داخل ردهات كلية الحقوق بمدينة طنجة، حيث يمتزج صخب آلاف الطلبة بصرامة النصوص القانونيو، تبرز نماذج لا تستمد نفوذها من بريق الأضواء الإعلامية، بل من عمق الحضور المؤسساتي والقدرة على "الصمود" في بيئة أكاديمية تموج بالتحولات. وتعد الدكتورة جميلة العماري، أستاذة التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي، تجسيدا حيا لهذا النموذج؛ إذ تمثل الأكاديمي الذي انحاز إلى "المؤسسة" كخيار وجودي، مفضلة الاشتغال داخل المسالك الوعرة للجامعة العمومية المغربية، بدلا من الانخراط في سباق الشهرة الافتراضية. وعند تفكيك المسار المهني للعماري، ووضعه تحت مجهر الواقع الجامعي بالمغرب، يبرز "بروفايل" يجسد جيلا من الأكاديميين الذين تشكلوا داخل رحم الجامعة العمومية، وتشربوا تقاليدها المؤسساتية وأعرافها البيداغوجية بكل ما تحمله من تحديات. فلم يكن موقعها داخل شعبة القانون الخاص مجرد وظيفة تلقين، بل شكل ساحة للتدبير اليومي والاشتباك المباشر مع إكراهات الاكتظاظ ومطالب الإصلاح الهيكلي. ولم يكن توليها رئاسة هذه الشعبة الحيوية لأكثر من ولاية تشريفا بروتوكوليا، بقدر ما كان تمرينا قاسيا في إدارة التوازنات الحرجة؛ توازن دقيق بين ضمان السير العادي للتحصيل العلمي، وبين الاستجابة للمتطلبات الإدارية المتزايدة في مؤسسة ذات استقطاب مفتوح، حيث تتحول الإدارة، في كثير من الأحيان، إلى خلية لتدبير الأزمات بعيدا عن الأنظار. ومن الزاوية التحليلية، يثير الانتباه في شخصية العماري ذلك الانضباط البيداغوجي الصارم الذي وسم مسارها. ففي زمن يجنح فيه التعليم أحيانا نحو التبسيط المخل، آثرت هي الحفاظ على مسافة كلاسيكية مع الطلبة، قوامها الوضوح العلمي والصرامة المنهجية. قد لا يصنع هذا الأسلوب "شعبية" جارفة بمعايير الاستهلاك الآني، لكنه يبني ما هو أثمن وأبقى: "المصداقية". فحضورها داخل المدرجات لم يتسم بالاستعراض، بل كان تأسيسا لقواعد معرفية متينة، مما جعل اسمها يقترن في ذاكرة أجيال من الخريجين بصورة الأستاذة التي لا تساوم في المعايير الأكاديمية، مانحا إياها رصيدا رمزيا يفوق في قيمته أي شهرة عابرة. وحتى حينما لامست جميلة العماري دوائر العمل السياسي، بدت تلك التجربة وكأنها فاصل موجز في نص طويل، أو انعطافة لم تمس جوهر تكوينها الأصلي. حيث لم تسمح للسياسة بابتلاع هويتها الأكاديمية، ولم تتخذ من الجامعة منصة للوثوب نحو المناصب العامة. وعودتها الكلية إلى رحاب الحرم الجامعي، وانكفاؤها على تدبير الشأن العلمي، يقرأ كرسالة ضمنية مفادها أن التأثير الحقيقي يكمن في التراكم المؤسساتي، لا في المناورات الظرفية. هذا الزهد في تحويل الرصيد المعرفي إلى مكاسب سياسية عزز مكانتها بوصفها "تكنوقراط" أكاديميا مخلصا لمهنته. واليوم، حين يدرج اسم جميلة العماري ضمن قائمة المرشحين للقب "شخصية السنة" في استفتاء منصة "طنجة 24"، فإن هذا الترشيح يحمل دلالات سوسيولوجية تتخطى الشخص ذاته. إنه مؤشر دال على تحول هادئ في المزاج العام وفي معايير التقييم المجتمعي بمدينة طنجة. فأن تتجه الأنظار صوب سيدة تعمل في الظل، تدير الملفات الشائكة وتدرس القانون، في وقت تهيمن فيه ثقافة "الإثارة" والمؤثرين الرقميين، يعد بمثابة رد اعتبار لقيم العمل "الصامت". إنه اعتراف بأن البطولة ليست صخبا دائما، وأن المساهمة في تنمية الحاضرة قد تأتي من خلف مكاتب الكليات ومدرجاتها، وليس حصرا من منصات المهرجانات. في المحصلة، لا تقدم جميلة العماري نفسها كقائدة رأي بالمفهوم الحديث، ولا تسعى لتصدر المشهد. إنها، بلغة التحليل الموضوعي، تمثل "قوة الاستمرار"؛ تلك القوة الهادئة التي تضمن وقوف المؤسسات حينما تتغير الظروف. إنها قصة نجاح تكتب بلغة القانون والالتزام الوظيفي، لتذكرنا بأن أعمدة المجتمع الأكثر رسوخا هي غالبا تلك التي لا نلحظها كثيرا في الصور، لكننا نستند إليها دائما.