في زحمة الأسواق الشعبية بمدينة طنجة، حيث تعج الأزقة بروائح التوابل ومكونات الأطباق الرمضانية، يبرز الإقبال الكبير على ورقة البسطيلة، ذلك المكون الأساسي الذي لا غنى عنه لتحضير أطباق تقليدية تتصدر موائد الإفطار. بين "سوق د برا" وكسبراطا وسوق نجيبة، تمتد طاولات تعرض أكوامًا من هذه العجينة الرقيقة، فيما يتجمع الزبائن حول الباعة الذين يلفون الورقات في أكياس ورقية بنية، وسط حركة دؤوبة تشهدها هذه التجارة الموسمية. مع اقتراب موعد الإفطار، تتسارع وتيرة البيع، حيث يشير الباعة إلى أن الطلب يبلغ ذروته في الساعات الأخيرة من النهار. "هذه الفترة هي الأهم في السنة، نبيع كميات كبيرة يوميًا"، يقول أحد الباعة في كسبراطا، وهو يكدس رزم الورقة فوق طاولته الخشبية، بينما تتوافد النساء والرجال على محله الصغير، بعضهم يشتري كميات تكفي لأيام، بينما آخرون يعودون بشكل يومي لضمان الحصول على ورقة طازجة. ورقة البسطيلة، التي يتم إعدادها يدويًا داخل ورش صغيرة أو في المنازل قبل أن تصل إلى الأسواق، تجد زبائنها بين الأسر التي تفضل إعداد أطباقها بنفسها، والمطاعم التي تعتمد عليها لتقديم وجبات تقليدية للزبائن الذين يتوافدون بكثافة خلال الشهر الكريم. داخل هذه الورش، التي تعمل بأقصى طاقتها خلال رمضان، تتولى أياد خبيرة فرد العجين فوق صفائح ساخنة، حيث يتطلب الأمر سرعة ومهارة للحفاظ على سمكها الرقيق ومرونتها المطلوبة. وفي الوقت الذي تسيطر فيه الأسواق الشعبية على حصة الأسد من المبيعات، بدأت بعض المحلات التجارية العصرية تدخل على الخط، مستفيدة من الطلب المرتفع لتقديم ورقة البسطيلة في عبوات محكمة، في محاولة لاقتحام سوق لا يزال يعتمد في معظمه على شبكات التوزيع التقليدية. في أحد المحلات الراقية وسط المدينة، تعرض الورقة في أكياس بلاستيكية شفافة معبأة بعناية، بينما تضع بعض العلامات التجارية تسميات خاصة بها، محاولة استمالة شريحة من الزبائن تبحث عن منتجات معبأة وجاهزة. ورغم أن تجارة ورقة البسطيلة تشهد انتعاشًا لافتا خلال رمضان، إلا أن الباعة يشيرون إلى بعض التحديات، مثل تقلب أسعار المواد الأولية، خاصة الدقيق والزيت، فضلاً عن الضغط المتزايد الذي يفرضه الطلب المرتفع على صانعي الورقة التقليديين. "في بعض الأيام نضطر للعمل حتى ساعات متأخرة لتلبية الطلب"، يقول أحد العمال داخل ورشة صغيرة في حي شعبي، وهو يواصل فرد العجين على اللوح الساخن بسرعة ودقة. وسط هذا الزخم، يبقى المشهد نفسه يتكرر كل عام مع حلول رمضان: رزم من الورقات الشفافة تتكدس، وأصوات الباعة تتعالى بمناداة الزبائن، فيما يستعد الجميع لسباق استهلاكي لا يهدأ سوى مع انقضاء الشهر، لتعود تجارة ورقة البسطيلة إلى وتيرتها العادية، بانتظار موسم رمضاني جديد.