لا يبدو أن المنتخب المغربي يعاني نقصا في الموهبة، ولا أزمة في التخطيط أو الجرأة داخل المستطيل الأخضر، بقدر ما يواجه امتحانا نفسيا متكررا اسمه: ركلات الجزاء.
ففي كل مرة يقترب فيها "أسود الأطلس" من لحظة الحسم، تطل هذه التفاصيل الصغيرة لتصنع الفارق الكبير، وتقلب الأفراح المنتظرة إلى خيبات جماعية.
في نهائي كأس أمم إفريقيا "المغرب 2025"، كان المنتخب الوطني على بعد تسديدة واحدة من تغيير مسار التاريخ.. دقائق قليلة كانت كافية لأن تمنح المغرب لقبا غائبا منذ عقود، لكن ركلة جزاء واحدة أعادت فتح جرح قديم، ورسخت شعورا بأن هذا المنتخب، رغم نضجه الكروي، لا يزال أسير لحظة ذهنية معقدة عندما يقف لاعب أمام نقطة الجزاء.
المثير أن هذه العقدة ليست وليدة اللحظة، بل تمتد عبر نسخ متتالية من كأس إفريقيا.. ففي أكثر من مناسبة، وجد المغرب نفسه أمام فرصة ذهبية من 11 مترا، لكنها تحولت إلى عبء نفسي ثقيل بدل أن تكون سلاحا حاسما.
في نسخة 2019، أضاع حكيم زياش ركلة جزاء حاسمة أمام منتخب بنين في الدقيقة 94، ليودع المغرب البطولة من دور ال16، في واحدة من أكثر اللحظات العصيبة في مشاركاته الإفريقية.
نفس الأمر حدث في نسخة 2023، حيث أهدر أشرف حكيمي ركلة جزاء أمام منتخب جنوب إفريقيا في الدور ذاته، ليقصى المغرب من البطولة.
أسماء كبيرة، ولاعبون اعتادوا التألق في أكبر الملاعب الأوروبية، سقطوا في هذا الاختبار الإفريقي الصعب، وكأن ضغط القميص الوطني في لحظات الحسم يفوق كل الحسابات التقنية.
اللافت أيضا أن الإخفاق في ركلات الجزاء لا يرتبط بمستوى الأداء العام، ففي معظم هذه البطولات، كان المنتخب المغربي من بين أفضل المنتخبات تنظيما وانضباطا، وفرض أسلوبه على منافسين أقوياء، لكنه كان يدفع ثمن لحظة واحدة يفقد فيها التركيز أو الثقة، لتضيع مجهودات تسعين دقيقة أو أكثر في ثوان معدودة.
تحليل هذه الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على الجانب الفني فقط. فالتسديد من نقطة الجزاء في مباراة عادية يختلف تماما عن تنفيذها في نهائي قاري أو مباراة إقصائية، حيث تتداخل الضغوط الجماهيرية، والتوقعات الوطنية، وثقل التاريخ. هنا يصبح العامل الذهني حاسما، وربما أكثر تأثيرا من جودة التسديد نفسها.
ما حدث في "كان 2025" أعاد طرح أسئلة قديمة جديدة: هل يحتاج المنتخب المغربي إلى إعداد نفسي خاص لمثل هذه اللحظات؟ هل يجب التعامل مع ركلات الجزاء كجزء من الهوية التكتيكية، لا مجرد تفصيل عابر؟ أم أن الأمر يتعلق بثقافة كروية لم تُحسم بعد في التعامل مع الضغط القاري؟
المؤكد أن هذه اللعنة، إن صح التعبير، ليست قدرا محتوما.. تجارب منتخبات إفريقية وعالمية كثيرة تثبت أن عقدة ركلات الجزاء يمكن كسرها بالعمل، والتكرار، وبناء الثقة، وتحويل الضغط إلى حافز بدل أن يكون عبئا.. لكن ذلك يتطلب شجاعة في الاعتراف بالمشكل، وعدم اختزاله في لاعب أو تسديدة واحدة.
بين الألم الذي خلفه نهائي الرباط، والأمل الذي تفرضه الإمكانيات الكبيرة للمنتخب المغربي، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الخيبات إلى درس جماعي. ف"الأسود" يملكون كل مقومات التتويج، لكن الكأس الإفريقية لن تُرفع فقط بالأداء الجميل.. ولكن أيضا بالثبات في أكثر اللحظات قسوة.