ملامح كل مدينة معالمها، وكل معلمة وراءها قصة أو حكاية أو أسطورة، فلا غور أن تتميز هذه المدينة المجنونة طنجة، بالأساطير والقصص والحكايات، وملامح طنجة ليس فقط معالمها، بل كل زنقة أو حي أو منزل أو مقهى أو زاوية معلمة بحد ذاتها، وعن هذه الأزقة أو المقاهي أو البيوتات نسجت حكايات سرت بذكرها الركبان. هذه الملامح (الأزقة - المقاهي- المنازل ...) لا تذكر أمام المعالم الكبرى للمدينة، التي تهاوى بعض منها على مرأى أعيننا ومسامعنا كملعب مرشان وغيره. هذه الملامح المسكوت عنها، بدورها تختفي بصمت ويسحب البساط من تحتها، وبإختفائها ستندثر حكايات توارثت جيلا بعد جيل، وما "عايشة قنديشة" إلا اسطورة من اساطير الزنقة الطويلة بالقصبة التي كانت الجدة تحكي لنا عنها لتخيفنا منها لكي ننام، وما كنا ننام، ولو كانت "عايشة قنديشة" حية ترزق لخافت منا‼ ملامح طنجة المسكوت عنها أزقتها وأنهجها، فعندما نتجه نحو طنجة الكبرى بملامح غير طنجة الأم، ستغيب حكايات ومرويات، وستبتلع طنجة الكبرى طنجة الأم ببطنها، وسنبخس شخصيات قدمت للمدينة الشيء الكثير و بصمت ببصمتها قبل أن ترحل دون التأريخ لها ولو على الجدران. من مظاهر بلع معالم المدينة مثلا، إقدام فرنسية مقيمة بالقصبة على تحويل خلوة لمولاي بوشتى الخمار وتحويلها إلى متجر لعرض الأزياء، وهدم جزء تابع لخلوته مدفون به خيرة أعيان المدينة ورجالاتها، أمثال والد العلامة عبد الله كنون عبد الصمد كنون‼ فأين ما يسمى بجمعية حماية البيئة و التراث‼ يقينا أنكم لا تعرفون به أصلا ولأول مرة تسمعون به. و من مظاهر التيه، ومسخ ملامح المدينة، إطلاق أسماء على أزقة تحمل حمولة تاريخية دون مراعاة لتاريخ الحي، وأي مسخ أكثر من هذا المسخ، عندما تسلخ منطقة عن أصلها وتعطيها إسما لا يربطها بتاريخها، فأي طمس لخدي المدينة وملامحها أكثر من هذا الطمس. فمثلا حي المطافي، هذا الحي الذي مازال صهريج للماء ضخم به، شاهد على المسخ والطمس الذي لحق هذه المنطقة، فإذا أخذت طاكسي وطلبت منه أن يحملك إلى شارع "أبي حنيفة" مع إحترامنا الكبير للإمام ابي حنيفة، سيبقى مذهولا فاغر الفاه كالطرشان، وكأنك تشير عليه أن يحملك إلى شارع ببغداد أو دمشق في حين أبو حنيفة هو إسم حومة المطافي حاليا، وسميت المطافي، بالمطافي لأن المنطقة كانت غالبية البيوتات بها خزانات للماء، أو ما نطلق عليه "مطفيات" أو نطفيات بصحيح العبارة وهو إسم يؤرخ لمنطقة المطافي. من المناطق ايضا التي فقدت حمولتها التاريخية، منطقة السواني، هذه المنطقة التي تحمل بدورها دلالة وحمولة تاريخية عن المنطقة، أطلق عليها إسم هارون الرشيد بدل السواني، مع إحترامنا لهارون الرشيد بدوره، ولو أخذت ايضا طاكسي وطلبت منه أن يحملك إلى شارع هارون الرشيد ربما سيجيبك نفس السؤال بأن هارون الرشيد نهج من أنهج بغداد أو حلب، في حين السواني مفرد سانية يحيل على أن المنطقة كانت بها مروج وأنهار. في ظل طنجة كبرى، حان الوقت لتنظر طنجة إلى المرآة لترى ملامحها وقد أعيدت لها، لتتعرف على نفسها بعد سنين من الضياع والتيه، ولكي تتعرف على نفسها وهي شاخصة أمام المرآة تضع المساحيق على وجهها، يجب إعادة الإعتبار لملامحها المكملة لمعالمها الكبرى، فلا تستقيم طنجة الكبرى بدون طنجة الأم، دروبها وأزقتها زواياها ورجالاتها، بإطلاق أسماء على شخصيات اعطت الكثير لهذه المدينة، و بصمت بصمتها بدون بهرجة ولا أضواء مسلطة، وإحياء هؤلاء يكون بالتأريخ لهم، بإطلاق أسمائهم على الأزقة التي سكنوا فيها، وبوضع رخامات على أسماء المنازل التي سكنوها. وعندما نعيد لطنجة ملامحها، سيسهل على مجلس المدينة التسويق حينئذ لطنجة، فلا يمكن أن نسوق للمدينة دون إسترجاع لملامحها، دون إعادة الاعتبار للشخصيات الذين سكنوا بها أو مروا منها أو صنعوا فترة ذهبية بها، وما أكثرهم بقيت الإشارة، أنه عندما زار عمدة أمستردامطنجة مؤخرا تحسر على ملامح المدينة التي لم تستغل إلى حد الأن في تسويقها، خصوصا دروب المدينة القديمة، يعني أن طنجة طول هذه المدة كانت تسوق نفسها بنفسها، وكم تمنى لو كانت طنجة هي امستردام قائلا "لسوقتها تسويقا" وبدوري أقول وقولوا معي "الله يجيب لي يسوق طنجة"