تعيش عدد من القرى التابعة لإقليمالقنيطرة أوضاعا صعبة نتيجة الفيضانات الأخيرة، إذ تضررت ساكنتها واضطرت إلى مغادرة منازلها التي اجتاحتها السيول القوية، مع حرصها على التوجّه صوب مناطق أكثر أمانًا، استجابة لتعليمات السلطات العمومية المختصة. وتُظهر المعاينة الميدانية حجم الوضع القائم، الذي يبدو غير مألوف بالمنطقة خلال العقدين الأخيرين على الأقل، إذ تمتد على مرأى البصر مساحاتٌ شاسعة من الحقول التي غمرتها المياه بالكامل، بعدما كانت إلى وقت قريب، وتحديدًا إلى حدود الأسبوع المنصرم، رمزاً للنشاط الفلاحي بالإقليم والجهة ككل. ومن هذه الحقول المختصة في إنتاج الشعير والقمح و"الفصة" وأنواع مختلفة من الأعلاف، وأخرى تساهم في إنتاج خضراوات معينة، لكنها تضررت بشكل بليغ بحجم المياه التي حملها، من بعيد، كل من وادي بهت ووادي سبو، وانحرفت عن طريقها لتقصد أراضي فلاحية وتضر بتجهيزاتها الهيدروفلاحية. في طريقنا إلى عمق الإقليم صادفنا فلاحين و"كسّابة" شرعوا في مغادرة ضيعاتهم الفلاحية، مرفقين بمواشيهم من أبقار وأغنام وماعز وأحصنة، في أجواء دراماتيكية تختلط فيها الأحاسيس بين التوجس من "مستقبل غير معلوم" ويقين في الاحتياطات المتخذة. تحدثنا إلى بعض من هؤلاء الفلاحين، الذين أكدوا أن قرار مغادرة محال سكناهم مرفقين بمواشيهم والأعلاف اللازمة لمدة محدودة، "يعد اضطراريًا ولا مفر منه، طالما أن الأحوال الجوية خلال الأيام المقبلة غير معلومة إلى حدود الساعة". وتواجه السيارات والشاحنات المتوجّهة نحو عمق جماعة المكرن ازدحامًا طرقيًا بالتزامن مع رحيل عدد مهم من "الكسّابة"، الذين اختار بعضهم التقدّم في اتجاه سوق سبت أولاد سلامة، فيما تمكّن آخرون من عبور قنطرة وادي بهت ووادي سبو في اتجاه مركز سوق أحد أولاد جلول التابع إداريًا لجماعة بنمنصور بإقليمالقنيطرة دائمًا. ولم تكتف الفيضانات المسجلة بإغراق مئات الهكتارات من الأراضي الفلاحية بالإقليم، بل تسبّبت أيضًا في قطع طرقات فرعية، ولا سيما الرابطة، بشكل مباشر، بين جماعة المكرن وسيدي علال التازي. في هذا الصدد عاين فريق جريدة هسبريس الإلكترونية حضورا مباشرا لوحدات الدرك الملكي بجانب الطرق المقطوعة، التي عملت على توجيه أرباب السيارات صوب طرق آمنة، بعيدًا عن نظيرتها التي لم تعد تُرى بالعين المجرّدة، نتيجة مستوى المياه المتسرّبة عبر وادي "بهت" بالتحديد. ومع التقدم داخل عمق الإقليم يتأكد أن عددا كبيرا من القرى باتت فارغة بشكل شبه كامل، بما فيها قرية أولاد عامر، التي أُفرغت من غالبية قاطنيها بفعل المياه، ما عدا بعض المنازل التي لم تتضرّر؛ فقد غادر المواطنون المحليون، منذ صباح أول أمس الإثنين، إلى قرى ومراكز مجاورة، ضمنها العنابسة وسوق أحد أولاد جلول، في حين قصد آخرون المدن القريبة. والتقى فريق هسبريس بمواطنين مازالوا مقيمين بالقرية، من بينهم محمد الذي قال: "الوضعية صعبة بقرية أولاد عامر. الماء وصل إلى مستوى غير مسبوق، حسب ما أكده آباؤنا، ويرجح أن يزيد في الارتفاع خلال الساعات المقبلة". وأفاد محمد بأن "الدوار بات يحتضن، حصرا، الذين لم تتأثر مساكنهم بمستوى الماء، ومن المنتظر أن يغادروه أيضًا هذه الليلة، بحسب آخر التطورات"، متابعًا: "الناس مقسحين هنايا بزاف، والله يدير لي فيها الخير". وصرّح مواطن آخر من القرية بأن "الأفراد الذين غادروا مساكنهم قصدوا مراكز الإيواء بأحد أولاد جلول أو العنابسة ومناطق أخرى"، كاشفًا أن "صعوبة المغادرة سُجّلت أكثر لدى الفلاحين من أصحاب المواشي، الذين احتاج البعض منهم إلى شاحنات لنقل مواشيهم". وأعلنت وزارة الداخلية، اليوم الأربعاء، أن السلطات المعنية المكلفة بتتبع الفيضانات تمكّنت من إجلاء ونقل ما مجموعه 108 آلاف و423 مواطنًا، منهم 14 ألفًا و133 مواطنًا ينحدرون من إقليمالقنيطرة، بعد تسخير مختلف الإمكانات اللوجستية والموارد البشرية اللازمة.