في فضاء افتراضي تزدحم فيه المدن بالسجالات اليومية والتدفق الإخباري الآني، اختارت صفحة "J'aime Tanger" (أحب طنجة) مسارا مغايرا في الشبكة العنكبوتية، مؤسسة لسردية بصرية تنتصر للجمال والذاكرة في حاضرة البوغاز، بعيدا عن منطق التغطية الإعلامية التقليدية. وتعتبر هذه الصفحة، التي رأت النور سنة 2013، نموذجا للمنصات الرقمية التي واكبت تحول وسائط التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات للربط الشخصي إلى فضاءات لصناعة هوية المدن. وتمكنت، عبر سنوات من الاشتغال الصامت، من مراكمة قاعدة جماهيرية واسعة تناهز مئات الآلاف، مستندة في ذلك إلى لغة بصرية بحتة قوامها المشاهد البانورامية، واللقطات الليلية، وتفاصيل الحياة اليومية عند نقطة التقاء البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي. ولا تقدم "J'aime Tanger" نفسها كفاعلا إعلاميا أو منافسا للمنابر الإخبارية المحلية، إذ ينأى خطها التحريري عن الخوض في التجاذبات السياسية أو المشاكل التدبيرية للمدينة. وبدلا من ذلك، تعتمد مقاربة تقوم على "تجميد الزمن"، منتزعة اللحظة من سياقها الصاخب لتقديمها كصورة أيقونية مكتملة، وهو ما جعلها تكتسب طابعا توثيقيا يركز على الجانب المشرق والمطمئن للمدينة. ونجح هذا التوجه في استقطاب شريحة واسعة من المتابعين، لا سيما أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، والزوار السابقين للمدينة الذين يجدون في محتوى الصفحة مادة لإشباع الحنين. فالمحتوى المنشور لا يتطلب إلماما دقيقا بالتحولات الديموغرافية أو العمرانية المعقدة لطنجة، بقدر ما يخاطب الوجدان والانطباعات الأولى الراسخة في الذاكرة. وتحول هذا الحضور الافتراضي المتنامي إلى اعتراف رمزي داخل المشهد المحلي، حيث أُدرجت الصفحة ضمن فئة "سوشيال ميديا" في *مسابقة "شخصيات السنة" التي تشرف عليها منصة "طنجة 24" الاعلامية*. ويُقرأ هذا الترشيح كإقرار ضمني بتأثير الفاعلين الرقميين غير المؤسساتيين في تسويق صورة المدينة والمساهمة في إشعاعها السياحي والثقافي. وتشهد الصفحة ذروة تفاعلها تزامنا مع المناسبات الموسمية أو التقلبات المناخية التي تضفي سحرا خاصا على المدينة، مثل فترات التساقطات المطرية أو مشاهد الغروب الشتوي، لتتحول المنصة إلى ما يشبه ألبوما جماعيا للذاكرة الطنجاوية، يتقاسم فيه الرواد انطباعاتهم وتعليقاتهم. ورغم النجاح الجماهيري، يواجه هذا النموذج حدودا موضوعية، إذ يرى متابعون للشأن المحلي أن الرهان الحصري على الصورة الجمالية المعزولة عن سياقها قد يساهم في تكريس نظرة "بطاقية" (Carte postale) تختزل طنجة في مشاهد طبيعية، مغيبة بذلك الدينامية الاجتماعية والتحولات الحضرية العميقة التي تعرفها ثاني قطب اقتصادي بالمملكة. غير أن القائمين على الصفحة والمتحمسين لنموذجها يرون أن وظيفتها لا تتجاوز هذا الإطار، باعتبارها فضاء للترويج الإيجابي وتثبيت الصورة المشرقة للمدينة في المخيال الجماعي، تاركة مهام النقد والتحليل للإعلام المتخصص. وبذلك، تكرس "J'aime Tanger" نفسها كفاعلا رقميا نجح في العبور من الهامش الافتراضي ليمارس تأثيرا ناعما في تشكيل هوية طنجة البصرية في العصر الرقمي.