جلالة الملك يهنئ سيغورو بمناسبة انتخابه رئيسا للبرتغال    ابتداء من الأحد.. الرجوع إلى الساعة القانونية واعتماد وقت مسترسل للعمل خلال رمضان    أديس أبابا: افتتاح أشغال الدورة العادية ال48 للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي بمشاركة المغرب    حقينات السدود تبلغ 69,35 في المائة وطنياً إلى غاية اليوم الأربعاء    حموشي يقوم بزيارة عمل إلى المملكة العربية السعودية    رياضيو الأمن الوطني يتوجون بلقب البطولة العربية للعدو الحر بمدينة الدوحة    المحكمة الابتدائية بالحسيمة تدين متهماً بترويج المخدرات ب7 سنوات حبسا نافذاً وغرامات مالية    سيدي قاسم: استئناف الدراسة الحضورية مع استمرار التعلم عن بعد ببعض المؤسسات    حقوقيون يدعون إلى تأسيس جبهة وطنية لمناهضة الفساد وإطلاق عريضة لحماية المبلغين    كندا.. امرأة تقتل عشرة أشخاص في إطلاق نار استهدف مدرسة قبل أن تنتحر    السلطات تنفي إجراء أي إحصاء لساكنة القصر الكبير المتواجدين بطنجة    طقس بارد في توقعات اليوم الأربعاء بالمغرب    نادي مارسيليا ينفصل عن دي زيربي    ارتفاع كبير في مخزون المياه بسد محمد بن عبد الكريم الخطابي    صيادون يستأنفون العمل في العرائش    الحالة الجزائرية.. هذه جذور هشاشة الدولة وعقيدة سوء الجوار مع المغرب    طنجة: إفشال محاولة لتهريب أكثر من طن من الحشيش عبر قارب مطاطي    دعم عاجل لكسابة الغرب المتضررين من الفيضانات    السعدي يحضر حفل تقديم "حرف مغربية"    رئيس الاتحاد الإسباني لمنظمات الأعمال: كأس العالم 2030 رافعة للنمو والتكامل للمغرب واسبانيا والبرتغال    مدرب نيجيريا: الجدل التحكيمي سببه ضعف التواصل حول القوانين قبل كأس إفريقيا        عداؤون من رياضيي الأمن الوطني يشاركون في بطولة الشرطة العربية للعدو الحر        فيضانات الشمال.. تأجيل سداد القروض لمدة شهرين وإلغاء رسوم السحب لدى "البريد بنك"    والآن، ماذا بعد مدريد؟ حى على التنفيذ !    صحة الشعب مسؤولية الحكومة    وعي الأجيال: كيف كسر العالم الرقمي قيود الجاهلية؟    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض    مساء اليوم في برنامج "مدارات " بالإذاعة الوطنية: حوار الفكر والإبداع مع الأديبة لطيفة المسكيني    فنانة مغربية ضمن برنامج «مستقبليّات»: مفردات تكشف عن أسماء النسخة الثانية من مبادرتها الفنية العربية    سهرة شيوخ العيطة تحط الرحال بالدار البيضاء بعد نجاح دورتها الثالثة بالرباط    الفنان العياشي الشليح أستاذ الآلة وأحد الأعضاء الموسيقيين الأوائل .. ورقة أخرى تسقط من تاريخ الموسيقى الأندلسية        نتانياهو يلتقي ترامب وصواريخ إيران على رأس جدول الأعمال    عمر الشرقاوي يفكك دلالات برقية التهنئة الملكية لمحمد شوكي وسلفه عزيز أخنوش    طانطان .. ارتفاع الكميات المفرغةالصيد الساحلي والتقليدي خلال 2025    النادي الصفاقسي يلوّح بالانسحاب من الدوري التونسي احتجاجًا على قرارات التحكيم    لابورتا يتأهب لخوض انتخابات جديدة على رئاسة برشلونة    تقارير فرنسية .. الركراكي متمسك بمغادرة تدريب المنتخب    أتمسك بحقي في الصمت".. غلين ماكسويل ترفض الإدلاء بشهادتها أمام لجنة الرقابة بالكونغرس الأمريكي    أنفوغرافيك | عمالقة روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي    "مستر بيست" يستثمر في بنك لجذب "الجيل زد"    دراسة تثبت نجاعة تمارين الدماغ في الحدّ من خطر الإصابة بالخرف    الشرطة الكورية تداهم مقر المخابرات    ترامب يطالب بحصة في جسر مع كندا    المغرب يشارك في الدورة ال 61 لبينالي البندقية برواق في قلب "أرسينالي"    صدور كتاب نقدي جديد حول أنثروبولوجيا السرد الروائي بالمغرب للباحث والروائي أحمد بن شريف    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    منظمة الصحة العالمية تستأنف برامج التطعيم ضد الكوليرا    العواصف والشدائد والمحن والمخاوف ومنسوب الإيمان لدى المغاربة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة        دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوسف الديني "الشرق الأوسط": تونس: البحث عن الطاهر بن عاشور!
نشر في مغارب كم يوم 25 - 04 - 2012

بالنسبة لكثيرين - وكنت وما زلت أحدهم - أرى أن أنضج تجربة في «الثورات» العربية هي التجربة التونسية؛ لكنها الآن خارج الأضواء رغم ما يحف بها من مخاطر جسيمة أبرزها تعاظم دور الجماعات المتشددة داخل النسيج الاجتماعي التونسي الأكثر مناعة ضد التطرف بحكم الإرث الطويل والقوي للدولة المدنية بمفهومها الأشمل.
الأعلام السود ذات عبارات «طلب الشهادة» والتي تذكرني بذات الإعلام المرفوعة في جبهات القتال ومحاضن «القاعدة» في باكستان سابقا والعراق واليمن لاحقا، نذير مقلق جدا فيما يخص استقرار الحالة التونسية بعد أن تركز نظر الإعلام المسلط على التجربة التونسية على صراع النهضة مع التيارات السياسية المناهضة لها، عدا الجبهات المفتوحة في سوريا ومركزية الثورة المصرية مما جعل الإعلام يتجاهل تفاصيل ما يحدث هناك، يمكن القول للأسف إن سقف ما يتصدر نشرات الأخبار بات عاليا جدا بسبب الثورة السورية حيث صور القتل المجاني والتنكيل واستجداء القاتل من المجتمع الدولي ما زال الموضوع الأكثر جذبا لاهتمام المشاهد.
الجماعات المتشددة في تونس والتي يطلق عليها بشكل تعميمي أنها «سلفية»، في حين أن عباءة السلفية بالمعنى المناهض لحركات الإسلام السياسي وتحديدا حركة الإخوان باتت تتسع لبقايا الجهاديين وهم نسبة كبيرة وأيضا أصبحت مرتعا لتنظيمات أصولية متطرفة نظريا وإن لم تمارس العمل المسلح وأبرزها في المشهد التونسي حزب التحرير الذي بدأ في الحشد والتعبئة منذ يناير (كانون الثاني) 2011 مع بدايات الثورة كما هو الحال بالنسبة لفلول الجماعات المسلحة الخارجة للتو من تجربة الاعتقال الطويلة.
الاصطدام بالمتجمع التونسي من قبل الجماعات المتشددة التي تمارس تكنيك الحشد وإعادة التعبئة في أزمنة الفوضى وحالة اللااستقرار وضعف اليد الأمنية تبدى في مجموعة من الحوادث التي بدت رمزية رغم دلالاتها الكبيرة وربما كان أكثرها صخبا من الناحية الإعلامية الاحتجاج ضد فيلم «برسيبوليس»، وهو احتجاج رغم تجديف الفيلم كسب للجماعة تأييدا واسعا بين نطاقات وشرائح مهملة ليست من الدولة التونسية الحديثة فقط؛ وإنما من حزب النهضة الذي كلما خاض في غمار السياسة واصطبغ بوحلها الذي يعني تقديم تنازلات كبيرة على مستوى القناعات؛ فقد شعبيته على الأرض لصالح الجماعات المتشددة التي تلعب على وتر الهوية التونسية.
المفاجأة كانت في صدام مدينة صفاقس التي يؤكد عدد من المراقبين تحولها إلى مرتع لهذه الجماعات، وربما كان بروز مجموعات مسلحة فيها ومطالبتها بإنشاء إمارة إسلامية صدمة كبيرة رغم استحالة ذلك على المدى القريب بسبب ما كان يعتقد من حصانة المجتمع التونسي.
حزب النهضة في موقف إيجابي لم يرد أن يكرر تجربته عبر غيره، فبادر إلى إعلان الحوار مع المجموعات المتشددة ذات النزعة القتالية مثل الحوار مع «أنصار الشريعة» الجماعة التي يتزعمها أبو إياد التونسي، وهو حوار ربما كان إيجابيا إذا ما أخذنا جانبه السياسي بمعنى إعادة إدماج «الكتل السلفية المتشددة» داخل النسيج الوطني عبر إشراكه في اللعبة السياسية. لكن هذه المحاولة وإن كانت محفزة من الناحية السياسية، إلا أنها خطرة جدا من حيث القبول بشرعية أيديولوجية أصولية تريد إقامة إمارة ودولة إسلامية على طريقة طالبان، لا سيما أن غياب حوارات مفتوحة حول المفاهيم الأساسية لتلك الجماعة بدءا من فهمها لطبيعة الإسلام وموقفها من الدولة الحديثة ومفهوم المواطنة والآخر يجعل منها كيانات سياسية غير مروضّة بخطاب مدني يمكن أن تجهز على أي عملية سياسية في حال استقوائها بالحشود الاجتماعية الجاهزة للانخراط في هكذا أيديولوجية تبسيطية يمكن أن تؤمن حلولا سحرية لمشكلات الفقر والتمييز الاجتماعي وغياب الاستقرار.
التفكير في إنتاج خطاب ديني إصلاحي يوازي تطلعات حزب النهضة في تمدين رؤيتها السياسية الإسلامية أهم تحد يواجه الحزب خلال الفترة المقبلة، بمعنى آخر إعادة إحياء تراث تنويري كالذي اضطلع به شيخ الزيتونة الراحل العلامة الطاهر بن عاشور هو ضمانة بقاء الخطاب الديني في تونس بعيدا عن استقطاب الجماعات المسلحة أو ذات الرؤية الأيديولوجية الضيّقة كحزب التحرير وهي مجموعات أخذت طريقها في السيطرة الاجتماعية عبر أدواتها التقليدية وهي منابر المساجد؛ هناك حديث عن سيطرة متشددين على ما يزيد على 700 جامع في مختلف أنحاء تونس وهو رقم كبير يكفي لإعادة حقن خطاب أصولي في جسد المجتمع التونسي.
حزب النهضة والحكومة لديهما فوبيا حميدة من حملات القمع التي يمكن أن تكون محفوفة بالمخاطر، لكن هذا لا يبرر تأجيل المواجهة الفكرية والانشغال بالأطر السياسية لمفهوم الدولة وحدودها كما هو الحال في النقاشات المكرورة بين الحزب ومناوئيه من التيارات العلمانية.
ما تخشاه النخب السياسية التونسية - وهي محقة - في مخاوفها أن يقنع حزب النهضة بحالة الازدواجية حيث الخطاب السياسي المعتدل المعلن، يقابله المفاوضات مع الجماعات المتشددة لكبح جماحها عبر تأييد منطقها المحافظ لكن تأجيله بدعوى أنه غير ملائم للمرحلة مع تقديم محاكمات عاجلة لقضايا رأي تتصل بالحكم على مجموعات وصفت بأنها «لا دينية» أو أنها تهاجم الإسلام.
هناك فوضى من تبادل الاتهام بين النهضة وخصومها، فالنهضة ترى أن هذه الجماعات المتطرفة نتيجة طبيعية لسنوات من القمع والقذف بشباب خاض تجربة متشددة في غياهب السجون؛ بينما يرى الخصوم أن اللعب ب«كرت» السلفية كفزاعة لتقديم الذات كضامن وممثل وحيد للاعتدال الإسلامي لعبة في غاية الخطورة.
الصراع على شرعية «الاعتدال» ومناكفة القوى المدنية لن ينتج تونس جديدة، وإذا لم يتم إنتاج خطاب ديني قادر على مواجهة التطرف بحوار داخلي عميق يستعرض الأدلة ويواجه الحجج بمثلها ويعيد إنتاج اجتهادات عريقة لعلماء تونس المجددّين، سيتضخم دور الجماعات المتشددة في غفلة حزب النهضة بأدائه السياسي ولن يكون من المفيد مسك العصا من الوسط على طريقة استبدال نانسي عجرم بمارسيل خليفة لتكريس مفهوم الفن الملتزم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.