أمام تفجر الفضائح المتكررة المرتبطة بشبهات الفساد المالي والتجاري والصناعي والخدماتي في علاقة الاقتصاد بالسلطة السياسية ، وفي علاقة المؤسسات بذوي النفوذ، ينطرح مجددا موضوع السياسة في علاقتها بالمال وبتشكل " الطبقة البرجوازية" بالمغرب. ولأن هذا الموضوع ليس ترفا فكريا، ولا تراثا نظريا يذكرنا بزخم الأطروحات السياسية والاقتصادية المرافقة لتشكل الدولة الوطنية لما بعد الاستقلال ، فإن إثارته اليوم هو إجابة عن الحاجة المتجددة لربط المجال السياسي بالنظرية السياسية في علاقتها بقضايا الاقتصاد السياسي،والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية. وهو موضوع، وإن لم يطرح من داخل المرجعية الاشتراكية التي تفوقت( نظريا) على غيرها من المرجعيات في تفكيك نظرية الطبقات، فإنه قد يطرح اليوم من داخل المرجعية الليبرالية نفسها التي تربط الاقتصاد بشروط الانتاج الخاضع لسيادة القانون، ومنع الاحتكار،وقواعد الشفافية التي تبتدئ في التشريع، وتنتهي في السوق.بل إن المرجعية نفسها تفصل عمليا بين سلطة القرار السياسي، وسلطة النفوذ الاقتصادي. ودون الحاجة للخوض في السؤال التاريخي " هل البرجوازية المغربية بورجوازية وطنية؟ ،والتذكير بالسياقات السياسية التي رافقته منذ الاستعمار، فإن مجرد إعادة طرح هذه السؤال اليوم يستوجب بالضرورة التذكير " بالشروط غير الطبيعية" لتشكل فئات عريضة من الأغنياء بالمغرب خارج السيرورات الطبيعية التي تخضع لشروط تشكل الرأسمال بمعناه الحقيقي . لقد استفادت هذه الفئات بحكم قربها من السلطة المحلية أو المركزية من الصفقات المخزنية من الريع العقاري والمالي والاحتكاري والاداري والتجاري، ومن الصفقات العمومية والامتيازات الضريبية والجمركية، ومن الامتيازات البنكية والريع المعلوماتي، ومن احتكار التجارة …، الخ. غير أن ما يهمنا في هذا المقام، ليس هو التأصيل النظري أو التاريخي لتشكل البرجوازية المغربية ، بل ما يهمنا هو ربط العملية السياسية بمقتضيات بناء الديمقراطية بما تتطلبه من قواعد. إن المسار الديمقراطي بالمغرب انشغل كثيرا بأولويات الإصلاح السياسي ،وظل موضوع السياسية في بلادنا مرتبطا في المقام الأول بالمسألة الدستورية وبالإصلاح المؤسساتي. وكانت شؤون المال والاقتصاد تدار خارج زمن التوتر السياسي لفائدة فئات اجتماعية ستستفيد من كل أنماط الريع، وستلعب أدورا "سياسية" معينة خلال فترات متفرقة مكنتها من صناعة النفوذ والجاه والسلطة. حتى إن العملية الانتخابية كانت ولا زالت تمر بالضرورة عبر تيسير وصولها إلى المؤسسات التنفيذية والتشريعية. وليس صدفة أن تعبد طرق المال والسياسة حتى لبعض المنتسبين إلى الحركة الوطنية والديمقراطية نفسها . بعد سنوات من الاحتكاك مع الدولة بشأن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية سيتوج مسار هذه المطالب بمراجعة دستورية متقدمة أفضت إلى اقرار دستور. 2011 غير أن " معركة التأويل الديمقراطي" للدستور ستميل كفتها بالتدريج لفائدة التأويل المحافظ والسلطوي ، ليتم الالتفاف على العديد من مواده، خصوصا ما يتعلق منها باقبارتجريم الإثراء غير المشروع، وهو المرتكز الأساس في محاربة الفساد و تخليق الممارسة الاقتصادية والسياسية. غير أن اختلال موازين القوى الحالية لفائدة النفوذ السياسي لتكتلات الريع الاقتصادي والمالي سيساهم بشكل واضح في هندسة القرار القانوني لفائدة هذه الفئات، مما يطرح بقوة مخاطر الاحتكار السياسي في علاقته بالاحتكار الاقتصادي. ان سؤال الديمقراطية يرتبط، في الجوهر، بتنظيم المجال العمومي وبضبط أدوات الرقابة والمحاسبة في أبعادها التشريعية والقضائية والدستورية بما يسمح بحماية الدولة والمجتمع من كل المخاطر المرتبطة باستغلال النفوذ، وتضارب المصالح، والاغتناء غير المشروع. وكلما تعطلت هذه الأدوات تتحول اللوبيات المستفيدة من زواج المال والسلطة، ومن شبكات الريع إلى تكتلات سياسية ضاغطة تهيمن على القرار السياسي وعلى القرار القانوني. وإن أصبحت فوق المؤسسات، فإنها لن تتردد في اختطاف الدولة state capture لقد انحازت اختيارات الدولة لاقتصاد السوق في العديد من القطاعات، غير أن هذا الاختيار يتطلب حماية الدولة نفسها من تغول الرأس المال الاحتكاري، ومن هيمنة السلطة السياسية المرفقة به. ان شعار الدولة الاجتماعية يقتضي حماية الاقتصاد والسياسة من لعبة تضارب المصالح، واستغلال النفوذ، والاثراء غير المشروع. ولن يتحقق ذلك الا بسلطة القانون.