يوم بيوم نور الدين مفتاح يكتب: اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة نور الدين مفتاح نشر في 5 فبراير 2026 الساعة 14 و 15 دقيقة لا يمكن وصف القرار الذي أصدرته المحكمة الدستورية بخصوص قانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلا بالتاريخي، فلأول مرة يفتي حماة الدستور في قضية تنظيم مهني، كما أنها المرّة الأولى التي تحس فيها قاعدة عامة من المجتمع بقيمة التعديل الذي جاء في دستور 2011. كان تمرينا ديموقراطيا رائعا حول موضوع مؤلم أدى إلى هدر […] نور الدين مفتاح [email protected]
لا يمكن وصف القرار الذي أصدرته المحكمة الدستورية بخصوص قانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلا بالتاريخي، فلأول مرة يفتي حماة الدستور في قضية تنظيم مهني، كما أنها المرّة الأولى التي تحس فيها قاعدة عامة من المجتمع بقيمة التعديل الذي جاء في دستور 2011. كان تمرينا ديموقراطيا رائعا حول موضوع مؤلم أدى إلى هدر زمن إصلاح ثمين بشكل مجاني، فما الذي جرى؟
لنفهم الأسباب العميقة لهذا المأزق الذي تعيشه الصحافة الوطنية، يكفي أن نطل على بعض ردود الفعل من الجهة التي كانت متطرفة في مساندة القانون الذي أسقطته المحكمة الدستورية. قالوا إننا نثمن قرار المحكمة ولكننا نلعن المعارضة التي أحالته عليها! ومهما كانت الحيثيات التي يوردونها، فيكفي هذا التقابل السوريالي بين تصفيق لحكم وإدانة للجهة التي طلبته، لنتبين هذا الخط الذي انتهج في موضوع إصلاح قطاع الصحافة بشكل من قلة الدراية، والعجرفة، والعقلية الإقصائية، والشخصنة وتصفية الحسابات الضيقة، ولي ذراع المنطق، واستعمال جميع الوسائل حتى اللاأخلاقية من أجل الانتصار لمصالح تنظيم واحد حتى ولو كان على حساب التنظيم الذاتي للمهنة برمتها.
الذي جرى هو أن المجلس الوطني للصحافة أنهى ولايته الأولى في 2022، وكنت شخصيا قد كاتبت وزير الاتصال الحالي وأنا رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، سنة قبل هذا الموعد، ليفعّل المادة 45 من قانون هذا المجلس ويدعو إلى تنظيم الانتخابات، ولكن رد فعل الوزير كان أبرد من طقس هذا الشهر.
وبدأت الأسابيع تطوى والموعد يقترب. وفي الخضم، تواصل معنا أحد مكونات المجلس ليقول إنه يحتاج إلى تمديد سنة أخرى حتى يتهيأ تنظيمه المهني لانتخابات سيخسرها لا محالة إذا نظمت في موعدها، وهناك شهود على هذا الموضوع، أحياء. كان المطلب أغرب من الخيال ولا يمكن لعاقل قبوله، آنئذ بدأت مناورات أكبر من هذه التي تجري هذه الأيام ببحر العرب، وتبدلت التحالفات، خصوصا وأنه وقع انشقاق في أوساط الناشرين، وخرجت جمعية جديدة لم يكن يناسبها أيضا إجراء انتخابات في حينها، ثم انضم إلى هؤلاء السيد الوزير الذي سيصبح جزءا من هذا التحالف الجديد الرافض، ليس للانتخابات الديموقراطية فقط، ولكن المعادي علانية، في التصريحات والبلاغات وفي الواقع، للتعددية. وفي الطريق بدأت تفبرك التبريرات، فيها المعلن، وفيها المضمر. فأما المعلن فقد أخرجوا من قبعة الساحر كون القانون لا يتضمن أي مادة تنص على كيفية إجراء الانتخابات، وهذا مجانب للصواب، وحتى لو كان الأمر صحيحا، كان بالإمكان إضافة مادّة في هذا الشأن وانتخاب مجلس جديد وتنتهي الحكاية قبل سنتين من الآن. وأضافوا أنهم لا يمكن أن ينظموا انتخابات قبل أن تعدل القوانين لأنها معيبة، وقد بينت لنا مجريات الأحداث أن المعيب الحقيقي، وبحكم من المحكمة الدستورية، هو ما جاؤوا به من مشروع لتفصيل التمثيلية على المقاس.
وأما المضمر فقد كان دنيئا، وراحوا يوزعون روايات من الخيال العلمي حول مدونة الصحافة على أنها مطبوعة بطابع العدالة والتنمية لأنها خرجت في عهد الوزير مصطفى الخلفي، وأن هذا الوزير كان متحالفا مع فيدرالية الناشرين، وأن الخطر الإسلاموي سيصبح محدقا بالبلاد والعباد إذا أجريت انتخابات سيفوز بها من سيلبس المجلس لحية غير مشذبة، وسيقضي على الصحافة الحداثية التي تنسجم مع الحكومة الحداثية برمزيها الحداثيين أخنوش وبنسعيد، وبالتالي عليهم التصدي لهذا الخطر الداهم.
هذه ليست نكتة، بل حقيقة واقع وصل فيه همّ الدفاع عن المصالح والمواقع الخاصة حدّ الجنون، مع العلم أن مشروع الخلفي ساندته مائة بالمائة النقابة في صيغتها السابقة، التي كان رئيسها عضوا في البرلمان، وعارضته في جزء غير يسير منه الفيدرالية المغربية لناشري الصحف.
الفاضح أن هذه العدالة والتنمية لو كانت قد صاغت قانونا بالشكل الذي يتحدثون عنه لما كانت أغلقت صحفها بعد صدور القانون بفعل الأزمة. بل إن لجنة الدعم رفضت إعطاء الدعم لموقع تابع لحزب المصباح والوزير هو رئيس هذه اللجنة! وأكثر من هذا، أن مدونة الخلفي جاءت بناء على تراكم بدأ منذ مناظرة 1993 ثم ملتقى الصخيرات في عهد نبيل بنعبد الله، ثم الحوار الوطني حول الإعلام الذي نظمه البرلمان وقاده ذ. جمال الدين الناجي، فاللجنة العلمية التي ترأسها الراحل محمد العربي المساري، وكان لي شرف عضويتها إلى جانب قامات لا أطالها كالأستاذ مشيشي العلمي والراحل عبد العزيز النويضي. والأكثر من هذا أيضا أن هذه المدونة خرجت بمقاربة تشاركية وصوت عليها البرلمان بالإجماع، بما في ذلك الأحزاب التي كانت في المعارضة ومنها من يقود وزارة القطاع اليوم.
بهذه التبريرات، تم خلق تحالف قال صراحة في تصريحات ماتزال مسجلة إن هناك تنظيما «أوحد» وجمعية وحيدة هي الممثل الحصري للمهنة، وهي التي ستقود كل شيء! والغريب أن كل ما جرى سار في هذا الاتجاه، وسأعطي مثالا واحداً لتقريب صورة هذه الكارثة: تم توقيع اتفاق اجتماعي – وليس اتفاقية اجتماعية – بين النقابة والجمعية بمقر الوزارة. وبغض النظر عن مضمونها الذي يجعل المؤسسة التي تحصل على 5 ملايير كدعم تقدم زيادة للصحافيين مماثلة لمقاولة تحصل على 3 ملايين في السنة ! التقينا الوزير، وسألناه عن السبب الذي جعله لم يستدع الفيدرالية، فقال: «إن الجمعية رفضت حضوركم؟!». فهمنا حينها أن الوزير أصبح فاعلا جمعويا وأن الموقعين أصبحوا فاعلين وزاريين. كان هذا الزمن رغم هذه المجزرة للتشاركية أحسن بكثير مما سيأتي بعده، حيث إن الوزير لم يستقبل قط الفيدرالية منذ أن ترأسها الزميل محتات الرقاص قبل ثلاث سنوات تقريبا.
من هنا نفهم القيمة الذهبية لحيثيات قرار المحكمة الدستورية التي شددت على التعددية كقيمة دستورية وأسقطت المادة 49 بسببها. «… لا يجوز للمشرع مخالفة الأسس الديموقراطية لتنظيم هذا القطاع، المستفادة من أحكام الفصل 28 من الدستور، ومخالفة ضمان التعددية التمثيلية المنصوص عليها في الفصل الثامن منه، قصد وضع مقتضيات من شأنها أن تؤدي إلى انفراد منظمة مهنية واحدة بالتمثيل». قرار المحكمة هذا كان يدين خمس سنوات من تدبير القطاع بشكل إقصائي وليس مادة واحدة فقط.
بهذا المخطط البئيس، تم التمديد للمجلس لمدة 6 أشهر على أن تجري الانتخابات بعدها، ولم يتم ذلك بناء على الكولسات التي لم يحسب أصحابها الدمار الذي ستخلفه في ما بعد. والغريب أنهم يتباكون اليوم بخصوص أوضاع العاملين بالمجلس والصحافيين وبطائق الصحافة، وهم من تسببوا فيها. لقد أنشأوا لجنة مؤقتة لتسيير شؤون الصحافة أعطوها سنتين لتقدم تصورا لتطوير القطاع، وكانت هذه اللجنة تضم طرفا واحداً، وهذا مثال مضحك مبكي: كان يجب أن يكون رؤساء اللجان ضمن هذه الهيئة الجديدة، ولكنهم ألغوا لجنتين لأن رئيسيهما كانا من الفيدرالية! وكان على رئيس الحكومة أن يعين ثلاثة خبراء في الإعلام يقال إنه مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، فعين اثنين من نفس الجمعية وكانا من ضمن أبطال الفيديو التاريخي المعنون ب «إش .. إش». قضى هؤلاء سنتين ليقدموا هذا الإصلاح الخارق الذي قالوا إنه سيقطع مع من يدعون أنهم رهنوا القطاع لعقود، فكانت النتيجة التي تبناها الوزير وقدمها في شكل قانون، هي ما فجر رد فعل مجتمعي وإجماعي على النص الذي أدخل، لأول مرة في تاريخ التنظيم الذاتي عبر العالم، رقم المعاملات كمعيار لانتداب حراس أخلاقيات المهنة! وكوارث أخرى رفض الوزير بشكل أعمى تعديلها، وتشبث بها في إطار تحالفه المقدس تشبث الغريق بطوق النجاة.
وفي الخضم، كان كل شيء في القطاع يؤمم لجهة واحدة، وأصبحت للملاعب بطاقات خاصة بجمعية، في ضرب صارخ لسلطة المجلس الوطني للصحافة، ولاختصاص الجمعيات الرياضية العريقة، وفصلت معايير الدعم العمومي على المقاس، وكان على الوزير أن يعين في اللجنة ناشرين اثنين، فعينهما من نفس الجمعية. ولسنوات جعل رئاسة لجنة جائزة الصحافة لأعضاء من نفس الجمعية، حتى ولو كانوا مجرد مسيرين بعيدين عن فنيات المهنة، واللائحة طويلة طول هذه المأساة.
من هنا يجب فهم ما جرى في المحكمة الدستورية: القضية ليست ما هي المواد التي أسقطت وما هي تلك التي لم تسقط. القضية هي أن هذا التيار الهيمني المصالحي الاستكباري قد سقط دستوريا، وسقط سياسيّا، فلسفته سقطت، وسقطت كل هذه المناورات الجهنمية التي دامت لنصف عقد، وقد خلفت قطاعا إعلاميا متشرذما غارقا في التفاهة، اجتماعيا مأزوم، واقتصاديا هو في حكم المفلس، وأخلاقيا يكفي أن نستحضر الفيديو المسرب للتشيطين والتغياز لنقف على حجم الضرر الذي أصاب الصحافة اتجاه المجتمع، والذي لا يمكن أن يتم جبره إلا بعد عقود. والغريب أن من كانوا وراء المقود في هذه الحادثة المميتة مازالوا يعطون الدروس في حسن القيادة!
واليوم، باستثناء تنظيم مهني واحد، كل الجسم الصحافي ضد هذا المسار وليس قانون المجلس فقط، فكيف تدعي الحكومة أنها تشرع للتنظيم الذاتي للمهنة؟ واليوم، المجتمع برمته ضد هذا المسار، ومجلسان دستوريان ومحكمة دستورية، ورغم ذلك مازال هناك من يعاند بمنطق «ولو طارت فهي معزة»؟!
أتمنى أن تعود الأمور إلى نصابها بعد كل هذا الخراب الذي سببته الأنانيات والاستعلاء المهني والسياسي. والحمد لله أن مناعة المجتمع كانت أقوى من اندفاع المستهدفين لحقه في إعلام متعدد وجاد ومهني ومستقل ومرفوع الرأس. فاللهم إنا نسألك حسن الخاتمة.