حسم مجلس الأمن اليوم الجمعة 29 أكتوبر بأغلبية ساحقة ودون معارضة في الوضعية القانونية للأراضي الفاصلة بين معبر الكركرات المغربي والنقطة الحدودية 55 لموريتانيا، والتي كانت تشملها خريطة المنطقة العازلة المعتمدة لدى الأممالمتحدة وتشتغل بها ميدانيا بعثة المينورسو. القرار الذي قدمته الولاياتالمتحدةالأمريكية ووافق عليه أعضاء مجلس الأمن لم يشر إلى تدخل القوات المسلحة الملكية يوم 13 نونبر باعتباره خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار ولم يأخذ على محمل الجد رسالة موجهة من ابراهيم غالي زعيم البوليساريو إلى الأمين العام للأمم المتحدة تطلب التراجع إلى الخلف وتغيير الواقع في الميدان، حيث كانت الأطراف الأخرى تطلب من الأممالمتحدة دعوة المغرب إلى إعادة القوات المسلحة إلى مواقعها التي كانت عليها ما قبل التدخل في المنطقة العازلة بالكركرات وعودة تلك المساحة الخالية إلى وضعها الأولى.
ففي مطلع شهر أكتوبر الماضي، وضع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تقريرا مفصلا عن الوضع في الصحراء المغربية والأحداث التي شهدتها في الفترة الممتدة من اليوم الأول في شهر شتنبر سنة 2020 إلى نهاية غشت من السنة الجارية، وعرض هذا التقرير الذي اطلع عليه "الأيام24″ والمكون من 21 صفحة على مجلس الأمن بناء على معطيات ميدانية وفّرتها بعثة ال"مينورسو"، وركز غوتيريش على عملية تحرير الكركرات واعتراف الولاياتالمتحدةالأمريكية الذي يعد منعرجا حاسما في مسار الملف.
يسرد غوتيريش في تقريره التسلسل الزمني لعملية تحرير معبر الكركرات، ويسجل أنه في 21 أكتوبر سنة 2020، رصدت بعثة ال"مينورسو" تواجد مجموعة في المنطقة العازلة في الكركرات تضم حوالي 50 شخصا من بينهم نساء وطفل واحد على الأقل، وأكد أن هذه المجموعة أقامت حاجزا على الجزء المعبّد من الطريق تسبب في عرقلة حركة السير بين المغرب وموريتانيا، مؤكدا أنه في الفترة الممتدة من 22 إلى 29 أكتوبر 2020 رصدت البعثة في المنطقة العازلة من خلال عملية استطلاعية بطائرة هليكوبتر فوق "الكركرات" وجود ما يصل إلى 12 فردا مسلحا من أفراد جبهة البوليساريو بالزي العسكري وما يصل إلى ثماني مركبات خفيفة ذات طراز عسكري، اثنتان منها محمّلتان بأسلحة ثقيلة".
بعد تدخل القوات المسلحة الملكية السنة الماضية لم تعد مساحة من الكركرات تشتهر ب"قندهار" تدخل ضمن نطاق المنطقة العازلة، فقد فرضت أمرا واقعا بالقوة ودون إراقة الدماء بقضم كيلومترات إضافية وإخراجها من منطقة وقف إطلاق النار، ولذلك كثفت الجزائر ومعها البوليساريو تحركاتها قبل جلسة التصويت لكن قرار مجلس الأمن صدر بصيغة لا تعتبر دخول الجيش المغربي إلى هذه المنطقة خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار لسنة 1991، حيث يقول غالي في رسالته إلى غوتيريش: "التقرير يلتزم الصمت بشأن هذه المسألة وكأن الوضع الجديد في الكركرات "لا رجعة فيه" وهو ما ترفضه جبهة البوليساريو رفضاً قاطعاً".
قندهار
وكانت "قندهار شمال إفريقيا" تشهد انتهاكات متكررة من طرف "البوليساريو" لاتفاق وقف إطلاق النار، تساهم في تفاقم المخاطر والوضع الأمني بالمنطقة، خصوصا أن الانتهاكات المتمثلة في التحركات والمناورات العسكرية يصعب معرفة خلفياتها وأهدافها إن كانت بدافع استفزاز الجيش الملكي المغربي أم لتأمين تحركات الإرهابيين والعصابات التي تنشط في المنطقة.
ويقول غوتيريش في تقريره الأخير إن " لا يزال وجود مهربي المخدرات وعناصر إجرامية أخرى في الإقليم، فضلا عن احتمال وقوع هجمات إرهابية يشكل مصدر قلق"، ثم يحيل على الفقرتين 44 و45 من تقرير للسنة السابقة اطلع عليه "الأيام24" ويؤكد فيهما أن "المنورسو" عزز تدابيره الأمنية في شرق الجدار الدفاعي للمملكة في إشارة إلى ارتفاع درجة الخطر بالمنطقة العازلة.
وفي التقرير الماضي أيضا يشير أنطونيو غوتيريش أيضا إلى أنه "في الكركرات، ظلت المنطقة العازلة بين البوابتين المغربية والموريتانية تشكل مصدر خطر على حد ما على مراقبي البعثة العكسريين بسبب عدم وجود ولاية قضائية بالمنطقة وتعذّر ضمان أمن البعثة"، قبل أن تتأكد إزالة هذه المنطقة العازلة بعد أن رصدت بعثة "اليمنورسو" قيام الجيش المغربي بتشيد جدار جديد على بعد كيلومترات عن الطريق المعبدة.
سبعة كيلومترات الفاصلة بين البوابتين الحدوديتين للمغرب وموريتانيا انتهى أمرها وأصبحت المملكة متصلة مباشرة بإفريقيا، ومنذ تلك اللحظة الفاصلة أصبح مرور السلع والأفراد يجري في ظروف مؤمنة دون اعتراض أو انتهاك أو سلب ونهب، فقد سميت بقندهار نسبة إلى "السيبة" التي كانت ولا تزال تعيشها ولاية قندهار في أفغانستان، وفي هذه المساحة المفروض أن تكون منزوعة السلاح في وضعها السابق كانت جبهة البوليساريو تستغل هذا الفراغ وتنشط مع مهربي السلاح والمخدرات وتجار البشر، العابر من هناك كان يجد أمامه مقبرة سيارات الله وحده يعلم مصير أصحابها.
المنطقة العازلة تبلغ مساحة المنطقة العازلة في الصحراء التي تخضع لاتفاق وقف إطلاق النار حوالي 53 ألف و200 كلم مربع، تشكل 20 في المائة من المساحة الإجمالية للصحراء المغربية البالغة مساحتها 266 ألف كلم مربع. وبالأرقام الحسابية تشكل المنطقة العازلة 5 مرات تقريبا مساحة لبنان، و4.5 مرة مساحة قطر و3 مرات مساحة الكويت، و1.7 مرة مساحة بلجيكا و1.5 مرة مساحة هولندا، كما أنها تشكل أزيد من 1.5 مرة مساحة الدول العربية الثلاث مجتمعة (الكويتولبنانوقطر).
محاولة 2016
سنة 2016 تضاعفت الأنشطة غير القانونية والخطيرة في طريق "قندهار" وضُبطت هناك مجموعة أسلحة نارية، فقررت المملكة المغربية تحريك قواتها خارج النقطة الجمركية لتعبيد طريق الموت، فتحركت البوليساريو والجزائر، ورفعت القضية إلى الأممالمتحدة وقام الانفصاليون بدفع عناصر مسلحة في المنطقة، ودخلت موريتانيا على الخط ووصل التوتر إلى ذروته.
كان التدخل المغربي ضروريا حينها فقد حاولت البوليساريو السيطرة على الطريق الشريان الرئيس لحركة التجارة البرية للمغرب، وأصبحت تراقب الشاحنات وتفرض على سائقيها من المغاربة سحب العلم المغربي أو خارطة المغرب فتحركت الجنود المغاربة ولم يعد بين الطرفين سوى عشرات الأمتار الفاصلة.
وبعد تهدئة الوضع عادت القوة المغربية إلى تمركزها السابق في مبادرة انسحاب جاءت من الرباط لكن بشرط، هو أن المملكة ستتدخل كلما رأت خطرا محدقا أو فوضى بطريق الكركرات، وقد جاءت تلك المبادرة بعد 6 من التوتر وفي سياق يتزامن مع عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي وحملة دبلوماسية كبيرة لاختراق حلفاء المعسكر المعادي.
لماذا حركت 7 كيلومترات جيش المملكة ؟
يمتد الجدار الدفاعي الذي شيده الملك الحسن الثاني على طول 2700 كلم يرابط عنده عشرات الآلاف من الجنود المغاربة، لكن الأهم والأكثر تأثير عن تلك المساحة الصغيرة من المنطقة العازلة التي تشق النقطة البرية الوحيدة التي تربط أووربا عبر المغرب بالعمق الإفريقي من موريتانيا والسينغال إلى كل إفريقيا الغربية.
هذه الأرض القاحلة تزينها اليوم طريق معبدة تؤكد القيمة الاقتصادية والاستراتيجية لسبعة كيلومترات حرك لأجلها المغرب 250 مركبة عسكرية يوم 13 نونبر حسب ما يذكره تقرير غوتيريش، فهذه الأرض الخلاء هي صلة الوصل الاقتصادية والاجتماعية بين المغرب وغرب أفريقيا الذي يسعى لدخول مجموعته الاقتصادية "سيدياو".
السلع تتدفق يوميا من المغرب إلى غرب إفريقيا عبر هذا المعبر ما بين 60 و100 شاحنة، محملة بمنتجات مصدرها السوق الوطنية أو الأوروبية، وتعتمد دول غرب إفريقيا على ما تجود به الأراضي المغربية من الخضر والفواكه والألبان والأجبان والمياه المعدنية وليس لها من طريق سوى الكركرات.
وفي انتظار تشييد ميناء الداخلة سيكون المغرب في وضع مريح دون القلق من ضبابية الموقف الموريتاني الذي كان يميل إلى الحياد كلما عرقل عناصر البوليساريو الطريق رغم تضرر سوقها المحلية، وسيمكّن الميناء من توجيه السفن التجارية نحو باقي دول إفريقيا عبر الشريط الأطلسي دون العبور من موريتانيا وقد يصبح معبر الكركرات مستقبلا مقتصرا على السلع الموجهة إلى بلاد شنقيط.