العرائش أنفو عندما استعاد المغرب استقلاله سنة 1956، بعد عقود من نظام الحماية الذي فرضته كل من فرنسا وإسبانيا، اعتقد المغاربة أنهم طووا صفحة الاستعمار إلى الأبد. غير أن التاريخ علمنا أن الاستعمار لا يرحل دائماً بشكل كامل؛ فقد يغادر بجيوشه وإدارته، لكنه يترك وراءه شبكات من المصالح والنخب التي نشأت في ظله وترعرعت في حضنه. لقد كانت معركة التحرر التي قادها جلالة الملك الراحل محمد الخامس ومعه الحركة الوطنية والمقاومة الشعبية ملحمة عظيمة أعادت للمغرب سيادته السياسية. غير أن التحدي الأكبر لم يبدأ إلا بعد الاستقلال: كيف يمكن بناء دولة وطنية حقيقية خالية من إرث التبعية؟ في هذا السياق، يستحضر كثير من المفكرين ما نُسب إلى المناضل النقابي التونسي فرحات حشاد عندما أشار إلى أن المعركة بعد الاستعمار قد تتحول إلى صراع مع أولئك الذين نشأوا في ظله واستفادوا من امتيازاته. فخلال فترة الحماية، ظهرت فئات اجتماعية ارتبطت مصالحها بالسلطات الاستعمارية، واستفادت من الامتيازات الاقتصادية والقانونية، وكان بعضها يُعرف في الأدبيات التاريخية باسم "المحميين"، وهم أولئك الذين وضعوا أنفسهم تحت حماية القنصليات الأجنبية وتمتعوا بمعاملة خاصة خارج القوانين الوطنية. ومع نهاية الاستعمار المباشر، لم تختفِ هذه البنيات بشكل كامل. فقد بقيت آثارها في شبكات النفوذ الاقتصادي، وفي ثقافة الريع والامتيازات، وفي نماذج اقتصادية لا تخدم دائماً التنمية العادلة بقدر ما تخدم مصالح ضيقة. وهكذا وجد المغرب نفسه أمام معركة جديدة: معركة بناء دولة المؤسسات وتحرير الاقتصاد من منطق الامتيازات. إن أخطر ما يواجه مسار التنمية في أي بلد ليس فقط التدخل الخارجي، بل أيضاً استمرار بعض العقليات التي ورثت ثقافة التبعية وراكمت الثروة والنفوذ في ظلها. فحين تتحول الامتيازات إلى قاعدة، ويتراجع مبدأ تكافؤ الفرص، تصبح التنمية بطيئة، ويصبح الاستقلال السياسي مهدداً بفجوة بين الشعارات والواقع. غير أن المغرب، في العقود الأخيرة، حاول أن يفتح مساراً جديداً للإصلاح والتحديث، خاصة في ظل الرؤية التنموية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، والتي تقوم على تعزيز السيادة الاقتصادية، وتنويع الشراكات الدولية، والانفتاح على إفريقيا والعالم. لكن تحقيق الاستقلال الحقيقي يظل رهيناً بقدرة المجتمع والدولة معاً على تجاوز إرث الماضي، وبناء نموذج اقتصادي قائم على الإنتاج والعدالة الاجتماعية، لا على الريع والامتيازات. فالاستقلال ليس مجرد حدث تاريخي وقع في منتصف القرن الماضي، بل هو مسار دائم من التحرر: تحرر من التبعية الاقتصادية، ومن ثقافة الامتيازات، ومن كل ما يعرقل انطلاق الأمة نحو التنمية والكرامة والسيادة الكاملة. إن معركة التحرر الكبرى اليوم ليست فقط مع الماضي، بل مع بقاياه التي ما زالت تحاول تعطيل المستقبل.