لا شيء يفضح بعض الوجوه في طنجة أكثر من الطريقة التي تتعامل بها مع المسؤولية: كأنها عبء يجب التخلص منه، لا تكليف يقتضي الوقوف. يكفي أن تُفسح لهم المنابر حتى ينكشف المعدن: ضيق أفق، ارتباك في المواقف، وجرأة عجيبة على تهشيم الهيبة العامة وهم يتوهمون انهم يمارسون السياسة. في مدينة تستعد لحظة بلحظة لدخول زمن عالمي جديد، يصر البعض على جرها إلى أسفل، إلى حيث القاع الذي يرفض الارتقاء. نفس الوجوه، نفس الأدوات، نفس اللغة المبتذلة التي لا تعرف غير التشويش، ولا تحسن سوى تحويل كل مساحة عمومية إلى مرآة لعللها الشخصية. وحين تبعث الدولة رسائلها الواضحة، وتعلن بصوت عال دعمها لفئات شابة حتى تقتحم المجال السياسي بشرف، يظهر من لا يزال يعتبر المشهد ضيعته القديمة، يرفض التغيير، ويعامل أي تجديد كتهديد لامتيازات لم يعد لها مكان. الأدهى ان بعض هذه الأصوات يجد راحته في الهروب من موقعه الطبيعي. صباحا يوقع وثائق الانسجام، ومساء يهاجمها وكأنه لم يكن هناك. ازدواجية لا تخجل من نفسها، وتُباع للناس بوصفها براعة، فيما هي في حقيقتها خوف من المساءلة، وضعف في القدرة على حمل تبعات القرار. كلما اقتربت طنجة من لحظة اختبار، عاد هؤلاء إلى أساليبهم الصغيرة: تلميحات، اتهامات، لعب في الهوامش، وكأن المدينة لا تستحق إلا هذا القدر من الانحدار. والانحطاط يبلغ ذروته حين تُنقل هذه الرداءة إلى خارج المدينة، إلى منابر تُستغل لتصفية الحسابات لا لخدمة المصلحة العامة. هناك فقط يتضح حجم الانهيار: أشخاص يفترض انهم جزء من بناء محلي، يتحولون إلى أدوات في معارك صغيرة لا تليق بطنجة ولا بتاريخها. لا رؤية، لا مسؤولية، ولا حتى حد أدنى من احترام اللحظة التي تمر بها البلاد وهي تعيد رسم ملامح نخبها الجديدة. القاع لا يرتفع حين يتمسّك به أهله. والذين يرفضون الارتقاء هم أنفسهم من يخافون أي ذكاء، وأي كفاءة، وأي جيل قادر على حمل المدينة إلى مستوى يليق بها. ولذلك يقاومون، لا لأن لديهم مشروعا، بل لأنهم يدركون أن أول خطوة إلى الأعلى تعني بالضرورة خروجهم من الصورة. وهذا هو جوهر الأزمة: طنجة مستعدة للصعود... لكن البعض لا يريد لها أن تغادر القاع الذي صنعوه لها. وكلما حاولت المدينة أن تتنفس، شدها هؤلاء إلى الداخل، إلى تلك الدائرة الضيقة حيث لا يسمع صوت إلا صوتهم، ولا يرى أفق إلا أفقهم المبتور. يمارسون السياسة كما لو كانت مسرحا قديما لا يتغير ديكوره، يكررون نفس الأدوار، بنفس الحركات، بنفس الأخطاء، كأنهم يصرون على أن الزمن لا يتحرك إلا في مخيلتهم. وفي اللحظات التي يفترض فيها أن ترتفع النبرة لصالح المدينة، يصمتون. وفي اللحظات التي يفترض فيها أن يصمتوا، يتحدثون بكل ما يجيدونه: التشويش، التبخيس، واصطناع البطولة في غير مكانها. يهدمون الأرض التي يقفون عليها، ثم يحتجون على سقوط المبنى. والأخطر ان هذه الممارسات لم تعد مجرد سلوكيات فردية، بل صارت ثقافة قاع يتوارثها البعض جيلا بعد جيل. ثقافة تعتبر الوساطة بديلا عن الكفاءة، والضجيج بديلا عن الحضور، والولاء للمجموعات الصغيرة بديلا عن الولاء للمدينة. ثقافة ترفض أن ترى طنجة في حجمها الحقيقي، لأنها تخشى أن ترى نفسها في حجمها الحقيقي. ووسط هذا الانحدار، تتقدم الدولة بوضوح: تدعم شبابا، تفتح المجال لوجوه جديدة، ترسل الإشارات تلو الإشارات حول ضرورة تجديد الدماء. ومع ذلك يخرج من قلب المدينة من يتصرف وكأن الرسالة ليست له، وكأن الزمن الجديد مجرد موجة عابرة، وكأن طنجة ليست سوى مساحة لتصفية الحسابات القديمة. إنهم لا يرفضون الارتقاء فقط، بل يخافونه. يخافون لحظة يصبح فيها الحديث عن المؤهلات معيارا، والإنجاز شرطا، والكفاءة مقياسا. يخافون لحظة تنطفئ فيها مصابيح الوجاهة، ويُترك كل واحد أمام حجمه الحقيقي. ولذلك يلتصقون بالقاع، يلصقون أنفسهم به، يحتمون بظلامه، لأن القاع وحده يمنحهم وهم الوزن. وهكذا تستمر طنجة في السير نحو الأمام، فيما بعض من ينتمون إلى واجهتها السياسية يسيرون في الاتجاه المعاكس. مدينة تصعد... ووجوه تهبط. مدينة تتغير... وطبقة ترفض أن تتغير. مدينة تتهيأ للعالم... وفاعلون بالكاد يفهمون حجم اللحظة. القاع ليس مكانا. القاع عقلية. وحين تتجذر العقلية، يصبح المكان كله مهددا بالانكماش. لكن طنجة، رغم كل هذا الضجيج، لا تزال تملك ما يكفي من مناعة كي تصعد. وكل ما تحتاجه... أن يبتعد أهل القاع قليلا عن الطريق.