في مطلع التسعينيات، لم تكن طنجة بعدُ تلك المنصة الصناعية التي ستُعاد صياغة صورتها لاحقا مع الميناء المتوسطي ومصانع السيارات. كانت مدينةً تعيش على التجارة والعبور، حيث الصناعة الثقيلة هامشية، والكيماويات الدقيقة تكاد تكون غائبة تماماً عن الخريطة المحلية. في هذا السياق، اختارت زكية السقّاط دخول مجال لا يُغري بالمجازفة ولا يُسامح بالخطأ: الطلاء الصناعي بالمساحيق. قادمة من فاس، وبتكوين في الهندسة والكيمياء الصناعية، لم تدخل السقّاط عالم الصناعة من بوابة المقاولة العائلية ولا من شبكات النفوذ الاقتصادي، بل من مختبرات التقنية نفسها. اختيار "Powder Coatings" لم يكن خياراً تجارياً سريع العائد، بل رهاناً على قطاع وسيط، غير مرئي تقريباً، لكنه حاسم في سلاسل الإنتاج: حماية الأسطح المعدنية، إطالة عمرها، وضمان مطابقتها لمعايير صناعية صارمة. في تلك المرحلة، كان السوق المغربي محدوداً في هذا المجال، يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، وتغلب عليه تقنيات تقليدية أقل كفاءة. بناء نشاط صناعي محلي لم يكن يعني فقط إنشاء وحدة إنتاج، بل إعادة تعريف علاقة السوق بنوع جديد من المنتَج، يتطلب تغييراً في العقليات الصناعية أكثر مما يتطلب حملات تسويقية. كان على السقّاط أن تشتغل في اتجاهين متوازيين: تثبيت الموثوقية التقنية، وبناء الثقة داخل محيط صناعي لا يمنحها تلقائياً. تدريجياً، تشكّل هذا المسار داخل بنية أكثر استقراراً، انتهت إلى Poudrox Industries، الشركة التي تتولى السقّاط إدارتها العامة. لم يكن النمو قفزة مفاجئة، بل تراكم سنوات من العمل داخل مجال تُقاس فيه القرارات بالنتائج، لا بالخطاب. الاستثمار في الجودة، ضبط المعايير، والاشتغال على البحث والتطوير كانت خيارات تشغيلية قبل أن تكون شعارات. البيئة الصناعية التي تشتغل فيها السقّاط لا تسمح بالحلول الوسط. الطلاء بالمساحيق تقنية ترتبط مباشرة بالتحولات البيئية في الصناعة، لأنها تقلّص استعمال المذيبات وتحدّ من الانبعاثات. لكن هذا "البعد الأخضر" لا يُطرح هنا كلغة تسويق، بل كمعطى تقني فرض نفسه مع تطور المعايير الدولية. داخل وحدات الإنتاج، يصبح الامتثال البيئي جزءاً من منطق الاستمرارية، لا إضافة اختيارية. سنة 2017 شكّلت محطة اعتراف مهني حين نالت زكية السقّاط تتويجاً في فئة "Leader" ضمن جوائز المرأة المسيرة. لم يكن الحدث نقطة انعطاف إعلامية، ولا مدخلاً إلى سردية عامة عن "النجاح النسائي"، بل لحظة تسجيل لمسار إداري داخل قطاع صعب، حيث القيادة تُختبر في القدرة على الحفاظ على الإنتاج، إدارة المخاطر، والتعامل مع تقلبات السوق والمواد الأولية. في مشهد اقتصادي ما تزال فيه الصناعة الثقيلة مجالاً ذكورياً في بنيته اليومية، لم تبنِ السقّاط مسارها على خطاب المواجهة، بل على فرض واقع مهني لا يقبل التشكيك. حضورها داخل هذا المجال تشكّل من الداخل: من خطوط الإنتاج، من القرارات التقنية، ومن علاقة مباشرة مع السوق الصناعي. اليوم، يَرِد اسم زكية السقّاط ضمن استفتاء "شخصيات السنة" الذي تنظمه منصة طنجة 24 ، في سياق رصد فاعلين يشتغلون داخل النسيج الاقتصادي المحلي. إدراج الاسم لا يصنع القصة، بل يلتقط مساراً تشكّل على مدى سنوات، داخل صناعة لا تُكافئ إلا الصبر والدقة، ولا تمنح فرصاً ثانية لمن يخطئ الحساب.