انتخاب أعضاء مجالس العمالات والاقليم ومجلس المستشارين    مكتب السياحة يطلق هذه المبادرة للاحتفاء بالعاملين في القطاع    صحيفة بريطانية تكشف تفاصيل تشييد أطول كابل كهربائي عبر البحر في العالم بين بريطانيا والمغرب    عطل يوقف تطبيق المراسلة "سيغنال"    مصر تستعد لفيضان نهر النيل لم يحدث منذ 100 عام    النادي السالمي يستقبل "لوصيكا" في مباراة الصاعديْن الحديثيْن ل"القسم الأول"    راحت ضحيتها ممرضة..جريمة قتل بشعة تهز مستشفى بالدار البيضاء    لعمامرة يهاجم المغرب ويُلمّع صورة العسكر الجزائري على قناة CNN الأمريكية..    أرباب مقاولات البناء يتوقعون ارتفاع نشاط القطاع خلال الفصل الثالث لسنة 2021    بمساعدة خبير دولي.. مديرية الأمن تجري عملية افتحاص لمصلحة تحديد البصمة الوراثية    اللجنة الثلاثية تُنهي صياغة مسودة البرنامج الحكومي وتعرضها للنقاش على زعماء الأغلبية    "ترانسبرانسي المغرب" تدعو السلطات القضائية إلى فتح تحقيقات في "الخروقات" التي شابت العملية الانتخابية    نتائج مؤقتة.. الحزب الاشتراكي الديموقراطي بألمانيا يفوز بالانتخابات التشريعية بنسبة 25.7% من الأصوات    المغرب يحصل على صواريخ JSOW الأمريكية المدمرة    خطوة تشعل الجدل.. مصر تفرض ضرائب على صناع محتوى الإنترنت    الأردن يعلن إعادة فتح حدوده مع سوريا لتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية    بسبب دعمها لمغربية الصحراء.. الرئيس الجزائري "تبون" يهاجم الصحافة الموريناتية    تصريح الركراكي يخلف جدلا كبيرا بين متابعي البطولة    فاندربروك ينتقد التحكيم في مباراة نهضة بركان ويقدم طلبه لمسؤولي الجيش الملكي    طبيب المنتخب المغربي يتواصل مع النصيري قبل إعلان وحيد عن اللائحة    إبينغي: نستحق التعادل ولكن لسنا سعداء    التحالف الثلاثي يتخلى عن حزب الاستقلال بمراكش    أحوال الطقس غدا الثلاثاء.. أجواء مستقرة في معظم المناطق    السلطات الإسبانية تمدد مجددا إغلاق منافذ سبتة ومليلية شهرا إضافيا    أساتذة التعاقد يرفعون شعار "المقاطعة" في وجه الوزارة بسبب سياسة الآذان الصماء    كورونا.. خبير مغربي يعلّق على إمكانية العودة إلى الحياة الطبيعة    'المغرب.. مملكة الذوق الرفيع': ساكنة نيويورك تكتشف 'أذواق' الثقافة المغربية الأصيلة    بسبب المردودية.. وزارة التربية الوطنية تلجأ لاختبارات لتقويم مستوى أساتذة المواد غير اللغوية    ترتيب المغرب عربيا من حيث عدد الجرعات المقدَّمة ضد "كوفيد-19"..    بينهم سيدة وقاصر .. إنقاذ قارب على متنه 58 مغربيا مرشحا للهجرة السرية    لعمامرة يناور من جديد ويدعو إلى استئناف المفاوضات حول الصحراء المغربية    صدور كتاب "تقسيم فلسطين، من الثورة الكبرى إلى النكبة" للمؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي    كوفيد-19... تسجيل أزيد من 8 ملايين حالة إصابة مؤكدة في القارة الإفريقية    هذا هو موعد الإعلان عن الحكومة الجديدة بعد وضع أخنوش اللمسات الأخيرة    رئيس فايزر : الحياة الطبيعية ستعود خلال عام ومن المرجح تلقي جرعة سنوية من اللقاح    عضو باللجنة العلمية للحكومة: لماذا تمنعوننا مما يتمتع الملقحون في البلدان الاخرى؟".    قصة قصيرة: الجَد وحفيدته    مقياس Opensignal العالمي: اتصالات المغرب تواصل تفوقها داخل المملكة في خدمات الهاتف النقال    مشروع هام لمواجهة الفيضانات بالحسيمة    هذه حقيقة وفاة الفنان الكوميدي عبد الرؤوف    هذه حقيقة ارتداء نجمة "أراب غوت تالنت" الحجاب    فيروس كورونا: متوسط العمر المتوقع انخفض بسبب الجائحة… فماذا يعني ذلك؟    ميادة الحناوي ترد على خبر إصابتها بالزهايمر    الجزائر تستعد للحاق بقوة المغرب وتشتري 24 طائرة مسيرة "درون وينغ لونغ 2′′ من الصين    الداخلة.. عودة تدريجية لأنشطة المطار    إحباط محاولة تهريب أزيد من 106 ألف أورو بميناء طنجة المتوسط    «أمينوكس» و«بيغ» يطرحان كليب «العائلة»    ترشيح الممثلة المصرية منة شلبي لجائزة «الإيمي» العالمية    أولمبيك خريبكة يحقق فوزه الأول بعد العودة إلى قسم الصفوة    المنظمة العلوية لرعاية المكفوفين تحتفي بالأبطال البارالمبيين    البطل التاريخي في السومو هاكوهو يقرر الاعتزال    قال إن المملكة تحت قيادة جلالة الملك، لطالما برهنت عن حس ابتكاري في معالجة قضية الطاقة بوريطة: المغرب يطمح لأن يصبح فاعلا رئيسيا في إنتاج الهيدروجين الأخضر    التعرف على الله تعالى من خلال أعظم آية في كتاب الله: (آية الكرسي)    كورونا بالمغرب.. تراجع ملحوظ في عدد الإصابات ومطالب بتخفيف الإجراءات    تشبها بالرسول دفن شيخ الزاوية "الديلالية" بمنزله رغم المنع    "الجهر الأول بالدعوة والاختبار العملي للمواجهة المباشرة"    حقيقة لفظ أهل السنة والجماعة (ج2)    مستفز جدا..قراءة آيات من "سورة المنافقون" لإغاضة الخصوم السياسيين بطريقة أشعلت الفايسبوك (فيديو)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إسلاميات… في أسباب أسلمة الخطاب الصوفي المغربي
نشر في الدار يوم 29 - 04 - 2021

توقفنا في مقالة سابقة عند حالة دينية شاذة على العمل الصوفي في المغرب، والمنطقة بشكل عام، وإن كانت أولى بوادرها قد ظهرت في مصر، مباشرة بعد اندلاع أحداث "الفوضى الخلاقة" ابتداءً من يناير 2011، والحديث عما اصطلحنا عليه ب"أسلمة الخطاب الصوفي"، أي تورط بعض الأقلام المحسوبة على الخطاب الصوفي في الإدلاء بمواقف سياسية ودينية لا تختلف عن المواقف الصادرة عن الحركات الإسلامية، بما في ذلك الحركات الإسلامية السياسية و"الجهادية".
وقصدنا حينها الحالة المغربية بالتحديد، حيث توقفنا عندما نموذجين اثنين:
أحدهما للباحث حمزة الكتاني، ابن العائلة الكتانية التي أنجبت العديد من العلماء في ما مضى، والذي رغم إشادته بالعمل الصوفي، إلا أن بعض مواقفه السياسية والدينية تبدو شاذة عما يُميز الخطاب الصوفي، ومن ذلك تفاعله مع أجواء الحجر الصحي الخاص بليالي رمضان، والتي صنفها، ضمن مؤشرات أخرى، توقف عندها في مقالة نشرت في حسابه الرسمي على موقع "فيسبوك"، بأنها تندرج ضمن "الحرب على الله ورسوله" (في الواقع، مثل هذا الخطاب يكشف عن عدم التفطن إلى مقتضى الدين، أقله عدم الوعي بمقتضى قاعدة كونية وأزلية، جاءت في الأثر، مفادها أن للبيت رب يحميه).
أما النموذج الثاني، فكان مع المفكر طه عبد الرحمن، والذي اشتهر بالاشتغال على قضايا الأخلاق والتصوف، بل كان عضواً في طريقة صوفية، قبل الانفصال عنها، وطالما حرّر أعمالاً تدور في فلك التصوف، ابتداءً من كتابه "العمل الديني وتجديد العقل"، الذي ألفه في عز الانتماء للطريقة الصوفية التي كان عضواً فاعلاً فيها، إلى غاية كتابه "روح الدين"، والذي إن تضمن عدة مواقف سياسية، وبعضها يتقاطع مع خطاب المودودي وسيد قطب في قراءة مفهوم الحاكمية، إلا أن الكتاب، بقي في مجال الاشتغال النظري، وقلة من سيشتغل عليه أخذاً بعين الاعتبار معضلة المصطلحات التي تعج بها، ومحددات أخرى ليس هذا مقام التفصيل فيها.
يُعتبر هذا الكتاب، أولى محطات التحول في مواقف طه عبد الرحمن، وقد تزامن صدوره مع انسحابه من الطريقة الصوفية التي كان ينتمي إليها، وجاءت أولى التحولات الصريحة في مواقفه السياسية، مع كتابه "ثغور المرابطة"، الذي يتقاطع مع كتاب "روح الدين"، وكان ممكناً التعامل معه بنوع من التجاهل النسبي كما جرى مع "روح الدين" لو إنه بقي في الاشتغال النظري المجرد، إلا أن الأمر كان خلاف ذلك، حيث تضمن الكتاب أحاكماً سياسياً لم يتوقعها أغلب من كان يتابع أعمال طه عبد الرحمن، مع تسمية بعض الدول بالإسم، كما لو إنا إزاء مواقف بعض فضائيات الساحة المنخرطة في صراع المحاور السياسية والاستراتيجية، من قبيل المحور القطري التركي الإيراني، الذي يختلف مع المحور السعودي الإماراتي المصري، مع أن هذه صراعات قابلة للزحزحة، كما تمّ ذلك فعلاً خلال الآونة الأخيرة، مع الإعلان الرسمي عن المصالحة السعودية القطرية بداية، والإعلان لاحقاً عن المصالحة المصرية التركية.
يُعتبر هذا الكتاب، أولى محطات التحول في مواقف طه عبد الرحمن، وقد تزامن صدوره مع انسحابه من الطريقة الصوفية التي كان ينتمي إليها، وجاءت أولى التحولات الصريحة في مواقفه السياسية.
غاب هذا الوعي بتقلبات المواقف السياسية لصانعي القرار السياسي في كتاب "ثغور المرابطة"، وحضرت بالمقابل مجموعة من الأحكام التي تنتصر لمحور على حساب آخر، من قبيل شيطنة دول منخرطة في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مقابل التنويه بدولة تتفوق على دول المنطقة في التطبيع نفسه، أو شيطنة دول خليجية لأنها "متحالفة مع أعداء الأمة"، (كذا)، مقابل الصمت عن الدولة التي تضم أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج، والتي تنطلق منها الطائرات الأمريكية لقصف بعض الدول الإسلامية، وقلاقل أخرى، صعب أن يستوعبها أي متتبع لأعمال مفكر يشتغل على قضايا التصوف والمنطق.
كان متوقعاً إذن، أن يحظى ذلك الكتاب باحتفاء الأقلام البحثية الإخوانية، داخل وخارج المغرب، بل وصل الأمر بأحد أتباع المشروع الإسلاموي في المغرب، ممن تعود على نشر مقالات في التحليل السياسي، والدفاع عن رئيس الحكومة السابق، "الإسلامي" عبد الإله بنكيران، و"النضال" في الجبهة الإعلامية والبحثية دفاعاً عن المشروع الإخواني، أن نشر حلقتان حول الكتاب في موقع رقمي لندني، من المواقع المحسوبة على أحد المحاور السياسية والاستراتيجية في المنطقة، مع أنه لم يسبق له قط أن اشتغل على إصدارات صاحب "العمل الديني وتجديد العقل"، والأمر نفسه مع أقلام أخرى، تنهل من المرجعية الإخوانية، فهذا أمر متوقع مع العقل الإخواني الذي لديه قابلية التحالف مع أي كان، دفاعاً عن مشروعه الديني الإيديولوجي.
كان متوقعاً إذن، أن يحظى ذلك الكتاب باحتفاء الأقلام البحثية الإخوانية، داخل وخارج المغرب، بل وصل الأمر بأحد أتباع المشروع الإسلاموي في المغرب.
وعموماً، وحتى يأخذ المتلقي عن تبعات هذا التحول العلني في مواقف طه عبد الرحمن، يكفي أن يأخذ بعين الاعتبار أنه لو انخرط في قراءة التفاعلات التي تلت صدور العمل، ونتائجه محلياً وإقليمياً على مشروعه، ما كان يتردد في عدم إصدار العمل أساساً، وليس هذا مقام التدقيق أيضاً، لأن ما يهمنا في هذه المقالة، ما يُشبه البحث عن أسباب هذه الظاهرة التي يمر منها الخطاب الصوفي في الساحة المغربية، بعد أن مرّت منها الساحة المصرية منذ حوالي عقد، عندما انخرطت بعض القيادات الصوفية في ما يُشبه إعلان الولاء للمشروع الإخواني، مباشرة بعد أحداث 2011، قبل أن يتضح أن الأمر يهم حالات فردية، ولا يهم بالضرورة أهل الطرق الصوفية.
نزعم أنه من الصعب الظفر بأجوبة نهائية حول السؤال أعلاه: ما هي أسباب هذا التحول لدى بعض الفاعلين الصوفيين في مواقفهم، بالصيغة التي تجعل من هذه المواقف، كما لو كانت صادرة عن التيار الإسلامي الحركي، وليس عن أهل التصوف؟
يمكن حصر أهم أسباب الظاهرة في ثلاث اتجاهات على الأقل:
1 يتعلق الاتجاه الأول بحالة إنسان تبنى العمل الصوفي، وربما أصبح عضواً في طريقة صوفية، بشيخ وذكر وورد وحضور جلسات، ولكن لم يكن محصناً بما يكفي من الدعاية الإسلاموية قبل اعتناق العمل الصوفي، بحيث بقي تأثير الخطاب الصوفي عليه متواضعاً أمام تأثير الدعاية الإسلاموية. [نتحدث هنا عن حالة من باب الاستئناس، وبالتالي يمكن تعميم النموذج على عدة حالات في الساحة، والأمر نفسه مع الاتجاهين الثاني والثالث].
2 يتعلق الاتجاه الثاني بحالة عضو في طريقة صوفية، ولكنه قادم من حركة إسلامية، وخاصة الحركات الإخوانية التي تولي الجانب السياسي مكانة أكبر مقارنة مع الجماعات السلفية و"الدعوة والتبليغ" والطرق الصوفية"، ولكن رغم انضمامه للعمل الصوفي، ودفاعه عنه، إلا أنه يتفاعل بين الفينة والأخرى مع قضايا الساحة بصيغة لا تختلف عن تفاعل أتباع الحركات الإخوانية، لأنه لم يتحرر نهائياً من تأثير التربية الإخوانية، أو تأثير النهل الإيديولوجي الإخواني.
يتعلق الاتجاه الثاني بحالة عضو في طريقة صوفية، ولكنه قادم من حركة إسلامية، وخاصة الحركات الإخوانية التي تولي الجانب السياسي مكانة أكبر مقارنة مع الجماعات السلفية و"الدعوة والتبليغ" والطرق الصوفية".
3 وأخيراً، يتعلق الاتجاه الثالث بحالة فاعلين صوفيين، مما يمكن الاصطلاح عليه بالنخبة الصوفية [رغم أن هذا المصطلح لا يُفترض أن يكون في العمل الصوفي، ولكن التحولات التي يمر منها التصوف، أفضت إلى حديث عن نخبة، تستفيد من الريع أو الامتيازات، سواء في الطرق الصوفية أو المؤسسات الدينية، ونعاين عدة أمثلة في الساحة المغربية]، وبحكم الشعبية التي تحظى بها القيادات الإخوانية لدى الأتباع، والرغبة من الاستفادة العملية والرمزية من تلك الشعبية، نعاين تورط بعض هذه "النخب" الصوفية، في التقرب من المشروع الإخواني. نقول هذا أخذاً بعين الاعتبار الحضور الإسلاموي الكمي في المؤسسات الدينية والتعليمية والمراكز البحثية، سواء كان حضوراً صريحاً، يُعلن عن مرجعيته الإيديولوجية، أو كان يُمارس التقية، وهو سائد بشكل كبير في الساحة المغربية.
لا نستبعد أن تكون هناك اعتبارات أخرى، غير الاعتبارات الثلاثة أعلاه، من قبيل الاعتبارات النفسية، أو المزاجية، ولكنها تبقى حالات خاصة مقارنة مع ثقل وأهمية الاعتبارات الثلاثة سالفة الذكر.
والله أعلم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.