في المشهد الرقمي المغربي، حيث يطغى ضجيج الاستعراض على جوهر المحتوى، يختار إبراهيم المزكلدي الوقوف في منطقة متفردة؛ منطقة تمزج بين فلسفة "المشاء" الذي يكتشف المدينة، وبين الفاعل الجمعوي الذي يستشعر نبض ناسها. ولا يقدم هذا الشاب المعروف ب"ابراهيم فلوغ" نفسه كصاحب رسالة سياسية، ولا كراو للقصص الكبرى، لكنه ينجح بذكاء في تمرير رسائل انسانية مبطنة عبر عدسته، محولا نزهاته اليومية إلى منصة للدعم والتضامن الاجتماعي. وتتجلى خصوصيته في قدرته على تطويع المشي الاعتيادي لخدمة غايات نبيلة. ففي خضم جولاته عبر شوارع "البوغاز" وأحيائها الشعبية، لا يكتفي بتوثيق الجدران والوجوه، بل يتوقف غالبا لتسليط الضوء على مبادرة شبابية فتية تشق طريقها بصعوبة، أو لعرض حالة انسانية حرجة تتطلب تدخلا عاجلا. هذا المزج بين التوثيق العفوي والواجب الأخلاقي يمنح محتواه قيمة مضافة، مخرجا إياه من دائرة الترفيه العابر إلى فضاء المنفعة العامة. ووجد هذا الحضور المؤثر صداه في الاعتراف المحلي، حين أدرج اسم إبراهيم فلوغ ضمن فئة "صناعة المحتوى الرقمي" في "استفتاء "شخصيات السنة" الذي تنظمه منصة "طنجة 24″" المستمر حتى 22 فبراير الجاري. هذا الترشيح لا يقرأ بوصفه تتويجا لمنتج صحفي بمعاييره الكلاسيكية، بقدر ما هو إقرار بوزن هذا "الإعلام القريب" الذي يلامس هموم الناس المعيشية. تصويت الجمهور هنا يثمن تلك القدرة على تحويل الشهرة الرقمية إلى أداة لخدمة المجتمع المحلي، بعيدا عن الخطابات الرنانة. ويعتمد المزكلدي أسلوبا يتسم بالواقعية المفرطة؛ فهو ينأى بنفسه عن الصراعات الأيديولوجية، لكنه ينحاز بوضوح للفئات الهشة وأصحاب المشاريع الصغرى. هو لا يبيع الوهم، بل يروج للأمل الواقعي الملموس. وبهذا المعنى، يصبح الحياد لديه موقفا سياسيا بامتياز: الابتعاد عن الجدل العقيم لصالح العمل الميداني المباشر الذي يغير حياة الأفراد فعليا. في المحصلة، لا يمثل إبراهيم فلوغ نموذج "المؤثر" التقليدي الذي يبحث عن الربح السريع، ولا الصحفي الميداني المحكوم بالضوابط التحريرية الصارمة. إنه أقرب إلى "وسيط اجتماعي" يستخدم الكاميرا ليربط بين المحتاج والمانح، وبين المبادرة والجمهور. وقصته ليست مجرد صعود رقمي، بل هي دليل على أن المحتوى البسيط، حين يحمل نفحة انسانية صادقة، يصبح أشد تأثيرا من أعتى الحملات الإعلامية المنظمة.