في لحظات تاريخية معينة، لا تكون الكلمات مجرد تصريح سياسي عابر، بل تتحول إلى رسالة سيادية واضحة تعكس جوهر الدولة وثوابتها العميقة. ومن هذا المنطلق جاء التصريح القوي لوزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت، حين قال بوضوح لا يحتمل التأويل: "من يفضل مرشد طهران على ملكه، فليبحث له عن وطن آخر... المغرب للمغاربة الأوفياء لوطنهم وملكهم." إنه تصريح يختزل فلسفة الدولة المغربية في حماية السيادة الوطنية وصيانة الأمن الروحي للمغاربة، ويؤكد أن الولاء للوطن وثوابته ليس مجرد شعار، بل خط أحمر لا يقبل المساومة. المغرب... دولة بهوية روحية راسخة المملكة المغربية ليست مجرد كيان سياسي عابر في الجغرافيا، بل هي دولة ذات عمق حضاري وروحي متجذر عبر القرون. فقد قامت شرعيتها التاريخية على مؤسسة عريقة هي إمارة المؤمنين، التي يمثلها اليوم الملك محمد السادس، باعتباره أمير المؤمنين وحامي الملة والدين. هذه المؤسسة ليست مجرد لقب رمزي، بل هي مرجعية دينية وروحية تحمي وحدة المغاربة الدينية، وتؤطر تدينهم وفق الثوابت التي شكلت عبر التاريخ الهوية الروحية للمغرب: المذهب المالكي في الفقه، العقيدة الأشعرية في الاعتقاد، التصوف الجنيدي في السلوك الروحي. هذه الثوابت لم تكن مجرد اختيار فقهي، بل كانت عبر التاريخ حصنًا للوحدة الروحية للمغاربة، وسدًا منيعًا أمام الفتن والانقسامات المذهبية التي عصفت بعديد من المجتمعات. المشروع الإيراني ومحاولات التغلغل المذهبي منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 التي أطاحت بنظام محمد رضا بهلوي، انتهجت إيران سياسة خارجية تقوم على تصدير نموذجها الأيديولوجي والمذهبي إلى عدد من مناطق العالم الإسلامي. ولم تكن المنطقة العربية، ولا شمال إفريقيا، بمنأى عن هذه الاستراتيجية التي سعت إلى نشر المذهب الشيعي واستثمار الدين في صراعات النفوذ السياسي والجيوسياسي. وقد أدرك المغرب مبكرًا خطورة هذه المحاولات التي تستهدف وحدة المرجعية الدينية للمغاربة، ولذلك ظل حريصًا على حماية أمنه الروحي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني. تصريح لفتيت... وضوح الدولة في لحظة الحسم من هنا يكتسب تصريح وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بعده الحقيقي. فالكلمات التي قالها ليست موجّهة إلى الداخل فقط، بل هي أيضًا رسالة سياسية وروحية إلى الخارج مفادها أن المغرب دولة ذات سيادة كاملة، وأن ولاء مواطنيها لا يمكن أن يكون موزعًا بين وطن ومرجعية أجنبية. إنها معادلة واضحة: إما أن تكون مغربيًا وفيًا لوطنك ولملكك، أو تختار الانتماء الذي تريده خارج هذا الوطن. فالوطن، في نهاية المطاف، ليس مجرد أرض نقيم فوقها، بل هو عقد وفاء وانتماء يجمع بين التاريخ والهوية والولاء. المغرب... وطن الاعتدال لا التبعية لقد ظل المغرب عبر تاريخه نموذجًا للإسلام الوسطي المعتدل، منفتحًا على العالم، لكنه في الوقت نفسه حازم في الدفاع عن ثوابته. فالتسامح لا يعني التفريط في الهوية، والانفتاح لا يعني القبول بأي مشروع خارجي يسعى إلى زعزعة الاستقرار الروحي للمجتمع. ولهذا فإن الرسالة التي خرجت من الرباط اليوم واضحة بقدر ما هي عميقة: المغرب ليس ساحة لتجارب الأيديولوجيات العابرة للحدود، بل هو دولة بهويتها الخاصة ومرجعيتها الراسخة. المغرب فوق كل اعتبار إن قوة الدول لا تقاس فقط بحدودها الجغرافية أو قدراتها العسكرية، بل أيضًا بصلابة هويتها ووحدة شعبها حول ثوابته. ومن هذا المنطلق، يظل المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، متمسكًا بمرجعيته الروحية ووحدته الوطنية، مؤمنًا بأن الولاء للوطن والعرش هو الأساس الذي يقوم عليه استقرار الدولة واستمرارها. ولهذا تبقى الرسالة واضحة لكل من يريد أن يسمعها: المغرب وطن الأوفياء... ووفاء المغاربة لوطنهم وملكهم ليس مجرد موقف سياسي، بل عهد تاريخي ووجداني لا ينكسر.