لم يكن أخطر ما واجهته المجتمعات العربية في العقود الأخيرة هو قصور أداء بعض المسؤولين الذين اعتلوا كراسي ومناصب لا يستحقونها، ولا حتى تفشي الفساد الإداري داخل مرافق عمومية أنهكها سوء التدبير والزبونية. فذلك كله، على قسوته، كان ولا يزال خاضعًا – نظريًا على الأقل – لقوانين، ولمؤسسات رقابة، ولمبدأ المساءلة، مهما طال انتظاره. البلاء الحقيقي، الذي تسلل إلينا بهدوء، وتمدد بسرعة مذهلة، فهو ذاك الذي وُلد في الفضاء الرقمي، حيث لا قوانين واضحة، ولا حراس بوابة، ولا معايير مهنية، ولا حدود فاصلة بين من يملك المعرفة ومن يتقن فقط فن الظهور.
الفساد والعفن يتمدد من الكرسي الإداري إلى المنصة الرقمية
لسنوات طويلة، كان النقاش العمومي ينصبّ على خطورة إسناد المسؤولية إلى غير أهلها، وعلى العبث الذي يرافق احتلال بعض المناصب من طرف أشخاص يوظفونها لخدمة مصالحهم الشخصية، ويفرغونها من بعدها الأخلاقي والوظيفي. وكان الرأي السائد أن شغور بعض المناصب أو حتى إلغاؤها قد يكون أقل ضررًا من استمرار العبث بها .
غير أن أحدًا لم ينتبه، في خضم هذا النقاش، إلى أن أخطر الكراسي لم تعد تلك الموجودة داخل الإدارات، بل تلك التي أُقيمت داخل العوالم الرقمية. كراسي افتراضية، بلا تعيين رسمي، ولا مسار مهني، ولا تكوين، لكنها تمنح أصحابها سلطة رمزية هائلة، وتأثيرًا قد يفوق تأثير مؤسسات بأكملها.
المنصة المفتوحة... حين يصبح الجميع خبيرًا
فتحت مواقع التواصل الاجتماعي أبوابها على مصراعيها، دون شروط ولا ضوابط، وأصبح بإمكان أي شخص، من أي مكان، وفي أي وقت، أن يتحول فاعل عمومي.
يكفي هاتف ذكي ، حاسوب، أو طابليت...، وحساب على منصة رقمية، وكثير من الجرأة، ليبدأ عرض يومي من الآراء، والتحليلات، والفتاوى، والأحكام الجاهزة.
هكذا، وجدنا أنفسنا أمام مشهد عبثي : خطيب بلا منبر، صحفي بلا تكوين، طبيب بلا شهادة، فقيه بلا علم، باحث بلا منهج، ومحلل سياسي بلا أدنى إلمام بقواعد التحليل.
كلهم يجتمعون على منصة واحدة، ويتحدثون بالثقة نفسها، وبالنبرة ذاتها، وبالادعاء ذاته لامتلاك الحقيقة، ولغة هجينة... ومحتوى بلا جذور. لم يتوقف الأمر عند انتحال الصفات، بل تعداه إلى تشويه اللغة والمعرفة معًا. خطاب هجين، تتداخل فيه العربية بالفرنسية، وتُكتب المفاهيم بلا وعي لغوي ولا دقة دلالية، وكأن الفوضى في الشكل انعكاس طبيعي للفوضى في المضمون.
هذا المحتوى لا يسعى إلى الإقناع بالحجة، ولا إلى التنوير بالمعرفة، بل إلى لفت الانتباه، وإثارة الجدل، واحتلال المساحة الرقمية بأي ثمن.
فالمهم ليس صحة المعلومة، بل عدد المشاهدات، وليس عمق الفكرة، بل سرعة انتشارها.
الإدمان على الظهور... المرض الخفي
أخطر ما أفرزته هذه المنصات، هو إدمان الظهور والتموقع.أشخاص يتدخلون في كل شيء: في الدين، في السياسة، في الطب، في التعليم، في الأمن، في العلاقات الدولية، في الاقتصاد، وحتى في الحيوات الخاصة للناس.
لا يتركون مجالًا إلا واقتحموه، ولا قضية إلا وتصدروا الحديث فيها، وكأن الصمت صار عيبًا، والتخصص ترفًا لا لزوم له.يتحدثون بثقة مفرطة، ويطلقون أحكامًا قاطعة، ويكذّبون ويحرّمون ويحلّلون ويفتون، دون أدنى شعور بالمسؤولية، مما يضع أصحاب الاختصاص الحقيقيين في حالة ذهول وصدمة.
حين تتحول التفاهة إلى رأي عام
المقلق في هذا المشهد، ليس وجود هذه الأصوات فقط، بل حجم التفاعل الذي تحصده.مئات الآلاف، وأحيانًا الملايين، من المتابعين والمشاهدين، يمنحون لهذه الحسابات شرعية رقمية، تتحول مع الوقت إلى ضغط حقيقي على الرأي العام، بل وعلى القرار أحيانًا. وهنا يكمن الخطر: حيث تصبح التفاهة رأيًا عامًا، والسطحية مرجعًا، والادعاء بديلاً عن المعرفة.
المال... المحرك الخفي
وراء هذا الضجيج، تقف دوافع مالية واضحة.فالمنصات الرقمية تحولت إلى سوق مفتوحة، يُقاس فيها النجاح بعدد المتابعين، وتُحدد فيها القيمة بعدد الإعلانات والمشاهدات.كثيرون لم يعودوا يبحثون عن الحقيقة، بل عن (الترند). ولا عن خدمة المجتمع، بل عن رفع العائدات.
وفي حالات أخطر، تُستعمل هذه المنصات كقنوات لتلقي أموال مشبوهة، أو لخدمة أجندات معادية، تستهدف ضرب الثقة، وتسفيه كل ما هو وطني، وبث الإحباط، وزعزعة الإحساس بالأمن والاستقرار.
غياب التثقيف... أصل الداء
يتضح، مع مرور الوقت، أن أصل هذا الفساد الرقمي لا يكمن فقط في المنصات ذاتها، بل في غياب آليات التثقيف والفرز والتطهير.
غياب التربية الإعلامية، وضعف الوعي النقدي، وانعدام ثقافة التحقق، كلها عوامل جعلت المجتمع أرضًا خصبة لهذا النوع من المحتوى. حين يغيب مبدأ (وضع الشخص المناسب في المكان المناسب)، تتحول المنصات إلى مزاد علني، يتساوى فيه العالِم والجاهل، ويعلو فيه صوت من يصرخ أكثر، لا من يفكر أعمق.
وطبعا فالمسؤولية مشتركة. المسؤولية هنا جماعية. بداية بمسؤولية المؤسسات، التي تأخرت في مواكبة التحولات الرقمية، ومرورا بمسؤولية المدرسة، التي لم تُحصّن المتعلم ضد التضليل، و مسؤولية الإعلام المهني، الذي فقد جزءًا من ثقة الجمهور. ووصولا إلى مسؤولية المتلقي، الذي يمنح المشاهدة والتفاعل دون تمحيص.
فكل (إعجاب)، وكل(مشاركة)، هي تصويت ضمني على نوع المحتوى الذي نريده أن يسود.
لا أحد يدعو إلى تكميم الأفواه، ولا إلى محاربة حرية، لكن الفرق كبير بين حرية التعبير، وحرية الادعاء، وبين الرأي، وانتحال الصفة، وبين النقد، والتضليل.
ما نحتاجه اليوم، ليس منصات أكثر، بل وعيًا أعمق. وعي يميز بين المختص والدجال، بين التحليل والتهويل، بين النقد البناء والهدم المجاني.
في زمن الضجيج الرقمي، قد يكون الصمت أحيانًا أصدق من ألف منشور.وقد يكون الاعتراف بعدم المعرفة أرقى من ادعاء الإحاطة بكل شيء.
فإما أن نعيد الاعتبار للمعرفة، وإما أن نستسلم لفوضى الكراسي الوهمية، حيث يتكلم الجميع، ويضيع المعنى.
العوالم الرقمية... سلطة أجنبية بلا مفاتيح
يزداد المشهد قتامة حين نستحضر حقيقة جوهرية غالبًا ما يتم تجاهلها: أن هذه العوالم الرقمية التي نتحرك داخلها يوميًا ليست عوالمنا، ولا نمتلك مفاتيحها، ولا نتحكم في خوارزمياتها، ولا في منطق اشتغالها، ولا في سقف ما تروّجه أو تحجبه.
هي عوالم أجنبية، تُدار من خارج سياقاتنا الثقافية والتربوية والقيمية، وتشتغل وفق منطق ربحي صرف، لا يعترف بالأخلاق، ولا بالمصلحة العامة، ولا بحماية النسيج المجتمعي. منطق لا يسأل: هل هذا المحتوى نافع؟. بل يسأل فقط: هل يُشاهد؟ هل يُشارك؟ هل يُدرّ المال؟. ضمن هذا المنطق، تصبح السفاهة، والسفالة، والتفاهة، والميوعة عملة رابحة.كلما انخفض منسوب الفكر، وارتفع منسوب الإثارة، زادت فرص الانتشار، وتضاعفت العائدات.
وهكذا، تُغدق هذه المنصات على صُنّاع المحتوى الفارغ أموالًا طائلة وسلطة رقمية مؤثرة، تحوّل بعضهم، في زمن قياسي، إلى (نجوم رأي)، و(صنّاع اتجاه)، و(مرجعيات زائفة) في أعين فئات واسعة من المتلقين.
الأخطر من ذلك، أن عدم امتلاكنا لمفاتيح هذه العوالم يجعلنا في موقع المتلقي العاجز، غير القادر على تنقية محتواها، وتطهيره من هذا العفن الرقمي الذي تسلل، بهدوء وخبث، إلى عقول الأطفال والشباب، بل وحتى الكبار والشيوخ.
أطفال يتشكل وعيهم الأول عبر خوارزميات لا تعرف شيئًا عن التربية،
وشباب تُعاد هندسة ذوقهم وقيمهم وفق منطق (الترند). وكبار يجدون أنفسهم، دون وعي، منخرطين في دوامة تضليل يومي، تُلبس الرداءة ثوب الجرأة، والجهل (قناع الرأي)، والانحطاط صفة (الحرية).
في غياب سيادة رقمية حقيقية، وبدون امتلاك أدوات الضبط والتوجيه، تتحول هذه المنصات إلى مصانع لإعادة إنتاج التفاهة، وإلى قنوات فعالة لتطبيع الرداءة، وإفراغ النقاش العمومي من مضمونه، وتحويل القضايا المصيرية إلى مادة للاستهلاك السريع.
وهنا، لا يعود السؤال فقط: من يتكلم؟، بل يصبح السؤال الأعمق : من يموّل؟ من يروّج؟ من يقرر ما نراه وما لا نراه؟.
اختيار السيادة الرقمية... معركة الوعي قبل التكنولوجيا
لم تعد المعركة اليوم معركة منصات فقط، ولا صراع محتويات عابرة، بل أصبحت معركة سيادة ووعي.
فحين نتحرك داخل عوالم رقمية لا نمتلك مفاتيحها، ولا نتحكم في خوارزمياتها، ولا نشارك في صياغة منطقها، فإننا نكون ( دون أن نشعر)، موضوعًا للتأثير لا فاعلًا فيه، ومستهلِكين للخطاب لا منتجين لمعناه.
السيادة الرقمية لا تعني الانغلاق، ولا الانسحاب من الفضاء العالمي، بل تعني امتلاك الحد الأدنى من القدرة على حماية مجتمعنا من سيل التفاهة الممنهجة، ومن تحويل الرداءة إلى نموذج، والسفاهة إلى سلطة، والميوعة إلى مرجعية.
فالدولة التي تفقد السيطرة على وعي أجيالها، تفقد، تدريجيًا، قدرتها على توجيه المستقبل، مهما امتلكت من وسائل مادية أو تكنولوجية.
إن أخطر ما تفعله هذه العوالم الأجنبية، ليس فقط أنها تروّج للتفاهة، بل أنها تُعيد تشكيل الذوق العام، وتطبع الأجيال الصاعدة على الاستهلاك السريع للأفكار، وعلى الخلط بين الرأي والمعرفة، وبين الحرية والفوضى.وهنا، يصبح الصمت عن هذا النزيف الرقمي تواطؤًا غير معلن، وتأجيل المواجهة مساهمة في تعميق الأزمة ..
التربية الإعلامية: من التلقي الساذج إلى الوعي النقدي
أمام هذا الواقع، لا يكفي التنديد، ولا تجدي الرقابة وحدها، بل يصبح الحل الجذري هو التربية الإعلامية.
تربية لا تهدف إلى منع الشباب من ولوج المنصات، بل إلى تمكينهم من أدوات الفهم والفرز والنقد.
التربية الإعلامية تعني ، تعليم الأطفال والشباب كيف يميزون بين المعلومة والرأي، وكيف يتحققون من المصادر، وكيف يفهمون منطق الخوارزميات، كيف يدركون أن (الترند) ليس معيارًا للحقيقة، وأن عدد المتابعين لا يصنع المصداقية.
هي تربية على السؤال، لا على التلقّي الأعمى، وعلى الشك الإيجابي، لا على الانبهار السطحي.
إدماج التربية الإعلامية في المدرسة، وفي الأسرة، وفي الإعلام العمومي، لم يعد خيارًا ثقافيًا، بل ضرورة سيادية لحماية الأمن الفكري للمجتمع. فمجتمع يمتلك مواطنين ناقدين، واعين، محصنين ضد التضليل، هو مجتمع أقل عرضة للاختراق، وأكثر قدرة على الدفاع عن قيمه وخياراته.
في زمن الضجيج الرقمي، لا نحتاج إلى أصوات أعلى، بل إلى عقول أعمق. ولا إلى منصات أكثر، بل إلى وعي أشد . فإما أن نربح معركة الوعي، وإما أن نترك مفاتيح عقول أبنائنا في يد خوارزميات لا تعرف عن أوطاننا سوى عدد النقرات، وحجم الأرباح.