يوم بيوم نور الدين مفتاح يكتب: «ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام» نور الدين مفتاح نشر في 21 يناير 2026 الساعة 17 و 35 دقيقة «التجمع الوطني للأحرار ليس بحاجة للدفاع عن شرعيته، لأن شرعيته تستمد من العمل ومن التفاعل المباشر مع المواطن، ومن القدرة على تحويل الالتزامات إلى سياسات عمومية ملموسة. لقد أصبح التجمع الوطني للأحرار قوة سياسية ومجتمعية تصنع التغيير بالفعل، لا بالإدعاء، بل بالجرأة في اتخاذ القرارات». ويضيف الرئيس الواثق من أنه صنع حزبا جديداً بشرعية جديدة، بما لا يدع مجالا للشك في طبيعة ما جرى يوم الأحد: «ونظرا لطبيعة هذه السنة وما يرافقها من استحقاقات مهمة، فإن المكتب السياسي وفقا للمادة 34 من القانون الأساسي للحزب سيدعو غدا إن شاء الله في اجتماعه إلى تمديد انتداب مختلف هياكل الحزب، وذلك حرصا على ضمان استمرارية العمل الميداني دون انقطاع، حيث سنواصل ذلك من خلال تدشين مسار المستقبل بتعميق النقاش العمومي وتوسيع المشاركة عبر إشراك المنظمات الموازية وكافة الفاعلين». نور الدين مفتاح [email protected]
ما الذي جرى؟ هذا السؤال أصبح الجواب عليه في المغرب يساوي ملايير أخنوش!
بشكل مفاجئ، أو لنقل صادم، خرج رئيس الحكومة يوم الأحد الماضي ليصرّح أنه لن يترشح للانتخابات التشريعية القادمة المزمع تنظيمها في شتنبر المقبل، وهذا معناه أنه لن يكون مرشحا لولاية ثانية كرئيس للحكومة، ما دام الفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين قائد الجهاز التنفيذي من الحزب الأول في الانتخابات.
ولكن الذي كان مثيرا هو أن الرجل قرر أن يتنحى من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار مع النفاذ المعجل! وهذا كما سنرى، لم يكن مبرمجا 24 ساعة قبل أن يرمي الملياردير الأول في المملكة هذا الحجر في بركة الحياة الحزبية الرتيبة. والأكثر إثارة هو أنه قرر في هذا الأحد أن يعقد مؤتمرا استثنائيا للحزب، وحدد له موعداً في بداية الشهر المقبل، وطلب من الراغبين في الترشح للرئاسة أن يودعوا ترشيحاتهم بمقر حزب الحمامة!
غرائب كثيرة لا يمكن فهم حجمها إلا إذا رجعنا إلى يوم السبت الماضي، أي 24 ساعة قبل إعلان النهاية السياسية لرجل شغل الناس وملأ الدنيا صخبا. كان عزيز أخنوش يترأس برلمان الحزب، أي المجلس الوطني، وقد بدا منشرحاً ببدلة سوداء وياقة زرقاء مزينة بربطة عنق زرقاء أيضا، وهو اللون الانتخابي للحزب. وقرأ الرئيس بشكل واثق 37 دقيقة من تقرير، جزء كبير منه يتحدث عن المستقبل، بل إن فريق التواصل في الحزب الأزرق حرص بعد هذه الكلمة أن يوزعها في مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة، ويقطعها إلى فيديوهات صغيرة لضمان انتشارها. وقد كان بيت القصيد في هذه الكلمة التي تفسر بشكل لا لبس فيه ما جرى يوم الأحد هو ما يلي:
«التجمع الوطني للأحرار ليس بحاجة للدفاع عن شرعيته، لأن شرعيته تستمد من العمل ومن التفاعل المباشر مع المواطن، ومن القدرة على تحويل الالتزامات إلى سياسات عمومية ملموسة. لقد أصبح التجمع الوطني للأحرار قوة سياسية ومجتمعية تصنع التغيير بالفعل، لا بالإدعاء، بل بالجرأة في اتخاذ القرارات». ويضيف الرئيس الواثق من أنه صنع حزبا جديداً بشرعية جديدة، بما لا يدع مجالا للشك في طبيعة ما جرى يوم الأحد: «ونظرا لطبيعة هذه السنة وما يرافقها من استحقاقات مهمة، فإن المكتب السياسي وفقا للمادة 34 من القانون الأساسي للحزب سيدعو غدا إن شاء الله في اجتماعه إلى تمديد انتداب مختلف هياكل الحزب، وذلك حرصا على ضمان استمرارية العمل الميداني دون انقطاع، حيث سنواصل ذلك من خلال تدشين مسار المستقبل بتعميق النقاش العمومي وتوسيع المشاركة عبر إشراك المنظمات الموازية وكافة الفاعلين».
إذن، برلمان الحمامة يصادق، بناء على اقتراح من الرئيس، على تمديد مختلف هياكل الحزب، أي تأجيل المؤتمر العادي، واستمرار المكتب السياسي والرئيس، بمبرر مواصلة مسار المستقبل، وفي اليوم الموالي الذي كان مقررا أن يجتمع فيه المكتب السياسي ليطلق هذا المسار ويرسم التمديد لأخنوش ومن معه، يخرج السي عزيز بسيناريو انقلابي، ويقرر نهاية حياته السياسية!!
والأنكى من هذا، أنه خرج بقرار لم يكن له مبرر، وهو المؤتمر الاستثنائي، فكما تدل على ذلك تسميته، لا تكون مثل هذه المؤتمرات إلا في الحالات الاستثنائية جدّا. أخنوش سيقفز في أقل من 24 ساعة من النقيض إلى النقيض، أي من التمديد لهياكل الحزب إلى المؤتمر الاستثنائي!! ولو كانت الظروف عادية وكان الرجل يريد أن يبعث برسالة ديموقراطية في عدم الالتصاق بالكرسي وفتح باب التناوب، لفعل ذلك في مؤتمر عادي، يتاح فيه للناس الوقت الكافي للتهييء وترتيب الأوراق وإنجاز التقارير والتصورات. وكان بإمكانه الإعلان عما أعلن عنه دون هذه الجلبة، وكأنه توصل بحكم إفراغ مع النفاذ المعجل أو أن المخازنية واقفون أمام مقر الحزب ينتظرون من الرئيس أن يخرج حقائبه ويعود إلى شارع مكة بالدار البيضاء.
وفي غابة الغرائب هاته، نزيد غريبة أخرى، وهي أن المفروض أن برلمان الحزب هو أعلى سلطة تقريرية، وأنه هو الذي صادق على التمديد لهياكل الحزب، وأن الرئيس استند إلى المادة 34 من قانون هذا الحزب، فأي مادة في هذا القانون تتيح لزعيم التجمعيين أن يقرر نقض قرار لبرلمانه وتقرير مؤتمر استثنائي اللهم إلا إذا كان هو فوق المؤسسات؟!
سأقول الكلمة المبنية على هذه الواضحات التي تمت في نهاية أسبوع استثنائي في حياة حزب، وفي حياة سياسية مغربية ولادة لما لا يصدقه عقل ولا يخطر على بال، وهي أن السيد أخنوش أقيل وخرج صاغراً، فاللهم إنا نسألك حسن الخواتيم.
السيد عزيز أخنوش عرف الحياة السياسية على عهد الراحل الحسن الثاني، وقد كان قريبا من وزير الداخلية الأشهر في تاريخ المغرب إدريس البصري، وعاش فترات عصيبة في بداية العهد الجديد لأنه كان محسوبا على بقايا الصدر الأعظم المقال. ورويداً رويدا، بدأ يدخل إلى دائرة القرب، ورأيناه مع مجموعة «حركة لكل الديموقراطيين» التي انبثق منها حزب الأصالة والمعاصرة، ثم بدأ حياة من الترحال السياسي المثير للشفقة منذ أن كان رئيسا لجهة سوس ماسة، فأصبح حركيا ثم مستقلا ثم من الأحرار، قبل أن يصبح رئيسا لحزب لم تكن لديه أصلا بطاقته.
ولكن الذي يعرف الأحزاب السياسية المغربية، وطبيعة من يحمل منها في عقد ازدياده اسم الحزب الإداري، يدرك أن عملية صباغة الأطر والشخصيات عادية جدا، بل هي متواصلة، بل إنه من المحتمل جدّا أن نرى اسم الرئيس الجديد لهذا الحزب، الذي خلقه الراحل الحسن الثاني، من الشخصيات النافذة التي ستصبغ في آخر لحظة بلون الحمامة الزرقاء، مع أن خزان المصبوغين في قيادة الأحرار اليوم كاف وشاف! وأكثرهم حظا لخلافة أخنوش حسب رأيي المتواضع هو السيد شكيب بنموسى. إنها سُنة حزبية يكون فيها لمن يعطي الرئاسات الحق في أن يأخذها، وفي أي وقت وبأي طريقة، كما حدث في هذا الأحد المشهود.
الآن، بعد أن عرفنا أن السيد أخنوش قد تم شكره ليغادر، تبقى أسباب هذه الإقالة معروفة على المستوى السياسي إذا دخلنا إلى خانة التحليل، إلا أن الذي لن يُعرف في نظام محكم الانغلاق هو القشة التي قصمت ظهر أخنوش ليلة السبت أو صباح الأحد، فهذا سيأخذه معه السي عزيز إلى قبره.
في هذه الزاوية، كتبت عشرات المرّات عن سياسات رئيس الحكومة والحكومة نفسها. وسأكرر وأقول إنها كانت أسوأ حكومة عرفها المغرب من حيث شعبيتها، ولم يبق أمر عزيز أخنوش كفاعل سياسي بيد معارضيه، بل نزل إلى المجتمع العميق، وتناولته حتى المغنيات الشعبيات وأصبح جزءا من أغان شعبية ساخرة! وأما على مستوى الأداء، فقد كان كارثة سياسية بكل المقاييس، وخلق زوابع اجتماعية مع الأساتذة، والطلبة الأطباء والممرضين والأئمة، والمحامين والعدول، والصحافيين الذين زكى في حقهم مجزرة للتنظيم الذاتي. وقاد تشريعيا مسلسلا تحكميا في قانون مسطرة مدنية أسقطته المحكمة الدستورية، وفي قانون الإثراء غير المشروع، وقانون الإضراب، كما قرر أكثر من دعم عمومي شكل فضائح منها دعم الكسابة الذي أكل فيه الأعيان من المقربين 13 مليار درهم دون أن يكون لهذا أثر على أثمنة اللحوم التي وصلت إلى أرقام خيالية! بل إن أخنوش زاد الطين بلة حين رفض تشكيل لجنة تقصي حقائق حول الموضوع، ووصل الأمر حد حرمان المغاربة من عيد الأضحى.
كما قاد الرئيس أكبر ورش للحماية الاجتماعية بثقوب كبرى، منها مضاعفة ميزانية التأمين الإجباري على المرض لتصل إلى 9 ملايير درهم مع إقصاء 8 ملايين مغربي من حق مكتسب في «راميد» سقط مع التحول إلى ال «أمو». وقد فشل فشلا ذريعا في أكثر الملفات حساسية وهو التشغيل، حيث وصلت البطالة في المغرب إلى نسبة غير مسبوقة تجاوزت 13٪.
وأما الصحة فإنها، في اعتقادي، الملف الذي سينهي فعلا الحياة السياسية لهذا الرجل. والمسألة بدأت منذ تشكيل الحكومة وتعيين إحدى المقربات منه، وهي نبيلة الرميلي، في الوزارة إلا أنها سجلت رقما قياسيا في المدة الأقصر للاستوزار بحيث قضت سبعة أيام بالتمام والكمال، ثم عاد الوزير الذي سبقها إلى المنصب وهو خالد آيت الطالب. ومنذ ذلك الوقت والتيار لا يمر بين الرجلين، مما أثر على تدبير القطاع تأثيرا فظيعا.
ومع التعديل الحكومي، أزاح أخنوش آيت الطالب الذي عين واليا على جهة فاس، والمشكل أنه عَيَّن في منصب حساس أحد المستخدمين في شركة زوجته «أكسال»، كما جاء برجل أعمال يشتغل في الحلويات، لا علاقة له بموضوع استراتيجي بالنسبة للدولة وهو التعليم. وكانت للقدر كلمته، وبدأت شرارة النهايات من مسقط رأس رئيس الحكومة حيث خرجت الاحتجاجات في أكادير أمام المستشفى الإقليمي بعد وفاة 8 نساء خلال الولادة بشكل متزامن، وكان هذا سببا في إشعال أكبر احتجاج اجتماعي في المغرب بعد 20 فبراير 2011، وهو حراك «جيل زد» الذي حرك 28 مدينة، ووقعت فيه انزياحات، وقتل 3 مواطنين، ومازال في المعتقل لحد الآن أكثر من ألف شاب!
في هذا الوقت، كان أخنوش قد جمع حقائبه وأصبح مدمنا على قراءة رسائل الجهات العليا، والراجح أن قراءته كانت خاطئة، فاستمر يتحدث بجرأة عن الشرعية الجديدة للحزب التي انبثقت من عبقريته! وليتها كانت كذلك. لقد كلف أخنوش بمهمة من شأنها أن تحرق أوراق المكلف بها، ولكن الرجل كان أكبر مساعد على إضرام المزيد من النيران في تلابيبه.
إن ملف تضارب المصالح كان صارخا. صفقة تحلية المياه، وصفقة توريد الفيول للمكتب الوطني للكهرباء، والقضية الأسبق المتعلقة بالمحروقات التي اكتوى بالتلاعب في أثمنتها المواطن، وأصدر فيها مجلس المنافسة قرار إدانة لرئيس حكومة المغرب، وهذا كله كان بنزينا يصبه الرئيس على نفسه وها هي النتيجة.
اليوم، هناك قرار بفصل الأحرار عن شخص أخنوش الذي فقد شعبيته وأصبح خطرا على نتائج انتخابات مازال هاجس الإسلاميين حاضرا فيها، ومع هذا يتم سحب ورقة من إخوان ابن كيران الذين كانوا يكثفون معارضتهم للحكومة في شخص هذا الملياردير.
ومهما تكن نتائج الانتخابات المقبلة التي يبدو أن الأحزاب التي تشارك فيها أصبحت كلها منهكة، فإن حكاية أخنوش، إضافة لكونها عنوانا لخصوصية في الحياة السياسية المغربية، فإنها عبرة حياة: كيف يمكن باختياراتك أن تكون مليارديرا في قمة هرم السلطة وتخرج فقيرا إلى السمعة الحسنة والعزة! ولهذا لن يأسف أحد على السيد عزيز أخنوش أو على من جاء بهم من شركاته إلى الشأن العام. والأسف كل الأسف على هذه الحياة السياسية المغربية التي كثر فيها الدجالون، وارتفعت فيها أسهم الشناقة من كل الآفاق.
يقول تعالى: «كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام» صدق الله العظيم.