دكار توضح حقيقة وجود مهاجرين سنغاليين عالقين بالصحراء المغربية    "حماس" تراجع إستراتيجية التفاوض بعد رفض إسرائيل مقترح الوسطاء    مبابي يعلنها رسميا ويصدم ماكرون.. وداعا باريس سان جيرمان    الشبيبة التجمعية بطنجة تلامس منجزات وتحديات الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة    بهدف تأهيله لاستقبال 4.4 ملايين مسافر .. هذه تفاصيل مشروع توسيع مطار طنجة    المنتخب الوطني يدك شباك نظيره الجزائري    هل تحتاج الجزائر إلى المغرب لتطوير اقتصادها؟    "طاس" ترفض الطلب الاستعجالي للاتحاد الجزائري لكرة القدم    وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تعلن عن حصيلة جديدة للإصابات بكوفيد-19    المغرب..بلد عريق لا يبالي بالاستفزازات الرخيصة    ثنائية الكعبي تقود أولمبياكوس إلى نهائي "كونفرنس ليغ"    توقع تسجيل هبات رياح قوية نوعا ما فوق منطقة طنجة    أمن طنجة يوقف خمسة أشخاص ينشطون ضمن عصابة إجرامية لترويج المخدرات والمؤثرات العقلية    الدراسة الطبوغرافية لأنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا تترجم فلسفة إفريقيا للأفارقة    الأمثال العامية بتطوان... (595)    قرار أمريكي يستهدف صادرات المغرب    امرأة مسنة تضع حدا لحياتها شنقا بالجديدة    نائب البكوري يعترف بالنصب ويتخلص من علبة أسراره بإسبانيا بتكسير هاتفه الشخصي    المالكي: لا ينبغي التسرع في إصدار الأحكام بشأن إصلاح التعليم    الأمم المتحدة تتبنى قرارا يدعم طلب العضوية الكاملة لفلسطين    المغرب يعلن حزمة جديدة من مشاريع الترميم والإعمار في المدينة المقدسة    وزارة الحج والعمرة السعودية تعلن عدم السماح بدخول المشاعر المقدسة لغير حاملي بطاقة "نسك"    البحرية الملكية تعترض مهاجرين سريين جنوب غرب طانطان    شفشاون على موعد مع النسخة الثانية من المهرجان الدولي لفن الطبخ المتوسطي    الاستعداد لأولمبياد باريس 2024 .. بنموسى يترأس جلسة عمل مع اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية    بعد أن أفرغت الحكومة 55 اجتماعا تنسيقيا ومحضر الاتفاق الموقع بين الوزارة والنقابات من محتواها    مزور: الاتفاقية مع شركة (أوراكل) تعزز مكانة المغرب باعتباره قطبا للتكنولوجيات الرقمية    بتعليمات ملكية.. تنظيم حفل استقبال أعضاء البعثة الصحية لحج موسم 1445 ه    نقابة "البيجيدي": آن الأوان لإيقاف التطبيع وإغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط    القطاع السياحي يسجل رقما قياسيا تجاوز 1.3 مليون سائح خلال أبريل الماضي        غوتيريش يحذر من أن هجوما بريا إسرائيليا على رفح سيؤدي إلى "كارثة إنسانية"    تنديد حقوقي بالحكم الصادر بحق الحيرش ومطالب بإطلاق سراحه واحترام حرية التعبير    بيع كتب ألفت عبر "تشات جي بي تي"… ظاهرة في "أمازون" تتيح تحقيق أرباح عالية    2900 مظاهرة بالمغرب دعما لفلسطين    تأشيرة الخليج الموحدة تدخل حيز التنفيذ مطلع 2025    نقابة تنبه لوجود شبهات فساد بالمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير    قرار جديد من القضاء المصري في قضية اعتداء الشحات على الشيبي    إحداث منصة رقمية لتلقي طلبات الحصول على "بطاقة شخص في وضعية إعاقة"    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولات الجمعة على وقع الارتفاع    أخصائية التغذية ل"رسالة24″… أسباب عديدة يمكن أن تؤدي لتسمم الغذائي    أزْهَر المُعْجم على يَد أبي العزْم!    هل يجوز الاقتراض لاقتناء أضحية العيد؟.. بنحمزة يجيب    المدرب المخضرم بيليغريني يحسم الجدل حول مستقبل المغربي الزلزولي    خبير في النظم الصحية يحسم الجدل حول لقاح أسترازينيكا    معرض تلاميذي يحاكي أعمال رواد مغاربة    هل باتت إمدادات القمح بالعالم مهددة؟    الدمليج يقدم "بوريوس" في المهرجان الوطني الرابع لهواة المسرح بمراكش    الحسين حنين رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام: يتعهد بالدفاع عن المهنيين وتعزيز الإنتاج الوطني    المعرض الدولي للأركان في دورته الثالثة يفتتح فعالياته وسط موجة غلاء زيته واحتكار المنتوج    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية مقابل الدرهم    سابقة بالمغرب .. حكم قضائي يلزم الدولة بتعويض متضررة من لقاح كورونا    النادي الثقافي ينظم ورشة في الكتابة القصصية بثانوية الشريف الرضي الإعدادية/ عرباوة    أصالة نصري تنفي الشائعات    ندوة دولية حول السيرة النبوية برحاب كلية الآداب ببنمسيك    بركان تؤمن بالحظوظ في "كأس الكاف" .. ورئيس الزمالك يؤكد صعوبة المقابلة    السعودية تختار المغرب باعتباره الدولة العربية الوحيدة في مبادرة "الطريق إلى مكة المكرمة"    سبع دول من ضمنها المغرب تنخرط في مبادرة "طريق مكة" خدمة لضيوف الرحمن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الكائنات الإنتخابوية ...
نشر في شبكة طنجة الإخبارية يوم 01 - 06 - 2009

الهدف من وجود المجالس التشريعية في بلد ما، هو تمثيل وخدمة المجتمع، وتبني قضاياه وطرحها على الحكومة، والضغط عليها والبحث عن الحلول المخففة من معاناة الناخبين، فكلما زادت مشاكل المجتمع ومحنه الاجتماعية والاقتصادية، إلا وكانت دافعا قويا لإحتدام الحراك داخل الركح السياسي، ينقله البرلمانيون إلى الحكومة بما يملكون من أدوات مكفولة دستوريا كالمحاسبة والمراقبة واستجواب الحكومة بكل دواليبها لما فيه المصلحة العامة للوطن.البرلمانيون إذن هم أشخاص ينتخبهم الشعب للنيابة عنه في كافة المحافل والمجالس والمنتديات، حسب وظائف محددة، منصوص عليها في دستور البلاد، وقوانينها المنظمة لعمل ممثلي الأمة في الهيئات والمؤسسات العامة، انتخبوهم ليكونوا عينه التي تراقب بها، ولسانه الذي تتكلم به ، ويده التي ترفعها مؤيدا أو معارضا، وأذنه التي ينبغي أن تصغي بها للصواب بدل المهاترات، و قدمه التي تمشي بها إما ناصرا لحق أو زاهقا لباطل، أو تتحرك بها لتستخدم نفوذك وموقعك فتتوسط للمجرمين واللصوص ومخالفي القانون.
لكن أبشع ما في بعض نوابنا، أنهم لم يحاولوا يوما تصحيح فهم دورهم الذي ربما فهموه على انه هو كيف يستطيعون الحصول على القدر الأكبر من الغنائم، وتحقيق المزيد من المصالح الخاصة لهم ولدويهم و لأقربائهم؟ ونسوا أو تناسوا ما حدده الدستور من واجبات و وظائف أنيطت بهم كمنتخبين، والمختزلة في ثلاث مسؤوليات رئيسية وهي :
أولا: سن القوانين والتشريعات الجديدة أو تعديل المعمول بها والذي أصبح لا يحقق المصلحة المواطن، ولا يتماشى مع متطلبات الحياة وتطورات الزمن الذي نعيشه، بما يؤدي إلى المزيد من الحقوق والحريات لأفراد الشعب، ولا يحد أو ينتقص منها.
وثانيا: الرقابة على الأجهزة التنفيذية للتأكد من أنها تعمل وفقا لتلك التشريعات والقوانين والخطط العامة الموضوعة للدولة ولا تحيد عنها
وثالثا: فحص ومتابعة شكاوى المواطنين التي ترد على النائب البرلماني، والعمل على وضع الحلول لتلك الشكاوى وفقا للقوانين السارية، ;شريطة أن لا يؤدي تلبية مطالب بعض المواطنين إلى إلحاق الضرر بالمصلحة العامة لمجموع أفراد المجتمع. ولأجل ذلك يتمتعون بالحصانة البرلمانية لضمان الحماية أثناء التعبير عن آرائهم بحرية، وانتقاد الحكومة وكل من يتحمل نصيبا من المسؤولية في البلاد، مهما سما المنصب الذي يحتله، وفتح جميع الملفات مهما بلغت درجة حساسيتها..
فهل يقوم نواب الشعب بما يلبي تلك المسؤوليات الموكولة لهم، والمتعارف عليها في كل قوانين الدنيا وتستخدم من أجلها الحصانة؟.
مع الأسف هذه العلاقة غائبة في واقعنا السياسي المغربي، وهي معكوسة تماما، لأن بعض برلمانيينا الآتين من الأحزاب الصغيرة والكبيرة على حد سواء، اليسارية منها و اليمينية، الاسلامية أوالليبرالية، وحتى التي في منزلة بين المنازل، لا يقدرون تلك المسؤولية حق قدرها بإستعمالهم الحصانة في غير محلها، فعوض أن تكون حصنا للنواب كي يقوموا بواجبهم في خدمة الشعب، فبعضهم يفعل العكس، و"يخدم" الشعب بطريقة أخرى.
وعوض أن يستغلوا الحصانة التي يتمتعون بها من أجل محاربة الظلم والفساد، يتخذونها كقناع يختفون تحته لممارسة نزواتهم المصلحية في واضحة النهار، فلا يضعون حماية الإنسان وتحسين أوضاعه غاية، ولا تحركهم معاناة وعذابات الناس مع الغلاء الفاحش، والفقر المدقع، والجهل المقيث، والتهميش والإقصاء، ولا تؤرقهم حماية الإنسان وتحسين أوضاعه بقدر ما تحركهم الدوافع المصلحية الصرفة. فالمواقع عندهم أهم بكثير من لقمة عيش المواطنين وأمنهم وصحتهم وكرامتهم. لذلك لا نلاحظ إلا الركود ونوم أهل الكهف يعم جل معاقل الأحزاب وبرلمانييها كلما تعلق الأمر بمعاناة أبناء هذا الشعب، لأن بعضهم يعتقد ان دوره وواجبه تجاه ناخبيه لا يتعدى رعاية بعض فرق كرة القدم، أو رعاية دورة إسعاف، أوإعدار إطفال، أو رعاية طبق خير وانتهى الموضوع..
والبعض الآخرمنهم لا شغل لهم ولا مشغلة سوى اصدار تصريحات تحكي الانجازات الخرافية، وتروي للعالمين الفتوحات الدنكيشوطية، في كل مكان حتى في بيوت الله، وكأن الناخبين لا عقول لهم تفهم ولا اسماع لهم تسمع ولا عيون تراقب وتحاسب والبعض من النواب تفرغوا لمهاجمة غيرهم من النواب حتى بلغ الغرور ببعضهم اصدار قرارات وأحكام حول ما يجوز وما لا يجوز للنواب الآخرين التحدث فيه.
وكأنهم أوصياء على النواب وليس مجرد نواب مثلهم والبعض الآخر لا يعرف من العمل التمثيلي سوى متابعة الفضائيات وتسجيل الملاحظات حول ما يسمونه خلاعه ودلاعه ويرصدون جميع القنوات ويراقبون كل الفضائيات ويقضون الساعات الطوال أمام الشاشة الصغيرة ليخرجوا في النهاية بحصيلة طويلة عريضة حول الاغاني والمسلسلات والمنوعات وحتى ستار اكاديمي الذي يتابعونه بدقة دقيقة ليقولوا في النهاية لناخبيهم حرام ما يجري في التلفزات. هكذا قتلنا بعضهم ضجرا، وخابت آمالنا في الكثيرمنهم.. لم نصوت لهم ربما.. لم نؤمن بهم..
ربما أيضا ولكننا حتما استيقظنا ذات صباح ندي لنجدهم هناك خلف المقاعد الوثيرة يشمرون عن سواعدهم لا دفاعا عن مصالحنا او مصالح بعضنا، وإنما ليمارسون الاحتراف السياسي أحيانا بخبث شديد وتارة بغباء اشد.
أغرب سلوكات بعض برلمانيينا، والتي تدفعنا لأن نفقد الذرة الأخيرة المتبقية من المنطق ومن العقل ومن القيم ومن المبادئ.. هو أن أكثرية حراكهم المسعور، وتباكيهم المفضوح لايبدأ، إلا إذا إقتربت مواعيد الانتخابات، أو مست مصالحهم الشخصية، وهددت مكتسباتهم الآنية، كظاهرة الترحال الحزبي التي عادا لتفجر النقاش مرة أخرى داخل المشهد الحزبي المغربي، خاصة بعد ما شكله حزب عالي الهمة «الأصالة والمعاصرة» من اكتساح لممثلي العديد من الأحزاب داخل قبة البرلمان، سواء بمجلس النواب أو المستشارين، والتي هب لها أكثرية النواب من بياتهم الطويل، وغيابهم المتكرر، ليدافعوا عن "قليت الفيستة" الذي اعتبروه حق مكتسب هدد الهمة باسقاط الحكومة من أجله، إلى جانب ما يتمسك به غيره من المكتسبات المادية منها والبريستيجية.. كما وقع مؤخرا حيث صوت المستشارون المحترمون في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بالإجماع لصالح إسقاط المتابعة عن زميل لهم المنتمي لحزب الإستقلال والمتابع في قضية فساد مالي لا علاقة لها بالسياسة أو المعارضة البرلمانية،.
ويكفي أن نعرف أن هناك حوالي مائة وثمانين طلبا تقدم بها برلمانيون من مختلف الأحزاب والفرق البرلمانية إلى لجنة العدل والتشريع لإسقاط المتابعة ضدهم في قضايا مختلفة ليست لإحداها علاقة بعملهم النيابي. يعني قضايا تتعلق بالشيك بدون رصيد وباستغلال النفوذ والفساد الأخلاقي وغيره من الجرائم والمخالفات التي لا تعفي أصحابها من المتابعة ولو بوجود حصانة برلمانية. ومن غرائب مجلس المستشارين، أن هذه هي المرة الأولى التي يصادق فيها المستشارون على نقطة واحدة وبالإجماع التام! وليست هذه هي النازلة الوحيدة التي يبلي فيها نوابنا البلاء الحسن، فقد سبق قبل شهور، للبرلمانين أن فجروها بركان غضبهم العارم في قبة البرلمان المغربي بمجلسيه وبصوت واحد رافضين الزيادة التي مست ثمن وجبتهم داخل مطعم البرلمان، فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وناضلوا نضال الاشاوس، بكل الوسائل من اجل تخفيض ثمن وجبتهم داخل مطعم البرلمان من 70 درهم إلى 60درهم. وبما أن الضغط يولد الانفجار فقد اضطر رئيس البرلمان المغربي مصطفى المنصوري اصدار أمره بتخفيض تمن وجبة البرلمانيين. وقد انتفظ كذلك نواب الأمة قبل ذلك للمطالبة بالزيادة في رواتبهم وتحسين تقاعدهم، قد تحقق لهم ذالك بسرعة البرق دون الإكترات للظروف والاكراهات الاقاصادية للبلاد التي يتحججون بها كلما تعلق الأمر بتحسين أوضاع المواطنين.
فيا ليت نوانبنا الكرام يتذكرا أن أنامل الناخبين هي التي وضعت علامة x على أسمائهم، كي يقفوا في هذا المكان الحساس، وكأن حال الناخب يقول: رجاء أيها النواب الاعزاء اعتنوا كثيرا، فهو الحق الذي منحه الدستور لي كي أختار من يمثلني، وتذكروا أن الإنتخابات على الأبواب، وأنني أنا الناخب صاحب علامة x تمكنك المنصب والمكان الذي تصول فيه وتجول..
فأحوال الشعب ومعاناته لا تخطر لبعضكم على بال إلا إذا أصبحت الإنتخابات قاب قوصين أو أدنى، فهاك يا الخطب العنترية، وهاك يا الشعارات الفضفاضة، وهاك يالوعود البراقة العرقوبية، وهاك يا الحلول السحرية لكل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية وحتى النفسية.
إنها قضية شائكة، بل هي معضلة المعضلات التي تتطلب جرأة النقاش وفتح الملفات. لأن التجربة الانتخابية الأخيرة مع الأسف الشديد لم تُظهر أي اختلاف أو تميز بين جل الذين خاضوا غمارها، إذ لم يتميز خلالها التقدمي عن المحافظ، العلماني عن الإسلامي، ولا اللبرالي عن الاشتراكي، فقد وقفت جل الأطياف المتنافسة بكل مشاربها المتنوعة وايديولوجياتها المختلفة في منطقة الظل أو ما يسمى بالمنطقة الرمادية، أي بلا لون وبلا طعم وبلا موقف، ونسي أغلبهم كل مبادئه الإيديولوجية والأخلاقية و حتى الدينية وتعاليمها التي اعتادوا الصياح بها كلما اعتلوا منصة أو أمسكوا بمكرفون.
لن تخرج الانتخابات هذه المرة كما في كل مرة عن إطار الرؤى والأفكار العامة الفضفاضة المتشابهة والمتطابقة والمشتركة بين المرشحين برغم تعدد الانتماءات وتنوع المشارب. فالكل يطرح نفس العناوين العامة والأرقام الفضفاضة الخيالية، ويبحث عما هو متطابق فيه مع غيره حتى غدا الجميع متطابقا مستنسخا، فيما الأصل في العملية التعدد والتنوع والاختلاف والتجدد الذي من أجله شرعت الانتخابات لتغيير الوجوه والطاقات كل خمس سنوات. لا أدري لماذا يخيفنا التجديد والاختلاف والتنوع إلى هذا الحد-أم أن في القضية إنة- فبدون اختلاف لن يكون هناك تغيير، ومن دونه لن نتمكن من خلق أ وإبداع أو ابتكار، و سيبقى الحال على ما هو عليه، وسنظل في صراخ الضفادع المؤدي إلى الوهم لا الحقيقة وإلى الخيال لا الواقع.
وهذا في حد ذاته وجه من أوجه الانحراف الخطيرة، الذي يستدعي إجتراح آليات تفرض من خلالها رقابة شعبية دائمة، تحول دون وقوع النائب البرلماني في مستنقع الانحراف من اجل مصلحة شخصية أو حزبية ضيقة، خاصة أن التجربة العملية أثبتت أن هناك قابلية كبيرة أن يتورط العضو المنتخب في بؤرة الفساد، فهو من البشر، والبشر غير معصومين من الوقوع في الخطأ، وفي أحيان كثيرة تكون تلك الأخطاء فادحة ونتائجها كبيرة ووخيمة في حق المجتمع بأكمله..
ومهما استغبى المنتخبون العوام والبسطاء بالخطب الرنانة والكلام المعسول، ومهما استثمروا الدين والمقدسات، ووظفوا التبريرات وحشدوا الأعذار، فلن يكون بمقدورهم إخفاء هوياتهم واجنداتهم الحقيقية طويلا، فهم معرضون اليوم أكثر من أي وقت مضى، وخاصة في حال ركونهم إلى حالهم الراهنة، واطمئنانهم إلى أدائهم المستفز بغيابهم عن الحضور الفاعل في حياة المواطن المغربي ومساندته في نظاله من اجل الخبز والكرامة، نعم هم معرضون إلى التحول إلى واقع أكثر هشاشة وهامشية مما هم عليه اليوم، خصوصا إذا قورن أداؤهم، بتدخلات الملك محمد السادس ومنجزاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تجاوزت بكثير سرعة حركاتهم السلحفائية، وقد كان من المفروض أن يكونوا في مقدمة تلك الإنتفاضات والتظاهرات التنموية، أو على الأقل في موازاتها، يكشفون مواطن الخلل، ويقدمون الاقتراحات، ويفتحون النقاشات المتنوعة للمساهمة في التنمية والتجديد والتطوير الذي يرومه ملك البلاد ويعمل من إجله، ويفرضه الدستورية كواجبات مطلوبة، بل واجب على ممثلي الشعب الوفاء بها تجاه من انتخبهم، خاصة أن طموحات المغاربة ليست صعبة المنال ولا تشكل إعجازا لهم مطلقا.
فهي طموحات بسيطة لشعب بسيط لا يريد إلا السكينة والاستقرار، وأن يذهب الأطفال إلى المدرسة لتحصيل العلم والمعرفة، وأن يجدوا بها الرعاية والمعرفة والفرح والسرور، بعيدا عن الخوف والجوع والمرض. شعب لا يبحث عن عيش الأستقراطية والبذخ و الإسراف، كل ما يبغيه ويهمه هو الكفاف والعفاف والغنى عن الانتهازيين المصلحيين في كل ما يتعلق بقضاياه المعيشية والحياة. فالربيع الذي يحلم به المغربي، بسيط جدا ويختزله في مدخول معيشي كريم يتناسب والسياسة السعرية المتصاعدة للسلع والخدمات، وأمن وأمان، ومواطنة متساوية ترسي قيم الحق والعدالة والحقوق، وتنشر قانون الخير والصلاح، وتحترم تعاليم السماء، وتعاقب المذنب والفاسد و تبرئ البريء.
فكيف ستشرح أيها المنتخب الكريم لناخبيك سبب تلك المواقف السلبية التي واجهت بها المسيرات الإحتجاجية السلمية ضد التهميش وغلاء المعيشة كتلك التي حدثت في صفرو وأكنفو، خنيفرة، وسيدي إفني، وقد وعدتهم إن وصلت للبرلمان فسوف تحقق لهم الكثير، وتنجز ما لم ينجزه الآخرون، ولكننا لا نرى منك سوى صوت الزمهرير، وليس لديك همة وطنية بها تطير، بل أصبحت للتنمية طاردا، تخرب باسم الإصلاح، ولمصالحك أصبحت معارضا خطيرا، تتلاسن مع زملائك مثل تلاسن الفرزدق وجرير. فهل بمثل تلك المواقف العدمية أن تثمر حلولا ناجعة لمشاكل البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ أم أنك أصبت بزهيمر سياسي حتى نسيت أوتناسيت أنك طعنت ناخبيك حتى النخاع بوقوفك في صف المتفرجين على محنهم، أم هو الابتذال السياسي والفكري والتدهور الأخلاقي في المواقف تجاه من وضعوا كل الثقة فيك.
وما أظن أن أكثرية هذه الكائنات الإنتخابوية التي لا تنتعش إلا بهواء الانتهازية، ولا تحركها إلا الامتيازات والمصالح، أن تقنع أيا كان من المواطنين ليتعاطف معها بعد أن خدلته في قوت يومه وكرامته، وتخليت عنه وعليه في أحرج المواقف والظروف، وكما يقول المثل الدارجي " اللي بغى الجراب يصاحبو في الليالي" وبمعنى آخرص "الصيف ضيعت اللبن".
مخطئ من يظن أن حزب العدالة والتنمية هو أقوى حزب في المغرب، ومخطئ أكثر من يحسب أن حزب الاستقلال أو الاتحاد الاشتراكي أو غيرهما من الأحزاب التي شاركت في الانتخابات الأخيرة والتي بلغ عددها الثلاثة والثلاثون حزبا، هي أحزاب قادرة على قلب الطاولة في وجه صناع القرار، أوبلوغ الريادة في قلوب الناس. فأكبر حزب وأخطره في البلاد هو حزب الصامتين الذين شكلوا في تشريعيات 7 شتنبر نسبة الثلثين، والذين لقنوا كل الأحزاب التقليدية والحداثية بكل مرجعياتها تلك النتيجة النكراء والتي كانت بمتابة إنذا وتحذير.
صحيح أن الصمت سلوك سلبي خطير، ولكن الأشد خطورة منه، هو أن يستمرء الصامتون هذا الوضع وتتحول أكثريتهم إلى متفرجين على ما يدور حولهم بحجة تمضية الوقت والتسلية بسقطات وهفوات هاته الأحزاب التي تقول ما لا تفعل. فالصامتون بذلك يتسلّون بمصيرهم ويضحكون على أنفسهم، ما دام مالئوا الفراغ هم الذين سيتحكمون في رقابهم كلما تمادوا في صمتهم المقيت..
لكن حزب الصامتين رغم بساطة مكوناته، ليس كما يظن سياسيونا أن غالبية منخرطيه صم بكم عمي أمام ما يجري من دحرجة عنيفة للبلاد نحو الهاوية. إنه حزب أتقن مهنة الصمت دون أن يضيع حواسه الخمس، فهو لم يصب بالعمى كما يتمنى له البعض، إنما أغمض عينيه حتى لا يرى ما يدور حواليه من تلون للمرشحين بين استحقاق وآخر،. صم آذانه كي لا يسمع الأصوات النكراء التي غطت دورات المجالس بما لا تشتهيه طبلات آذانه من الأكاذيب والوعود والترهات، زكم أنفه حتى لا يشم رائحة العفن المنبعثة من إبط منتخب ثقيل الظل، منتفخ البطن، لا يظهر إلا في زمن الحملات القصيرة غير آبه للكوارث المحدقة بالوطن والمواطنين.لم يصب بالبكم، لكنه اغلق فمه حتى لا يصرد جرد حساب ومساءلة لبعض النواب حول أدائهم ومواقفهم و اسلوب عملهم، وخاصة حينما يتعلق الأمر بانسلاخ بعضهم عن ماضيهم المفعم بأفكار التغيير والعدالة والتقدم، و انتسابهم إلى واقع جديد وتنكرهم فيه لكل ما بشروا به اثتاء الحملات الانتخابية.
إن انتقام حزب الصامتين -الضعيف/ القوي- قد يتضاعف في الانتخابات القادمة إن لم يحسن استغلاله وتوظيفه في إطارالواقع والمستقبل، ويستثمر ضعفه القوي لسد الفراغ الذي تستغله التشكيلات السياسية التي تملأ بخوائها كل الفراغات التي يتركها الصامتون بصمتهم، والتي لن تجد بعدها مكانا لها تمارس فيه سياستها التي لا تمارس عادة إلا في حالات الصمت وحالات الفراغ...
لهذا علينا أن نُدرك جيدا أنّ ترك هذا الحزب الصامت تتقاذفه الأيدي وتتلاعب به الأهواء قد ينذر بكوارث اجتماعية مدمّرة، تفتح الباب أمام فتن داخلية تتعدد فيها المرجعيات المُتعصبة لأهوائها داخل المجتمع، فيتحول هذا الثراء وهذا الزخم الذي يتميز به الشعب المغربي إلى تسليم بما هو قائم بصفته المنجز النهائي المثالي الذي لا يمس، والذي لا يمكن الحلم بتغييره نحو الأحسن، مما يغذي شكلا من أشكال الاستسلام.
ويأتي ذلك على النقيض من رغبة الكثير من المفكرين والمثقفين التقدميين – الصامتين- في التسلح بالحاسة النقدية والانحياز للعمل في سبيل التغيير نحو الأحسن وعدم الاستكانة للأوضاع القائمة مهما بدا الطريق مسدودا؟ فهل لنا أن نتوصل إلى طرق ناجعة تخرج الغالبية منا من صمتها السلبي، وسلبيتها الصامتة، فلسنا أقل من بلدان ومجتمعات وصلت إلى تحقيق اشراك كل مواطنيها لحل مشاكلهم وبناء مستقبلهم وتحسين أحوالهم بأقل جهد ووقت.
ولاشك أنه لدينا آراءا وأفكارا وقوانين وأحزابا وبرلمانيين مواطنين، فقط حاجتنا إلى إخلاص النوايا ونقاوة الضمائر، ومخافة الله الذي سيحاسبنا على أفعالنا واتجاهاتنا ومكنونات سرائرنا قبل ظواهرها. فمتى يراجع الصامتون قناعاتهم وأفكارهم ومواقفهم، ويجروا عليها تعديلات و تدقيقات و تصحيحات قبل فوات الآوان؟؟؟..وما فكرة تأسيس جمعية " لكل الديمقراطيين " إلا لإبتلاع هذه الشريحة من الصامتين وتأطيرها في وضع سياسي متخبط ومتسيب .إستنادا على أرقام العزوف الانتخابي في مقولة غريبة لجأت إليها الحركة، إذ تذكر في خطابات قادتها أن الأحزاب السياسية لم تستطع أن تؤطر سوى 20 في المائة من المواطنين، وأن ثمانين في المائة خارج دائرة التأطير، وأن الذين شاركوا في الانتخابات لا يتعدون 37 في المائة، وهو ما يعني أن 63 في المائة لم تجد الإطار السياسي المناسب لها.
وقد استعارت الحركة هذه المقولة من أدبيات اليسار الراديكالي الذي كان يعد نسبة العزوف عن الانتخابات في رصيده السياسي كما يعتبر الأصوات الملغاة شكلا من أشكال الاحتجاج السياسي على العملية الانتخابية المحسوب أيضا على رصيده السياسي.
وبقدر ما تحمل هذه المقولة من تحريف لأسباب ظاهرة العزوف عن المشاركة في الانتخابات، وبقدر ما تحمل أيضا من تمويه وادعاء تمثيلية الجماهير التي لم تعلن عن موقفها السياسي التفصيلي، بقدر ما تضمر تبرئة للسلطة عن مسؤوليتها في تنامي ظاهرة العزوف، وأيضا في عرقلة مساعي الأحزاب نحو التأطير السياسي الحقيقي للمواطنين، إذ الثابت أن للسلطة دور كبير في إضعاف قدرة الأحزاب السياسية على تأطير المواطنين إن عبر آلية المنع والتضييق أو عبر آلية تضييق هوامش الأحزاب السياسية للفعل والمبادرة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.