في ظرف أقل من 48 ساعة، شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيدا غير مسبوق بعد الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، في خطوة اعتبرها خبراء سياسيون بداية لجولة جديدة من النزاعات الإقليمية التي تتجاوز مجرد الملف النووي.
في هذا الصدد، أكد عبد العلي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الهجوم كان متوقعا في ظل التلويح الأمريكي بضربة عسكرية ضد إيران وفي ظل شعور إسرائيل بتهديد دائم من إيران، التي تمتلك ترسانة عسكرية وصاروخية معتبَرة، وتعتبر نفسها قوة إقليمية منافسة في المنطقة في الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل أن تتحول إلى الفاعل الإقليمي الوحيد، وأن أي منافس، خصوصا إيران، يمثل تهديدا وجوديا لأمنها، خصوصا في ظل العقيدة السياسية لقادة الجمهورية الإيرانية القائمة على العداء لإسرائيل باعتباره دولة احتلال.
وأوضح حامي الدين في حديث ل"الأيام 24″ أن الاستراتيجية الإسرائيلية تعتمد على الحرب كأداة حاسمة لضمان تفوقها الإقليمي، معتبرة أن رؤيتها قائمة على أساس أن أي تساهل قد يؤدي إلى تقليص نفوذها أو تهديد وجودها، خصوصا من طرف إيران التي تمتلك برنامجا صاروخيا متطورا وبقدرتها أيضا تطوير برنامجها النووي مستقبلا ، مشيرا إلى أن حرب الاثنى عشر يوما في السنة الماضية التي شنتها إسرائيل بدعم كامل من أمريكا، استهدفت بشكل واضح قيادات النظام الإيراني، بما في ذلك علماء نوويون ومستشارون سياسيون، في خطوة تشير إلى أن الهدف هو إضعاف النظام ومحاولة إحداث شرخ داخلي يمكن استغلاله مستقبلا وليس مجرد الحد من تطوير إيران لقدراتها النووية.
وأشار حامي الدين إلى أن المفاوضات الإيرانيةالأمريكية في عمان وجنيف أسفرت عن اتفاق مبدئي يقضي بعدم تجاوز مستوى تخصيب اليورانيوم 20%، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يمثل تنازلات كبيرة من طرف إيران، لكنها لم تنجح مع ذلك في تجنب الهجوم الإسرائيلي الامريكي ، مما يعكس أن القرار العسكري كان مدفوعا برغبة إسرائيلية أكثر من كونه أمريكيا صرفا.
وأكد المتحدث أن إيران الآن تتعامل مع الهجوم الأخير باعتباره حربا وجودية، ولذلك تستخدم فيه جميع أوراقها، بما في ذلك استهداف القواعد الأمريكية في الخليج، وذلك لتحقيق هدفين: منع هذه القواعد من أن تتحول إلى منصات هجوم ضد إيران مستقبلا، وإثارة التساؤلات لدى الرأي العام الخليجي حول جدوى وجودها على أراضي دول عربية إذا لم تكن قادرة على حماية أراضيها من التدخلات الخارجية، وهو ما سيخلق ضغوطا على الولاياتالمتحدة عبر حلفائها العرب.
وأضاف أن العالم العربي في هذه المعادلة يبدو غير فاعل، وأن التصريحات حول الرد على الصواريخ الإيرانية تمثل خطابا إعلاميا أكثر منها تحركا عمليا قادرا على التأثير في مجريات الأحداث.
وأشار حامي الدين أيضا إلى البعد الديني والرمزي في الاستراتيجية الإسرائيلية، موضحا أن تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التي أعادت استحضار معارك تاريخية تعود إلى ازيد من 2500 سنة مثل معركة هامان ومردخاي، والتي تعكس منظورا دينيا وتاريخيا يُستغل لتعبئة الرأي العام اليهودي، ويبرر ضرب المنافسين الإقليميين، وعلى رأسهم إيران، لضمان أمن إسرائيل على المدى الطويل.
وحول مسار الحرب، يرى حامي الدين أن إسرائيل ستسعى لتحقيق أهدافها المتمثلة في تغيير النظام الإيراني ولو تحولت المواجهة إلى صراع متوسط الأمد، بينما الإدارة الأمريكية لا تميل إلى خوض حروب ممتدة، ضمانا لعدم الاصطدام بالرأي العام الأمريكي وبالقاعدة الانتخابية للرئيس التي تمثلها حركة ماكا والتي يبدو جزء كبير منها رافض للحروب الخارجية انسجاما مع شعار "أمريكا أولا"، متوقعا أن إيران إذا نجحت في إبراز قدراتها على تحمل هذا الهجوم لمدة طويلة رغم الخسائر الكبيرة، مع استمرار الهجمات الصاروخية على الأهداف العسكرية الأمريكية والإسرائيلية فهذا سيكون عاملا حاسما في الإسراع من أجل توقيف التصعيد والبحث عن التهدئة، فيما ستحاول أمريكا أن تروج لسردية النجاح في القضاء على القوة العسكرية الإيرانية وإضعاف النظام الإيراني، لتنطلق مرحلة جديدة لتوزيع النفوذ في المنطقة على ضوء النتائج الحقيقية للحرب.