبد تهاوت جدرانه، وشيخاً لطريقة سياسية لم يعد مريدوها يملكون من زادهم القديم سوى اجترار أمجادهم الخالية، والتباكي على أطلال تجربة أضاعوا فيها على المغرب فرصة تاريخية نادرة، كانت كفيلة بأن تفتح للبلاد بوابة انتقال ديمقراطي حقيقي، وتؤسس لتعاقد سياسي جديد بين الحاكم والمحكومين. كان أحد شيوخ الإسلاميين في التسعينات يقول لإخوانه في الحركة الإسلامية إنهم سيربحون كثيراً مع بنكيران، لكنهم في الوقت ذاته سيخسرون الكثير معه.. وبالفعل، تحققت نبوءة الشيخ، وربح الإسلاميون مع بنكيران ما لم يكن يدور في خلد أكثر المتفائلين من أصحاب اللحى، لكنهم في المقابل خسروا معه الشيء الكثير.. خسروا عفّتهم النضالية التي كانوا يتبجحون بها، بعدما رهنوا استقلاليتهم واستمراريتهم في مزاد الترضيات، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف مجرد أرقام زائدة في معادلة السلطة. ربح الإسلاميون مع بنكيران الوزارات وخسروا الشارع، كسبوا بفضله الامتيازات وفقدوا المصداقية، ليكون بنكيران بذلك هو القائد الذي عبر بهم من ضفاف الدعوة إلى مستنقع التدبير، حيث غرق الجميع في وحل التبرير، لتتحول الجماعة من مشروع بديل إلى مجرد ترس إضافي في آلة المخزن التي لم يتقنوا أبداً فك شفرات محركها. في تجمع حزبي نظمه حزب العدالة والتنمية في الخميسات، نهاية الأسبوع الماضي، قال بنكيران أمام جمهوره بأنه في حال عودة حزبه إلى رئاسة الحكومة في شتنبر المقبل، سيكون أول قرار يتخذه هو إلغاء العمل بالساعة الإضافية التي سئم الناس منها، وكذا إلغاء تسقيف سن الولوج إلى سلك التعليم الذي حددته وزارة التربية في 30 سنة؛ إلا أن ما لم يقله بنكيران لأتباعه، هو أنه في قرارة نفسه، لا يؤمن للحظة واحدة باحتمال عودة إخوانه إلى توارگة، حتى لو كانت المؤشرات السياسية المتوفرة، إلى حدود الساعة، تقول بأن المصباح سيحقق قفزة مهمة في صناديق 23 شتنبر. شخصياً، لا أتوقع فقط ألا يحل البيجيدي في المرتبة الأولى في الانتخابات المقبلة، بل أذهب أبعد من ذلك لأتوقع أن تكرس نتائج الاقتراع تقهقر إخوان بنكيران، ليدخل الحزب مرحلة التحلل السياسي النهائي، ويتحول إلى مجرد رقم هامشي في مشهد لم يعد في جميع الأحوال يغري أحداً؛ ليس لأن المغاربة سيعرضون عن التصويت على بنكيران ومن بقي معه في حزبه لمعاقبة أخنوش ونزار وفاطمة الزهراء، بل لأسباب موضوعية قوية، تبدأ من عزوف انتخابي حاد ونسبة مشاركة ستكون، بلا شك، متدنية إلى أبعد الحدود، مروراً بسطوة المال الذي سيُستخدم لشراء الذمم وكسب الأصوات، وصولاً إلى أساليب التزوير الناعم التي يتقنها مهندسو الانتخابات بدقة وهدوء، وانتهاءً بإرادة الدولة التي طوت إلى الأبد صفحة عشر سنوات من حكم الإسلاميين في 2021، وهي لا تزال ترى فيهم جسماً نشازاً استنفد أغراضه الوظيفية، ولم يعد له مكان في مغرب الغد الذي بدأت من الآن تُرسم معالمه وتوجهاته الكبرى. مرت الآن تسع سنوات على إقالة بنكيران من رئاسة الحكومة وإحالته على التقاعد السياسي المبكر وبقي بنكيران هو بنكيران : إسلامي براغماتي وملكي أكثر من الملك "واخا يدّيه للحبس"، كما سبق وأن صرح ذات يوم وهو ما يزال رئيساً للحكومة يسعى إلى كسب ود القصر والتقرب منه.. ومن ذلك التاريخ إلى اليوم، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وتغيرت ملامح الخريطة السياسية برمتها، وبقي بنكيران وحده يجتر خيبات رجل أراد أن يكون بطلاً شعبياً وخادماً مطيعاً في الآن ذاته، فلم ينل من البطولة سوى صخبها، ولم يحصد من الخدمة سوى جفاء الدولة التي استغنت عن خدماته حين انتهى دوره. ظني أن محطة 23 شتنبر المقبل ستكون محطة نهاية السير التي سيقتنع فيها بنكيران، أخيراً، بأن ساعته السياسية قد توقفت تماماً، وأن الزمن السياسي، حين يمضي، لا يعود أبداً، وأنه لم يتبقَّ له اليوم، وهو يغلق باب السبعين خلفه، سوى انتظار حكم التاريخ على قيمة وأثر مساهمته في مغرب محمد السادس.