بقلم: أنوار العسري في مشهد يعكس تحولات عميقة داخل المجتمع المغربي، لم تعد المطالب الاجتماعية تُرفع بنفس السقف الذي كانت عليه في السابق. فبعدما كانت شعارات الحق في الشغل، والتطبيب، والسكن اللائق، والكرامة الإنسانية تتصدر النقاش العمومي، باتت اليوم تتوارى خلف مطالب أكثر استعجالًا وارتباطًا بالحياة اليومية، كارتفاع أسعار المواد الغذائية والخضر، وتوفير الأمن، وإيجاد حلول واقعية لفئات تعاني الهشاشة، وعلى رأسها المرضى النفسيون وظاهرة الكلاب الضالة. هذا التحول لا يمكن قراءته فقط باعتباره تغييرًا في الأولويات، بل هو في العمق مؤشر على حالة من "التكيّف القسري" مع واقع ضاغط، فرض على فئات واسعة من المواطنين إعادة ترتيب مطالبهم وفق ما تمليه الضرورة، لا ما يكفله الدستور. فحين يصبح همّ المواطن هو القدرة على تأمين قوته اليومي، فإن المطالب الكبرى المرتبطة بالعدالة الاجتماعية تفقد بريقها، ليس لأنها لم تعد مشروعة، بل لأنها أصبحت مؤجلة أمام ضغط الحاجة. وفي مدينة العرائش، كما في عدد من المدن المغربية، يبدو هذا التحول أكثر وضوحًا. فالسكان لم يعودوا يكتفون بالمطالبة بحقوقهم الأساسية في الصحة والتعليم والشغل، بل أصبحوا يرفعون أصواتهم بشكل متزايد من أجل ضمان الأمن داخل الأحياء، والتدخل العاجل لمعالجة ظاهرة المرضى النفسيين الذين يعيشون في الشوارع دون مواكبة طبية، فضلًا عن الانتشار المقلق للكلاب الضالة وما تشكله من تهديد يومي لسلامة المواطنين. إن هذا الواقع يطرح أكثر من سؤال حول جدوى السياسات الاجتماعية المعتمدة، ومدى قدرتها على الاستجابة لتطلعات المواطنين. كما يكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين ما هو منصوص عليه قانونيًا وما هو معيش فعليًا، حيث تتحول الحقوق إلى شعارات مؤجلة، بينما تفرض الإكراهات اليومية نفسها كأولوية قصوى. غير أن الخطورة لا تكمن فقط في تراجع سقف المطالب، بل في إمكانية "تطبيع" هذا الوضع، بحيث يصبح من العادي أن يطالب المواطن بالحد الأدنى من شروط العيش، بدل المطالبة بحقوقه الكاملة. وهو ما يستدعي اليوم أكثر من أي وقت مضى إعادة النقاش حول السياسات العمومية، وضرورة تبني مقاربة شمولية تعيد الاعتبار للإنسان كجوهر لكل تنمية. إن تصقيف المطالب الاجتماعية لا ينبغي أن يُفهم كقبول بالأمر الواقع، بل كنداء صريح لإعادة ترتيب الأولويات بشكل يوازن بين الاستجابة للحاجيات الآنية وضمان الحقوق الأساسية. فمجتمع يُجبر على خفض سقف مطالبه، هو مجتمع يحتاج إلى وقفة حقيقية تعيد له ثقته في المستقبل، وتُعيد للحقوق مكانتها الطبيعية كأولوية لا تقبل التأجيل.