بالمدرج الكبير بكلية الحقوق بطنجة، ثمة صمت من نوع خاص يسبق الكلمة. هنا، لا تحتاج الدكتورة سعاد حميدي إلى منصات الخطابة المرتفعة كي تستقطب الانتباه؛ فإيقاعها يفرضه حضور يمزج بين برودة القانون الجنائي ودفء الرسالة البيداغوجية. هي لا تُلقي محاضراتها كمن يسرد نصوصا مقدسة، بل كمن يفكك لغما اجتماعيا بحذر شديد، حيث كل فاصلة قانونية تزن بميزان الحريات والأرواح. وفي مسار الدكتورة حميدي، المنتمية لجامعة عبد المالك السعدي، يبدو القانون الجنائي "كائنا حيا" يخرج من أغلفة الكتب ليواجه تعقيدات الشارع المغربي. وبينما يغرق الكثير من الأكاديميين في "ميتافيزيقيا" النصوص، اختارت هي أن تكون "محامية النص" في محكمة الواقع. فبالنسبة لها، الجريمة ليست مجرد ركن مادي ومعنوي، بل هي صرخة خلل في البناء الاجتماعي، وضمانات المحاكمة العادلة ليست مجرد مسطرة، بل هي الحصن الأخير الذي يفصل بين العدالة والانتقام. هذا الانغماس في اليومي هو ما جعل اسمها يتردد في المحافل المدنية والحقوقية بالمدينة. فهي لا تتحدث لغة "الفقهاء" المتعالية، بل تمارس نوعا من "الديمقراطية المعرفية"؛ تشرح تعقيدات المسطرة الجنائية للمواطن البسيط بذات الدقة التي تحاور بها القضاة والمحامين. وفي فلسفتها، الوعي بالحق ليس "ترفا فكريا"، بل هو السلاح الأول لمنع الشطط، وهي مهمة تبدو في نظرها أسمى من مجرد إلقاء الدروس. لكن، وخلف هذا الهدوء الأكاديمي، تكمن روح نقدية لا تهادن. ففي كتاباتها، تبحث حميدي دائما عن تلك "المنطقة الرمادية" حيث يلتبس النص بالتطبيق. فهي لا تنحاز للخطابات الصدامية الصاخبة التي تملأ الفضاء الرقمي، بل تختار "الانحياز لبطء القانون"؛ ذاك الإيقاع المتأني الذي يزن الكلمات قبل أن تتحول إلى أحكام قطعية. وفي زمن الأحكام الجاهزة على منصات التواصل، تبدو الدكتورة حميدي كمن يسبح عكس التيار، مدافعة عن قرينة البراءة واستقلال القضاء باعتبارهما ثوابت لا تقبل التفاوض. ولم يكن بروز اسمها في استفتاء "شخصية السنة" ل "طنجة 24" مفاجأة للمتابعين، بقدر ما كان "إدانة غير مباشرة" لثقافة الاستعراض. فوصول أستاذة قانون إلى مراتب متقدمة في استطلاع شعبي، في مدينة تغلي بالتحولات الاقتصادية، يعني أن الجمهور بدأ يدرك قيمة "الصوت الرصين". ولم تسعَ حميدي يوماً لصناعة "هالة" حول شخصها، بل تركت أثرها يتراكم ببطء، تماما كما يتراكم الاجتهاد القضائي ليبني صرح العدالة. وتنتمي سعاد حميدي إلى ذلك الرعيل الجديد من الأكاديميين المغاربة الذين لا يرون في الجامعة نهاية المطاف، بل منطلقا لتحديث العقل الجمعي. فهي تراهن على "هندسة الحوار" بين النص والمجتمع، وفي مدينة مثل طنجة، التي تشهد تحولات عميقة، يبرز صوتها كضرورة أخلاقية قبل أن يكون ضرورة قانونية. هي لا تبيع الأوهام، بل تمنح طلبتها والمجتمع الأدوات اللازمة لفهم كيف تدار العدالة في كواليس النص الصارم. ببساطة، الدتورة سعاد حميدي ليست مجرد اسم في لائحة الأساتذة؛ إنها "الأثر الهادئ" الذي يبقى بعد انفضاض الجمع، والبرهان الحي على أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى حجة محكمة وضمير مهني لا يعرف الانحناء.