نهائي "كان 2025": عقوبات تطال السنغال والمغرب ولاعبين بارزين        عقوبات صارمة من الكاف بعد نهائي كأس إفريقيا 2025 بالمغرب    بعد انجراف للتربة.. تدخلات ميدانية تعيد فتح طريق كورنيش مرقالة بطنجة    رغم السقوط المدوي أمام الأرسنال... سيدات الجيش الملكي يرفعن راية العرب وإفريقيا في سماء    6 مليارات مشاهدة تُكرّس نسخة المغرب الأكثر متابعة في تاريخ كأس أمم إفريقيا    كريستين يشلّ حركة العبور البحري بين إسبانيا وطنجة    رد قانوني حازم من المغرب على اتهامات رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم    بعد تهديدات ترامب لإيران.. وزير الخارجية التركي يؤكد إستعداد طهران لإجراء محادثات حول برنامجها النووي    مجلس الحسابات يكشف متابعة 154 رئيس جماعة و63 مدير مؤسسة عمومية    السلطات ترفع حالة التأهب بعد ارتفاع منسوب وادي اللوكوس    من سانتياغو إلى الرباط    افتتاح السنة القضائية الجديدة بمراكش    غياب أخنوش عن اجتماع العمل الملكي يكرس واقع تصريف الأعمال    سلطات مقريصات تتدخل بشكل عاجل عقب انهيار صخري بالطريق المؤدية إلى وزان    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    عالم جديد…شرق أوسط جديد    المجلس الأعلى للحسابات: ميزانية سنة 2024: ضغط على النفقات رغم تحسن في الموارد مما استلزم فتح اعتمادات إضافية بقيمة 14 مليار درهم    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    أكاديمية المملكة تُعيد قراءة "مؤتمر البيضاء" في مسار التحرر الإفريقي    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    صعقة كهربائية تنهي حياة شاب ببرشيد    العصبة الاحترافية تقرر تغيير توقيت مباراة اتحاد طنجة والكوكب المراكشي    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    المجلس الوطني..    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    تدخل ميداني سريع لجماعة مرتيل عقب سقوط أشجارا إثر رياح قوية    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    نشرة إنذارية.. أمطار قوية ورياح عاصفية الأربعاء والخميس بعدد من مناطق المملكة    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    الصين تسجّل 697 مليون عملية دخول وخروج خلال 2025    لأول مرة السيارات الكهربائية تتجاوز مبيعات البنزين    الجبهة المغربية لدعم فلسطين تعلن انخراطها في يوم عالمي للنضال من أجل الأسرى الفلسطينيين        الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط    توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"    الذهب يواصل ارتفاعه الكبير متجاوزا 5200 دولار للمرة الأولى        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كارلوس فوينتس: 05
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 15 - 07 - 2016

توفي كارلوس فوينتس يوم 15 ماي 2012 عن سن الثالثة والثمانين. كانت « لير » إلتقته سنة 2009، وتكريما لذلك « المكسيكي الكوني»، نقترح ترجمة للحوار الذي كانت أجرته معه، وهو الحوار حيث تكلم الكاتب عن حب بلاده وعن فن الكتابة.
باعتباره من بين كبار المقدسين في الأدب الأمريكي اللاتيني، يظل كارلوس فوينتس بالتأكيد الكاتب المكسيكي الأكثر شهرة والأكثر مقروئية في العالم. من « وفاة أرتينيو كروز » إلى « ديانا أو الصياد الوحيد »، حيث يحكي علاقته المولعة بالممثلة جان سي بيرغ، يتضمن إنتاجه الطموح قرابة ثلاثين رواية، عشر دراسات، مجاميع قصصية ونصوص مسرحية. فكثيرا ما كانت شهرته مصدر فخر لمواطني بلده، وهو لا يتباهى بذلك ويواصل حمل الكلمة الأدبية الرفيعة، والسياسية أيضا، لأنه معني جدا بالوضعية الكارثية لبلده.
يستقبل الدبلوماسي السابق في بيته بمكسيكو بحفاوة - يقضي النصف الأخر من السنة في لندن -، وهو عبارة عن بيت متكتم، ليس مخبأ بحراس خاصين مدججين بالسلاح. يظل متميزا دائما، و مثقفا كبيرا ومتألقا. يبدو أكثر حميمية مما نتصوره، غريبا أيضا ولا يقاوم وهو يقلد ممثلي التيلي نوفيلا !
تسكن « المايسترو » في الغالب طاقة فريدة، الطاقة التي تروي كل واحدة من صفحات كتابه الجديد الصادر باللغة الفرنسية، « سعادة الأسر »، مجموعة من ست عشرة قصة مذهلة حول مكسيك الأمس ومكسيك اليوم، تنقطها أحداث تقطع المسار حيث العنف يصرخ بكل قوة. إنه عنف يحيل الكاتب، بلا شك، على ألأمه الخاصة، فقدان ابنيه: توفي ابنه الحامل لفيروس السيدا نتيجة عملية نقل للدم سنة 1999 وهو في الخامسة والعشرين؛ و توفيت ابنته ناتاشا في حي سيء السمعة بالعاصمة سنة 2005، وهي في التاسعة والعشرين وحبلى في شهرها السابع... إلا أن ذكراهما هي التي تجعل عملاق الأدب المكسيكي يظل صامدا، مستقيما.
o كيف أمكن للعنف أن يبلغ درجة الحدة هاته في المكسيك؟
n لأسباب عدة. لأن البلد كبر كثيرا. فبعد الثورة، انتقلنا من 14 مليون إلى 20 مليون نسمة. وقتها كان هناك شعار إعلاني يقول: « لا يمكن لعشرين مليون مكسيكي أن يخطئوا «. أما اليوم، فيبلغ عدد السكان 110 مليون مواطن. و قد تضاعف العدد لأن لدينا صحة أفضل، وقاية أفضل، عدم وجود صراع مسلح، لأن البلد يتوفر على موارد طبيعية هامة؛ بإيجاز، لأسباب عديدة. إلا أن هناك ثابتة في المكسيك: الفقر دائما وأبدا. كما كان هومبولدت يقول سنة 1801: « المكسيك هو بلد الظلم «. إنه بلد المتسولين الجالس على جبل من ذهب. فالتفاوتات الاجتماعية وسوء إعادة توزيع الثروات من أخطر ما تعيشه المكسيك، والوتيرة لا تكف عن الارتفاع. السبب الثاني الذي جعل البلد يدخل لولب عنف درامي، هو الاتجار في المخدرات. بإمكاننا، على الأقل، مراقبة هذه التجارة، التي أذكر أنها ترتبط بشكل مباشر بطلب أمريكا الشمالية، ولو بشرعنة استهلاك المخدرات...
o كان د.ه. لورانس يقول: « لا مكان يشبه المكسيك من حيث تجاور العنف و الحنان عن قرب «. أليس ذلك رأيك أنت أيضا؟
n بالفعل، هناك حنان كبير في المكسيك، شعبها رائع. وهنك قسوة كبيرة كذلك، إلا أن الأمل يظل قائما بأن البلد سيتحسن بفضل الروح الطيبة للشعب المكسيكي. إلا أن الوضعية ازدادت تدهورا. وأنا لا أزال شابا، كان بإمكاني الذهاب إلى مقاهي وكاباريهات مكسيكو حتى حدود الثالثة صباحا وأعود إلى بيتي راجلا وبكل اطمئنان. أما اليوم، فأنا لا أجازف حتى بالذهاب وحيدا إلى زاوية الشارع. علينا، وبكل إلحاح، أن نبتكر حداثة مكسيكية حيث يشتغل القانون والعدالة. إلا أن ذلك سيتطلب منا الكثير من الوقت ومن العمل. سأكون رحلت قبل أن أرى النتيجة.
o القصة الأولى في « سعادة العائلات « تتناول تيمة الفساد في المكسيك: هل يستحيل التخلص منه فعلا؟
n ليس الفساد وقفا على المكسيك. إنه موجود في جميع بلدان العالم، بما فيها فرنسا. تكمن المشكلة في استحالة الإشارة إليه ومحاربته. يعتبر الفساد، في المكسيك، تقليدا قديما جدا، يرجع إلى الأزتيكيين، وقد انتشر في عهد الحكم الإسباني، خلال عهد الجمهورية، إلخ. إلى حد أن الاستقامة أصبحت هي الاستثناء في المكسيك. خلافا للولايات المتحدة حيث الفساد هو الاستثناء. هناك، بمجرد أن تثار قضية فساد، تكون هناك محاكمة. ليس الأمر كذلك في المكسيك. علينا إذن أن نخلق ثقافة محاربة الفساد الذي يلحق بنا ضررا كبيرا. ويتطلب الأمر محاربة إرث قرون كثيرة. إضافة إلى أنه البلد حيث توجد فوارق طبقية كثيرة، بما أن المكسيك يعتبر بلدا فاسدا بالتحديد.
o ألا تساهم جبرية المكسيكيين أيضا في سير البلد نحو الضياع؟
n أجل، بالفعل. إلا أن هناك أمرا آخر له أهميته وهو معارضة الجبرية. في معظم كتاباتي، هناك لعنة تؤثر على المكسيك وإرادة بعض الأشخاص الأحرار في مواجهتها وخلق مقاومة للجبرية. هناك بالضبط تتعقد الحبكة. حبكة الرواية، يوجد هذان الحدثان المرعبان. إنه بلد له تقليد قوي يتمثل في الفساد لكن، في مواجهة هذا، هناك ثقافة مكسيكية تواجه الفساد. هناك كتب، أغاني، معمار وهي كلها طريقة لكي نقول لا للفساد. لكنه يظل قائما. إنه صراع بالغ الحدة يجري الآن بالمكسيك، ربما أكثر مما يجري في البلدان الأخرى بأمريكا اللاتينية حيث توجد حلول سياسية أكثر. فنحن، في المكسيك، حكمنا طيلة سبعين سنة الحزب الثوري المؤسساتي: أهناك مصدر أفضل للفساد من أن يظل حزب واحد ووحيد في السلطة طيلة هذه المدة؟
* تسجل إحدى شخصيات « سعادة العائلات «: « انسل البلد من بين أصابعنا «. ما هي مسؤولية المثقفين في كل ذلك؟
** من السهل دائما إلقاء مسؤولية الخطأ على المثقفين، إرجاع مهمة إنقاذ البلاد إليهم. أما أنا فأرى في ذلك خطأ شنيعا. ففي نهاية المطاف، على المواطنين كلهم أن ينقذوا البلاد. توجد المواطنة على جميع المستويات، الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الأسروية. كل واحد مكلف بمساعدة البلاد على أن تتجدد، كما يتقن الأمريكيون القيام بذلك. من المؤكد أنه ليس لهم ماض شبيه بماضي المكسيك. لقد قتلوا الهنود الحمر جميعهم، حولوا السود إلى عبيد. وها هم ينتخبون، اليوم، أسود للرئاسة.
* تنغمس النصوص المكونة ل « سعادة العائلات « في قلب المجتمع المكسيكي: هل تساعدك حكايات الأسر هذه في تركيب جغرافية شخصية للشرط الإنساني؟
** حتى داخل الأسر الأكثر سعادة، هناك دائما كبش أسود، هناك دائما شيء ما ليس على ما يرام. على هذه النقطة أصر من خلال قصصي. بخصوصية أنه بعد كل حكاية أسرة، يرتفع صوت كورال: إنه صوت من لا صوت لهم. حاولت منح هذا الصوت الجماعي لأولئك الذين يقولون: « نحن أيضا موجودون هنا «. فكرت في خلق صدى قويا جدا لصوت البؤس هذا، صوت العنف، صوت الاستياء والشكوى الدائمة، صوت أغلبية المكسيكيين.
* كيف تظل على اتصال بهذا الواقع؟ من أين لك بتلك الكلمات الفجة، اللغة الراهنة لتلك الكورالات؟
** بفضل الخيال أولا. أجني المعلومات من محيطي، من الناس الذين أستمع لهم وهم يتكلمون، إلا أن هذا يبدو لي ثانويا. لماذا أستعمل هذه الكلمات؟ أي مكانة تحتلها في الكتاب؟ ما هي وظيفتها؟ ليس ذلك مجانيا، ليس في الرواية أي شيء مجاني . ألتقط المعلومات، إلا أنني أصفيها في الوقت ذاته. أعرف ما الذي سأستخدمه وما الذي سأتركه. تكون لدي دائما معلومات أكثر بكثير من تلك أستخدمها في الكتاب. أستمع لسائق سيارة الأجرة وأقيس إلى أي حد تغير القاموس انطلاقا من « أكثر المناطق وضوحا «. قليلة هي كلمات شبابي التي تستخدم دائما. فأول رواية مكسيكية، نشرت سنة 1816، وهي تتطلب اليوم معجما حقيقيا ! إلا أنني أشتغل بحيث لا تكون هناك حاجة لمعجم لقراءة كتبي !
* هل تعتقد دائما أن الموضوع هو الذي يملي الأسلوب؟
** نعم. إني أبحث دائما عن أسلوب يلائم ما أقوله. لست « متزوجا « من أسلوب واحد. منذ « أكثر المناطق وضوحا «، أثير العديد من الطبقات الاجتماعية، العديد من طرق الكلام، العديد من المرجعيات الشديدة الاختلاف فيما بينها، ذلك ما يبدو لي مهما بالنسبة للمكسيك. في فرنسا، كان لكم ذلك « اللون « مع رابلي، إلا أن اللغة توحدت بعد ذلك وأعتقد أن ذلك خطأ. في المكسيك، هناك دائما تنوع كبير في طرق التعبير. في تلك الرواية العظيمة، « وهج وبؤس المحظيات»، أدرج بالزاك لغة السجن، من خلال شخصية فوترين، الملقب جاك كولين. بعد ظهور الرواية، غير السجناء اللغة، لأن بالزاك، كشفها بينما كانوا يرغبون في الإبقاء عليها سرية. أجد هذه الطرفة جميلة: يكشف الكاتب لغة، يجعلها معروفة، والناس الذين يستعملونها يغيرونها حتى لا يفهمها بقية الناس.
* كيف كان رد فعلك حين أثيرت، سنة 2011، فضيحة الوزير الذي أغضبه كون أستاذة تطلب من تلاميذها قراءة إحدى رواياتك، « أورا «.
** يرجع ذلك إلى الماضي، فالمسكين كارلوس أباسكال توفي مؤخرا، الرحمة عليه. في تلك الفترة، شكرته لأنه جعلني أبيع العديد من نسخ الرواية. كان وزيرا كاتوليكيا وقد ٍأى أن الرواية ليست متدينة إلى حد كبير، بدعوى أنني أصف فيها زوجا يمارس الجنس تحت صليب. لكننا في المكسيك نكاد نجد صليبا حيثما مررنا ! كل المكسيكيين يمارسون الجنس تحت المسيح المصلوب الذي يعتلي جدران جميع الغرف !
* هل أثرت وفاة ابنك كارلوس فوينتس، قبل عشر سنوات، ثم وفاة ابنتك في مجرى كتابتك؟
** كثيرا. إنني أكتب لأجل ابني المختفيين. حين أشرع في الكتابة، أشعر أنني أكتب لهما. ذلك ما يمنحني الشجاعة، ربما من دون ذلك كنت سأتوقف عن الكتابة. وأنا أكتب أحيا حياتهما، يمنحني ذلك قوة كبيرة. هما ما يشبه كاتبا يكتب معي بشكل مشترك. الألم حاضر دائما إلا أنه يغذي الإبداعية. الكتابة طريقة للتمرد على القدر وعلى النسيان.
عن « ليكسبريس «- 16 ماي 2012
S'ABONNER
تحية لكارلوس فوينتس
تنشر « لا ريكل دي جو « نصوصا لكارلوس فوينتس نشرتها خلال العشرين سنة الأخيرة، تكريما للكاتب المكسيكي الكبير وعضو لجنة تحريرها، الذي تبكي غيابه. والملخصات التي ننشرها اليوم نشرت سنتي 1990 و 1994 في العددين 1 و 12.
أمريكا اللاتينية اليوم
قضى كارلوس فوينتس السنوات الأخيرة من حياته بلندن؛ كان عالميا ومولعا إلى حد بعيد بالثقافة الفرنسية، وكان في الوقت نفسه مكسيكيا على نحو عميق. كان يطمح إلى أن يكون وريث التوفيق بين الأديان، القديم خمسة قرون والذي لا زال معمولا به، قائد الفرقة الموسيقية في الزواج الإجباري بين الهنودية المهزومة والإسبانية المجتاحة للإصلاح المضاد، إلى أنه تعرض بدوره للتخريب من قبل مقاومة ثقافات المواطنين الأصليين، ومن حيث انبثق العالم الفريد للباروكية الذي هو العالم الأمريكي اللاتيني. إنه عالم تراجيدي ورائع، حديث وعتيق، جائر على نحو مرعب وثائر، رفع الثقافة المكسيكية عاليا في رواياته كما في تدخلاته في السياسة، رفقة أليخو كاربانتيي، غابرييل كارسيا ماركيز وفاركاس ليوزا.
تعرف كارلوس فوينتس على أمريكا اللاتينية الخاضعة للديكتاتوريات العسكرية، الموجودة في الحكم في كل مكان، والتي عايش تطبيقها في كل من الأرجنتين، الشيلي، وأدانها دائما. لقد تغرب إلى جنيف، ثم فرنسا بعيدا عن المكسيك، التي كانت وقتها تحت هيمنة الحزب الثوري المؤسساتي. دعم كاسترو حتى حدود 1971. ولم يكف أبدا على إدانة الرأسمالية وسيطرة الأمريكيين على البلدان الموجودة جنوب ريو كراند.
لكن، باعتباره أمريكيا لاتينيا، فقد كانت معركته ككاتب ملتزم بمثابة مرافعة عملية لكي تظل أمريكا اللاتينية وأوربا أختين ثقافيا وسياسيا في مواجهة البربرية الثقافية لأمريكا الشمالية.
سعى كارلوس فوينتس، قبل أي شيء، إلى أن يكون ابن سيرفانتيس وبالزاك ( ولو أنه أخذ من فولكنر ودوس باسوس تقنياته الروائية)، وكانت أمريكا اللاتينية تبدو له، بعدما تخلصت من ديكتاتورياتها العسكرية ( باستثناء بلياتها اليسارية المتمثلة في اعتقاده في النزعتين الكاسترية والبوليفارية لتشافز)، حيث حمل مجتمع مدني ملتهب مشعل أوليغارشيات متحكمة، ( تبدو له)، وهو في آخر حياته، وعدا بيوتوبيا واقعية جديدة بالنسبة لقارة كولومب، كورتيس وزاباتا.
أمريكا اللاتينية اليوم، حسب كارلوس فوينتس
نعتبر نحن أيضا، في أمريكا اللاتينية، بشكل من الأشكال، جزءا من أوروبا، أو أننا نحمل بداخلنا بالأحرى فكرة ما عن أوروبا.
إن أمريكا اللاتينية، تقليديا، وبسبب تقاليدها الهندية، سواء منها الإسبانية أو البرتغالية، منتظمة جدا تراتبيا، من أعلى إلى أسفل، من المركز نحو الهامش. ونشرع، للمرة الأولى في تاريخنا، ، بسبب التطور الاقتصادي، الحركات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها العشريات الأخيرة، في ملاحظة بروز تنظيمات منحدرة من المجتمع المدني، حركات نسائية، إيكولوجية، عمالية، فكرية، تعاونية، حركات للدفاع عن حقوق الإنسان، بإيجاز عديد من الأمور التي أخذت ترسم طيف المجتمع المدني، حيث تنقلب الحركة، من أسفل إلى أعلى، من الهامش نحو المركز. ويعطي ذلك إبداعية رائعة للمجتمع، الذي يتباين بطريقة شاقة مع نقص الإبداعية في العالم السياسي والمؤسساتي الأمريكي اللاتيني، وهو عالم هرم، متحجر. والمثال الأكثر درامية على هذا التباين هو البيرو: لدينا من جهة دكتاتورية عسكرية بحكم الواقع، من جهة أخرى جماعة دموية، تابعة لبول بوت، « الدرب المنير» – وبينهما المجتمع المدني البيروفي الذي يحاول، بطريقة أو بأخرى، تأكيد وجوده والانتظام بطرية مستقلة.
الباروكية في مواجهة الأورثدوكسية
إن الأمر الذي كان وراء ظهور الرواية الأمريكية اللاتينية نفسها، هو الاندهاش أمام الفضاء، أمام ذلك الفضاء الشاسع للقارة الأمريكية. وبإمكاننا أن ننهي بتعبير التعجب المعروف: « افترستنا الأدغال «.
لمدة طويلة، كانت أمريكا الإسبانية والبرتغالية بمثابة يوطوبيا أوروبا. مثلا، كاتنت يوطوبيا بالنسبة لمونتين، بالنسبة لفابيتشي، بالنسبة لشكسبير، بالنسبة لكامبلانيلا وبالنسبة لتوماس مور... وخلال القرن التاسع عشر، انقلب الأمر: تحولت أوروبا إلى يوطوبيا بالنسبة لأمريكا اللاتينية؛ التي كانت تطمح إلى أن تكون « أوربية « مهما كلف الثمن.
هناك وجه لأوروبا يحمل اسم أمريكا الإسبانية والبرتغالية؛ لا تكون أوروبا مكتملة دون ذلك الوجه الإيبيري – الأمريكي. إننا نرتاب من أن ينتهي الأمر بتخلي أروبا بكل بساطة عن أمركا الإسبانية والبرتغالية، بهجرها وتركها لمجال التأثير الأمركي الشمالي.
كان الغزو الإسباني مرعبا، كان بمثابة الكارثة على العالم الهندي، إلا أن الكارثة لا تكون كارثية إلا إذا كانت عقيمة، إذا لم يتولد عنها أي شيء. أما « الكارثة « التي تمثلت في غزو إسبانيا للعالم الجديد، فقد ترتب عنها شيء ما، و ذلك « الشيء « هو نحن. إنه شعر الأخت خوانا إينيس دو لا كروز، إنه فن الباروك العظيم بالبيرو والمكسيك، إنه طريقة للتعبير، للباس، للتغذية، للحركة للحب، للتخيل... هناك ثقافة بكاملها كانت حاضرة، بعد مرور خمسين سنة على الغزو، وتلك الثقافة هي ثقافتنا نحن. لذلك، أحتاط من كل الذين يضفون نوعا من المثالية على العالم الهندي، أو يرتكزون فيه حصريا.
إننا ننحدر من عالم، ننحدر من ثقافة حيث تعرضت اللغة للحصار، حيث تماهت مع صوت وحيد. بالنسبة للأزتيك، كان للإمبراطور ( كوكتزوما ) عنوان: عنوان « النصر العظيم «، عنوان من يحتكر الكلمة. وكان عالم الإصلاح المضاد ومحاكم التفتيش يقول هو أيضا: ليست هناك سوى حقيقة واحدة، ليست هناك سوى لغة واحدة، لغة الأرثدوكسية. عندما تمت مضاعفة اللغة وبعث شيء من التناغم فيها، تعددت الأصوات، أصبحت اللغة فعلا، ليس ثوريا فقط بل مبدعا لقوة مدهشة. فلغة سيرفناتيس، التي نعتبر جميعنا ورثتها، ليست سوى رد قوي على ذلك العالم المنغلق، المتجانس، المحكم الانغلاق، الأرثدوكسي.
إنها الهرطقة المطلقة، الخلط بين الأجناس( الرعوي، الغنائي، رواية الفروسية، الشاذ والمثير للضحك)، اختلاط الأصوات، التقى كل شيء من جديد وتشابكت الاصوات، في دان كي شوت، في عالم انعدام اليقفينيات. فعالم الإصلاح المضاد هو عالم اليقين والمعتقد، اما سيرفانتيس فيقول: «أنا غير متيقن من دان كي شوت، لست من كتب هذا الكتاب، ما هو اسمه الحقيقي، حيث نحنة ما هو جنس هذا الكتاب... أصبحت كل حقيقة معترض عليها، أضفيت عليها النسبية، انتهى أمرها... تلك هي تقاليدنا: تأكيد قيمة المتعدد في مواجهة ثقافة الموحد، الأورثدوكسي والمتعصب.
بما أن المكسيك يطمح إلى أن يكون «حديثا « مهما كلف الثمن، فقد نزع أحيانا إلى إلغاء ورفض ماضيه الباروكي. وهنا، في هذى الكتاب، « تيرا نوسترا « كان هناك تذكير ليس ب « طبيعتنا « البروكية فقط، بل بوجه خاص بكوننا وكون أمريكا اللاتينية كانت هي الباروكية.
فركب سيارة البليموت العتيقة الموضوعة رهن إشارته ، وطلب من السائق -الذي هو شاب يضع فوق ذراعه الأيسر عصابة حمراء مكتوب عليها الوطن أو الموت Patria o muerte –أن يسوق بمهل على امتداد الكورنيش المعروف بel malecon .فهنا يبدو البحر المحيط بجزيرة الكوبية كما وصفه الروائي إرنست همنغواي في رائعته الشيخ والبحر وجها لا يمكن الاطمئنان إليه البتة.إن الجزيرة التي تشبه قاربا مقلوبا هي محاصرة منذ 7فبراير 1962.ورغم ذلك فهي تعيش وتقاوم ولا تركع.بل ها هو أحد قادة ثورتها يقرر نقل الثورة إلى أماكن أخرى في العالم.إن القارب المقلوب يستوي ويمخر بشجاعة عباب الثورة العالمية القادمة.وطلب المهدي من السائق أن يسرع و يمر بcentro habana ثم يعرج نحو plaza de la révolution: ساحة الثورة.
وهنا نزل المهدي، ومشى وسط الجموع ...وذاب وسطها...و رائحة «المحيط»الرباطية تملأ أنفه في قلب هابانا...قلب ساحة الثورة: plaza de la révolution
من «أوراق» إدريس (وهي «الورقة» الأخيرة):
أحلم قليلا أثناء نومي،ولما يحدث ذلك فإنني سرعان ما استيقظ وقد نسيت تفاصيل الحلم ولم يبق في الذهن إلا انطباع غائم بأنني قد حلمت.وبدون جدوى أجهد الذهن محاولا التذكر.وفي الليالي التي لا أحلم فيها البتة استيقظ وإحساس بالثقل يجثم على القلب والخاطر.ولما يحدث وأتذكر تفاصيل واحدا من أحلامي القليلة –وهذا ما يحدث نادرا- فإن إحساسا بالذهول هو ما يستولي علي: لقد كنت منذ قليل أتقمص شخصية هي غير شخصيتي ، وأعيش بانفعال أحداثا تقع وتتلاحق...وها أنا أستيقظ فيتبخر كل شيء...فهل الحد الفاصل بين الوهم والحقيقة هو رهيف إلى هذا الحد؟
لطالما قرأت بأن الإنسان هو مجرد مفهوم.
وقضية المفاهيم هذه تربكني إلى أبعد حد.
فثمة الواقع الذي نعيشه وثمة العقل الذي نتصوره:فأين نضع هلوسات ما نحلمه؟
فرويد يتكلم عن اللاوعي الذي ينفلت من عقاله أثناء النوم.وهذا لا يعني بالطبع أن اليقظة هي وعي كامل وخالص.وإذا حصل هذا الاقتناع ترتبت على الفور نتيجة حاسمة: إن حياة الإنسان هي سلسلة مسترسلة من أحلام اليقظة والنوم ، والعبرة هي في قدرة الإنسان (هذا المفهوم الرائع الذي يلزم أن أكتب عنه في يوم ما!) على أن يذهب بحياته إلى أبعد حدود الحلم.وهذا الكلام ليس هلوسة ولكنه خلاصة حلم حلمته حيث رأيت -فيما يرى النائم- أنني أتجول في مدينة لا هي شرقية ولا هي غربية،وتقابلت مع المهدي في شارع بلا بداية ولا نهاية، ودار بيننا كلام عجيب، لا هو حقيقة ولا هو واقع ،فظن خيرا أيها القارئ ، و لا تسأل عن الخبر.
مقال السارد (وهو المقال الأخير):
يوم 24أكتوبر طار المهدي من القاهرة... ونزل في جنيف .
يوم 29أكتوبر ...نزل في باريس
وكان عليه أن يرتب ، ويجهز المواعيد ، واللقاءات.
حقيبة السفر هي دائما مرتبة وجاهزة ، والمواعيد و اللقاءات «الرسمية» ترتبها وتجهزها الآنسة مونيك شامورال.
لكن ما يدعوه المهدي ب»بعض الأمور الخاصة» كان يفضل مباشرتها بنفسه.وهكذا كان يقضي وقتا طويلا وهو
يتلفن
ويتلفن
ويتلفن.
وهذا ما فعله أيام 26 و27 و28 أكتوبر1965
في يوم 29 أكتوبر،
في تمام الساعة الثامنة وخمسين دقيقة،
حط المهدي بنبركة في باريس.
وفي بيت الصديق جو أوهانا
راح يتلفن
ويتلفن
و يتلفن
مؤجلا بعض المواعيد
ومؤكدا على أخرى.
وهكذا تحدد ما يلي:
-الساعة 12زوالا: اللقاء مع الطالب التهامي الأزموري الذي كلفه المهدي بإعداد تأطير تاريخي لفيلم باسطا.
- الساعة 12 ونصف: اللقاء مع فيليب برنييه وجورج فيكون وجورج فرانجي لمناقشة ترتيبات الفيلم.
- بعد الزوال: اللقاء مع أصدقاء مغاربة وفرنسيين.
- ليلا: الذهاب إلى المسرح.
و يوم 29 أكتوبر 1965، في تمام الساعة الثانية عشرة والنصف،
أمام مقهى ليب ، في السان جرمان دي بري ،
تنتهي قصة ...يا سادة يا كرام... وتبتدئ أخرى: فلم يذهب المهدي إلى المسرح، ولم يلتق مع الأصدقاء المغاربة والفرنسيين، ولم يلتق مع المعنيين بالأمر لمناقشة الفيلم.
لقد استوقفه رجال غلاظ أمام المقهى الباريس ليب،
ودار كلام،
وركب المهدي سيارة رسمية من نوع 403،
و غابت السيارة في الزحام والضوضاء..
غاب المهدي...
غاب المهدي؟؟؟
انتهى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.