بين طموح المجتمع المدني الذي يسابق الزمن لحماية ما تبقى من هوية مدينة طنجة، وبين برود المساطر الإدارية التي تضع ملف تصنيف عروس الشمال ضمن قائمة التراث العالمي في قاعة الانتظار منذ سنوات، عاد هذا المقترح ليشعل النقاش العمومي مجددا، دون أن يتجاوز حتى الآن عتبة التذكير الرمزي بمطالب قديمة متجددة. وقد شكل اللقاء الذي جمع، في منتصف يناير الجاري، وفدا عن مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بعمدة المدينة منير ليموري، مناسبة لإعادة طرح هذا الورش المتعثر. غير أن غياب أي إعلان رسمي عن مخرجات اللقاء، وعدم تحديد مسار زمني واضح أو التزام صريح بإعداد ملف تقني مطابق لمعايير منظمة اليونسكو، عززا الانطباع السائد بأن الملف لا يزال رهين مقاربة ترافعية لم تجد طريقها بعد إلى قرارات تنفيذية ملموسة. وفي مقابل هذا الجمود الرسمي، يعبر المجتمع المدني عن نفاد صبره تجاه تأخر الإجراءات. حيث يؤكد الدكتور سعيد شكري، الرئيس المنتخب حديثا للمرصد، أن تصنيف طنجة تراثا طبيعيا عالميا يشكل أولوية استراتيجية، معتبرا إياه المدخل الحقيقي لتوفير حماية قانونية مستدامة للرأسمال الطبيعي والتراثي للمدينة، وضمان استمرار هويتها في وجه التآكل العمراني المتسارع. وأوضح شكري في تصريحات لجريدة "طنجة 24″الالكترونية أن طرح الملف في الوقت الراهن لا يقتصر على إعادة فتح النقاش حول ورش تأخرت شروطه الإجرائية لأسباب غير واضحة، بل يمثل رغبة صادقة لتحريك المسطرة الرسمية، مع التأكيد على أن القرار النهائي يظل بيد الجهات المختصة. لكن هذه الرغبة تصطدم حتى الآن بحائط من الصمت المؤسساتي، إذ إنه منذ طرح المبادرة لأول مرة في منتصف العقد الماضي، لم يتم إدراج المدينة في اللائحة التمهيدية الوطنية، وهو ما جعل الملف يتجمد قانونيا على الرغم من حضوره الدائم في التقارير والمبادرات الموسمية. وعلى أرض الواقع، لا تبدو المؤشرات البيئية أفضل حالا من المسار الإداري. فالمعطيات التي كشف عنها المرصد تشير إلى أن المجال الغابوي الحضري وشبه الحضري في طنجة يمتد على مساحة إجمالية تقدر بحوالي 5322 هكتارا، غير أن المثير للقلق هو أن 1368 هكتارا فقط من هذه المساحة تتبع للملك الغابوي العمومي، أي ما يعادل نحو 25.7 بالمئة. أما النسبة المتبقية، فتظل خارج آليات الحماية المباشرة وتخضع لضغوط عقارية متزايدة تهدد بالقضاء على المساحات الخضراء المتبقية. وتعد غابة جبل الكبير النموذج الأبرز لهذا الاختلال الهيكلي، حيث تغطي مساحة 3468 هكتارا، لا يدخل منها سوى 684 هكتارا في نطاق الملك العمومي. ويتكرر السيناريو نفسه في غابات الرهراه وفدان الشابو، في حين تغيب الحيازة العمومية كليا في مناطق استراتيجية مثل مرقالة ومالاباطا، ما يتركها عرضة للزحف الإسمنتي. وما يزيد من تعقيد المشهد أن أجزاء واسعة من هذه المجالات الغابوية تندرج ضمن لائحة المناطق ذات الأهمية البيولوجية والإيكولوجية، مثل منطقة رأس سبارتيل وغابة بيرديكاريس، لكنها لا تزال تفتقر إلى نظام حماية قانوني فعال وخطط تدبير مصادق عليها وطنيا، وهي شروط أساسية يفرضها نظام التصنيف لدى منظمة اليونسكو. وفي ظل غياب إدماج هذه المجالات الحيوية في وثائق التعمير وتأخر عمليات التفويت إلى الوكالة الوطنية للمياه والغابات، يستمر الملف في المراوحة مكانه. وقد دفع هذا الوضع المجلس الإداري للمرصد إلى وصف ما يحدث بالتواطؤ بالصمت مع استنزاف المجال الطبيعي، محذرا من أن عدم الحسم في هذا الورش يفتح المجال أمام مواجهة مباشرة مع متطلبات الاستدامة البيئية والحق في الحياة الكريمة للسكان. وإزاء هذا المشهد المتناقض، يبرز تساؤل جوهري حول الإرادة السياسية، فبينما يستعد المجتمع المدني لتنظيم محطات ترافعية جديدة وإدراج الملف ضمن تقاريره السنوية، لا يظهر في الأفق أي أثر لإرادة مؤسساتية صلبة قادرة على إطلاق مسطرة الترشح وفق الجدولة القانونية المعمول بها دوليا، ما يضع عروس الشمال في موقع رمزي داخل الخطابات، دون ترجمة ذلك إلى واقع يحمي ذاكرتها من الاندثار.