قبل أيام، شهدت مدينة الرباط حدثاً وُصف بالكبير، لكنه لم يستمد كبره إلا من اللغط الذي رافقه. كان بإمكان هذا الحدث أن يكون فعلاً كبيراً وذا أهمية حقيقية، لو أن من خططوا له كانوا في مستوى الانتظارات المجتمعية، ليختاروا من بين كفاءات المنظومة التربوية من هم في مستوى اللحظة؛ تكويناً، ومعرفةً، وأداءً. المسألة إذن تتعلق ب "المنتدى الوطني للمدرس"؛ وهذا العنوان وحده يكفي -بما يحمله من حمولة- أن يضع الحدث موضع المساءلة والتقييم، لارتباطه بإشكال مجتمعي عميق يتصل بالمدرسة وبما تضطلع به من مسؤوليات جسيمة في تنشئة المغاربة. وليس القصد من هذا الطرح "جلد الناس" أو رميهم بالباطل، إنما المراد هو الوقوف عند بعض الإشارات من داخل الحدث لاستكناه دلالاتها، في سياق سياسي ينحو يوماً بعد يوم نحو فقدان المعنى، وإفراغ المؤسسات من مضمونها الوطني الديمقراطي. لأجل ذلك، لابد من تفكيك العنوان إلى عناصره الجزئية لتسليط الضوء على الإشكالية المرتبطة به. فنحن بصدد حدث مؤطر بعنوان "سمين" من ثلاث كلمات: (المنتدى، الوطني، المدرس)؛ ومعنى ذلك أننا أمام لقاءٍ حجّ إليه من كل ربوع الوطن مدرسون ممارسون ميدانياً. والحالة هاته، كان منتظراً أن يحمل هؤلاء المشاركون -بحكم احتكاكهم اليومي- هواجس المدرسة المغربية في علاقتها بانتظارات المجتمع: معرفياً، وبيداغوجياً، وتاريخياً، ولِمَ لا، هوياتياً وسياسياً. فهل حصل ذلك فعلاً؟ في الحقيقة، يصعب الجزم بذلك. ففي الوقت الذي كان المتتبعون ينتظرون نقاشاً عميقاً يتم فيه تشخيص المشكلات العويصة التي تقوض الأداء المدرسي، وتكشف تعقيدات سيكولوجية الطفل موضوع التنشئة؛ فإن ما تسرب من مداخلات تتحدث عن "الحساب الذهني" وعن "انبطاح التلاميذ"، لهو دليل على جزء من الفقر النظري الذي ترفل فيه المنظومة. وحتى إذا التمسنا للبعض بعض الأعذار تفادياً للتعميم، فلن يسعفنا ذلك في شيء، ما دامت الردود على ما حصل -ومن داخل القطاع نفسه- لا تقل سطحية عن سطحية المنتدى؛ فإلى أين المفر؟ والحق أن ما سُمع وما عُمم في هذا اللقاء "الوطني"، يبعث على الأسى؛ إذ لا يرقى إلى مستوى التيمات والإشكالات التي كانت، ذات زمن، مواضيع لقاءات تربوية عادية على مستوى مقاطعات التفتيش، كما لا يتصل بالوعي التربوي في حدوده الدنيا. وهذا ما لا يدع مجالاً للشك في أن هناك من يصر على "هتك عرض" المنظومة، عندما يضع في الواجهة بؤساً نموذجياً بغاية التعميم والاقتداء. وإذا كان كل ما تملكه وزارة التربية -لإقناع المغاربة بجودة ريادتها- هو هذه الرداءة الخطابية المدثرة بأناقة الملبس من قمصان وربطات عنق، فلا يملك المواطن إلا أن يعيد طرح السؤال الوجودي المزمن: من نحن؟ وماذا نفعل هنا؟ ليس الكلام أعلاه تطرفاً في الحكم، مادام المشهد واضحاً؛ فهو يعكس جانباً من أزمة الوعي التي تحول دون أن يكون المدرس ذا حس نقدي ثاقب، يزن الكلام قبل إطلاقه، ويتحمل مسؤوليته الوطنية ضد توظيفه في مسلسل "التتفيه" الذي يتربص بالمجتمع من بوابة المدرسة. وما يجب التأكيد عليه في خضم هذا القحط، هو أن السياسات الرسمية تتوجس دائماً من التكوين البيداغوجي الرصين، بل وتعمل على طمس الكفاءات النقدية داخل المنظومة، حتى لا يتأتى لها المساهمة في بلورة مشروع مدرسة وطنية ذات عمق قيمي ومعرفي، يمارس فيها المدرس مهامه بوعي نقدي ثاقب. وإلى أن يصبح منتدانا "ساحة أگورا" لنقاش تربوي رصين، فللوطن أزكى التحيات، ولأساتذتنا انحناءة تقدير واحترام؛ ففي كل الأحوال، تُعزى الرداءة للسياسات: تكويناً، وتأطيراً، واستشرافاً… كان الله في عون القابضين على جمر الجد والقيم، والوعي داخل المنظومة. تصبحون على تفاهة يا أبناءنا…