تؤكد مجرياتُ الأحداث أن تناول الظواهر والقضايا بمنطق عزلها عن بعضها سيظل وهمًا بالنسبة لمن أسر نفسه داخل هذه المقاربة. فالفكر المركب والفكر النسقي منهجان في التحليل والفهم والتفسير، كما أنهما رؤيتان للمجتمع وللكون. إن مسلسل تفكيك الشرق الأوسط انطلق منذ زمن. ولم تكن اتفاقية كامب ديفيد، واتفاقية أوسلو، والنسخة الأولى من مشروع الشرق الأوسط الكبير، ثم النسخة المعدلة التي استقرت على إدماج الحركة الإسلامية بعد أن تضمنت النسخة الأولى المقاربة الاستئصالية، سوى محطات ضمن برنامج يقوم على ثلاثة مرتكزات: مرتكز التطبيع، ومرتكز التوجه النيوليبرالي اقتصاديًا واجتماعيًا، ومرتكز عدم المساس بمصالح الولاياتالمتحدةالأمريكية. كل ما وقع منذ هجوم ما يقرب من 35 دولة على العراق، في انتهاك صارخ للسيادة وخرق سافر للقانون الدولي وقواعده، وبروز مفهوم التدخل في السيادة، بما في ذلك التدخل العسكري تحت ذريعة la responsabilité de protéger، مرورًا بما جرى في سوريا، ثم الإبادة الجماعية في غزة، وصولًا إلى الميثاق التأسيسي ل«مجلس السلام» الذي صاغه ترامب وصودق عليه في دافوس بسويسرا، يدل على أن نظامًا عالميًا جديدًا في طور التشكل، وباتت بعض ملامحه واضحة. يتجلى ذلك في إسقاط مؤسسات دولية لتعويضها بمؤسسات جديدة، وفي السعي إلى شرق أوسط جديد يُجرَّد من مختلف أشكال المقاومة، وتُوضع ثرواته رهن إشارة ترامب، الذي يمثل عنوانًا لشعبوية صاعدة، تفاوض بمنطق الربح التجاري خارج القوانين، وتُقايض الدول الكبرى (روسيا، الصين...) على الغنيمة والنفوذ. ورغم تحركات أوروبا، ومقاطعتها لقاء دافوس، ورفضها التوقيع على الميثاق التأسيسي ل«مجلس السلام» (باستثناء المجر وبلغاريا)، فإنها تظل عاجزة عن التأثير في مجريات الأحداث. إننا بصدد عالم جديد يعيد ترتيب مواقع الفاعلين، ويصوغ خريطة وتقسيمًا جديدين. وفي هذا السياق، يتعين استيعاب طبيعة هذا الواقع بمستجداته وتعقيداته، وطرح الأسئلة اللازمة التي تفرضها المرحلة، والنبش في تضاريس وأعماق السياسة والفكر لإيجاد سبل تخطي العوائق ومأزق الإنسانية. إن العالم مُقبل على أوضاع جديدة في سياق من اللايقين، يظل فيه المستقبل مجهولًا من حيث النتائج والعواقب. فقد أضحت السياسة الدولية اليوم غير مؤطرة بالقوانين والأعراف، وتبدو الأمور وكأنها تتحرك بجنون، بفعل حماقات ترامب. هناك خطاب يتحدث عن «الفائض الجغرافي» و«الفائض الديموغرافي»، وهو ما يوحي بإزالة جغرافيات وشطب شعوب، بما يعني الدخول إلى زمن همجية جديدة تطرح أسئلة الوجود والبقاء. ولا ينبغي التقليل من تنامي خطاب الكراهية والعنصرية، ولا من تصاعد الشعبوية وصعود اليمين المتطرف، فالمؤشرات الانتخابية دالة على وجود رأي عام مؤثر في القرارات الدولية وصناعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وله أدواته وأصواته داخل البرلمانات وآلته الإعلامية. إنها مرحلة دقيقة يمر بها العالم، ولا بديل عنها: فإما طريق الديمقراطية والحرية والحقوق الإنسانية والعدالة الاجتماعية، أو طريق الهمجية والاستبداد وانتهاك السيادات والحروب، وهو ما يعني فاشية جديدة هدفها تدمير كل شيء. (*) دكتور في القانون العام والعلوم السياسية