ما يقع في القصر الكبير ليس مجرد فيضان عابر، بل لحظة كشف حقيقة منظومة التدبير والتواصل السياسي في بلادنا، مدينة بأكملها تُفرَّغ من سكانها، عشرات الآلاف يُجبرون على مغادرة بيوتهم، أحياء كانت مصنفة "آمنة" تُعاد فجأة إلى خانة الخطر، والقصر الكبير تتحول، خلال ساعات، إلى مدينة أشباح، ولا أحد من المسؤولين السياسيين يتواصل مع المواطنين. المعطيات الميدانية واضحة ولا تقبل التأويل، ارتفاع خطير في منسوب نهر اللوكوس، تساقطات استثنائية، ضغط غير مسبوق على البنيات المائية، وإجلاء قسري لما يفوق 50 ألف مواطن، مع شلل شبه تام للحياة الاقتصادية والخدماتية. ومع ذلك، لم يسمع المغاربة صوتاً سياسياً واحداً يشرح ما يجري، أو يتحمل مسؤولية ما وقع، أو حتى يطمئن الساكنة بلغة واضحة وصريحة. في الميدان، اشتغلت الدولة بأذرعها الصلبة، الجيش الملكي، الأمن الوطني، الوقاية المدنية، ووزارة الداخلية قاموا بواجبهم، أشرفوا على عمليات الإجلاء، أمّنوا الأحياء المهددة، ونظموا مراكز الإيواء، بل تم اللجوء إلى حلول استعجالية غير مسبوقة، مثل نشر مخابز متنقلة لضمان الحد الأدنى من القوت اليومي، لكن، في المقابل، غابت الدولة بصفتها السياسية، وغاب من يفترض فيهم أن يخاطبوا المواطنين باسم المسؤولية الديمقراطية. الفيديوهات القادمة من القصر الكبير لم تُظهر سوى وجوه محلية محدودة، من بينها رئيس المجلس البلدي "السيمو"، وهو يطالب السكان بإخلاء المنازل، أما الحكومة، فرئيسها ووزراؤها، اختاروا كالعادة الصمت. لا ندوة صحفية، لا تصريح مباشر، لا بلاغ سياسي يشرح حجم الكارثة أو يحدد المسؤوليات أو يوضح الرؤية، وكأن ما يجري شأن تقني صرف، لا كارثة وطنية تستدعي حضورا سياسيا واضحا ومحاسبا. هذا الصمت ليس بريئاً، فهو يعكس تصوراً مختلاً لتدبير الأزمات، يقوم على ترك الواجهة للسلطة التقنية والأمنية، والاختباء سياسياً إلى أن تمر العاصفة، لكنه في الواقع، صمت يضاعف الأزمة، ويحوّل الخطر الطبيعي إلى أزمة ثقة بين الدولة والمواطنين. الأخطر أن الغياب طال وزارة التجهيز والماء، القطاع الذي يوجد في قلب هذه الكارثة، السدود، الأودية، تصريف المياه، خرائط الخطر، وسياسات الوقاية، كلها ملفات تقع تحت وصاية هذه الوزارة، ومع ذلك، لم يخرج الوزير نزار بركة زعيم حزب الاستقلال، ليشرح للرأي العام ما وقع، ولا ليبرر الاختيارات، ولا ليعترف بالاختلالات إن وُجدت، صمت ثقيل، يزداد فداحته حين يتعلق الأمر بفاعل سياسي وزعيم حزبي، ومرشح انتخابي في منطقة قريبة من المدينة المنكوبة. لا يجب الوقوف عند لحظة الفيضان، بل يجب أن نفتح ملفاً أوسع، كيف تحولت مناطق قيل للناس إنها "آمنة" إلى مناطق خطر؟ من صادق على هذه التصنيفات؟ هل جرى تحيينها وفق معطيات التغير المناخي؟ وأين كانت سياسات الاستباق والوقاية؟ أسئلة بلا أجوبة رسمية إلى الآن، في بلد يفترض أن يكون الدرس قد استُوعب بعد كوارث سابقة. إن ما حدث في القصر الكبير يعرّي خللاً بنيوياً موجوداً منذ سنوات طويلة في الثقافة السياسية ببلادنا، إنقاذ الأرواح يُترك للميدان، أما تحمل المسؤولية السياسية فيُؤجَّل أو يُلغى، لكن الكوارث لا تُدار فقط بالزوارق والجرافات، بل أيضاً بالكلام الواضح، والاعتراف، وربط المسؤولية بالمحاسبة.