"أطاك": الدولة تقوم بتعنيف وترهيب النساء المنخرطات في الاحتجاجات الشعبية وتشهر بالصحفيات والناشطات    نقابات التعليم بكلميم تطالب باجتماع عاجل لحل تأخر التعويضات ومستحقات الشغيلة التعليمية    تحت لواء الاتحاد العام للشغالين بالمغرب.. تأسيس مكتب نقابي لمستخدمي شركة Perle Med Environnement    "العدالة والتنمية" بجهة سوس ماسة يحذر من الرعي الجائر وتدهور الخدمات الصحية ويدعو لتسريع تعويضات ضحايا الزلزال    افتتاح موسم الصيد بالمياه البرية 2026-2027 غدا الأحد    نجاحات نسوية في الرياضة المغربية موضوع حلقة "بانوراما سبور" احتفاء بالمرأة    المغرب يعيش على إيقاع تقلبات جوية وتساقطات ضعيفة في الأيام المقبلة    مع اقتراب العشر الأواخر من رمضان.. انتعاش ملحوظ لأسواق الصناعة التقليدية بتطوان    بعد انتشار الفيديو.. أمن طنجة يوقف أحد المتورطين في محاولة إضرام النار بسوق أرض الدولة    قتيل وجرحى في انقلاب حافلة لنقل لمسافرين بإقليم الصويرة    أكاديمية طنجة-تطوان-الحسيمة تعبئ المديريات الإقليمية لتأهيل البنيات التعليمية    الحسيمة تحتضن أمسيات رمضانية للمديح والسماع وتجويد القرآن في أجواء روحانية مميزة    الصيام الآمن لمرضى السكري والضغط... ندوة صحية لحزب الاستقلال بوادي الناشف    أسعار نفط الخليج الأمريكي تبلغ أعلى مستوى لها منذ عام 2020 بسبب الحرب مع إيران        لجنة الأخلاقيات توقف مدربًا ولاعبة مؤقتًا بعد تبادل الضرب في مباراة لكرة القدم النسوية    الدولي المغربي عيسى حبري يدخل عالم الاحتراف من بوابة ستاد رين    إيران "تعتذر" عن قصف دول الخليج    أربيلوا يشيد بروح لاعبي الريال بعد فوزٍ مثير: سنواصل القتال على اللقب    الرئيس الإيراني يعتذر لدول الجوار العربية ويتعهد بعدم استهدافها ما لم تهاجَم إيران من أراضيها        الدرهم يحافظ على استقراره أمام الأورو ويتراجع مقابل الدولار    توقيع عقود شراء الكهرباء المتعلقة بتطوير برنامج نور أطلس للطاقة الشمسية الكهروضوئية وانطلاق أشغال الانجاز    ملايين الدولارات لدعم رعاية المسنين وتحسين ظروف عيشهم في الصين    هل فشلت مشاريع أسواق القرب بمدينة الجديدة أم تم إفشالها ؟    عسكريون أمريكيون يصفون الحرب على إيران ب "هرمجدون" أو "حرب القيامة" ووزير الدفاع الأمريكي يعتبرها "مباركة من المسيح"    نقابة عمال النظافة بالحسيمة تندد بحرمان العمال من التغطية الصحية وتلوّح بالتصعيد    أساقفة الرباط وطنجة يدينون توظيف الدين في الحروب ويدعون إلى احترام القانون الدولي    دراما على المقاس    مسؤول بحزب الكتاب ينفي الحسم في مرشح البرلمان بطنجة ويضع البرلمانية الدمناتي على الردار الانتخابي    "سنابل" يقارب تطورات الصناعة الوطنية    البهجة: مستعدون لأي استحقاق انتخابي لأننا متواجدون في الميدان دائما ومرشحنا الأخ الطوب مشهود له بالجدية والتفاني    المحامي آيت بلعربي يتقدم بشكاية أمام النيابة العامة لتسريع التحقيق في وفاة عمر حلفي عند الفرقة الوطنية للشرطة القضائية    قساوسة يؤدون صلاة جماعية داخل البيت الأبيض من أجل نصرة ترامب في حربه ضد إيران    السعودية تعترض وتدمر صاروخا بالستيا    اتحاد يعقوب المنصور يحتج على التحكيم وتعطل "الفار" في مباراة الفتح الرياضي ويطالب بفتح تحقيق عاجل    وزارة الدفاع الكويتية: القوات المسلحة تتصدى لموجة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة المعادية    ساكرامنتو.. من مورينيو إلى وهبي    اختتام فعاليات الدورة الثانية لرمضانات المديح و السماع للجديدة 1447    احتفاء باليوم العالمي للمرأة شواعر التعدد اللساني المغربي في ضيافة دار الشعر بمراكش    الوزير البواري يتعهد بدعم مباشر للفلاحين ضحايا الفيضانات بحوض اللوكوس    عمرو خالد: سورة النور وصفة قرآنية تبدد حُجُب الظلام عن بصائر المؤمنين    بورصة البيضاء تنهي التداول بأداء سلبي    هذه الليلة في برنامج "مدارات" بالاذاعة الوطنية: لمحات من سيرة المؤرخ والأديب محمد بوجندار    وزارة الثقافة تسطر برنامجا فنيا وطنيا متنوعا بمناسبة اليوم العالمي للمسرح    المعهد الفرنسي بالجديدة يفتتح سهرات ليالي رمضان بحضور جماهيري لافت        حكيمي يودع الركراكي برسالة إشادة بعد إنهاء مهامه مدرباً ل "الأسود"    لِي مَا لَيْسَ لِي    الصيدليات تتمسك بالإضراب الوطني    تحديد ‬الكلفة ‬النهائية ‬للحج ‬في ‬63 ‬ألف ‬درهم ‬تشمل ‬لأول ‬مرة ‬واجب ‬‮«‬الهدي‮»‬    دراسة تحذر: ضوضاء الشوارع تؤثر على صحة القلب سريعا    حقن إنقاص الوزن .. دراسة تحذر من استعادة الكيلوغرامات بعد التوقف        اللجنة الملكية للحج تحدد كلفة حج 1447 في 63 ألف درهم وتشمل الهدي لأول مرة... وإرجاع 1979 درهما للحجاج        أطباء العيون يدعون إلى إصلاحات من أجل مستقبل أفضل للرعاية البصرية في المغرب    القلادة التي أبكت النبي... قصة حب انتصرت على الحرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأصولية المتطرفة بالخُشيْبات
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 12 - 12 - 2011

حين نُشِر مقالي: الدين ليس قفصا، الدين باب السماء، على الأنتيرنيت أثارتْ كَلمتا «أصولية» و»حداثة» الواردتان فيه حساسية مُفرطة عند البعض. وصلتْ حدَّ جعلِ الحداثةِ مساوية للإلحاد، واعتبارِ الأصوليةَ مفهوما غريبا، بل غربياً مستوردا قصدَ الإساءة إلى الإسلاميين. ولتأييد هذا التيه انشغلَ بعضُ المُعلقين بالبحث في أصول الكلمتين وما يشوبهما من شوائب، خاصة كلمةَ حداثةٍ التي دَبَّج فيها أحدُ فحول قصيدة الهجاء (من الحاملين لعقدة أدونيس) مطولةً ركيكةً تقيأ فيها كلَّ عاهات المجتمعات الحديثة، وكلَّ شطحات الفكر وشذوذ السلوك البشري، إلى آخر نشيدٍ بئيسٍ منقول عن غربان الفضائيات الشرقية.
الشق الخاص من هذا الكلام، الخاصُّ بالحداثة، لا يستحق الرد التفصيلي لأنه منسوفٌ من داخله: ينقصُه الحد الأدنى من حصافة الحجاج. فصاحبُه يضعُ نفسَه دون أن يدري في فُوهة السؤال المُحرج: هل يصدُق الأمرُ على الإسلام أيضا؟ هل الإسلامُ هو المسؤولُ عن كل الفظاعات والشذوذ الأخلاقي والفكري الذي عرفته المجتمعات الإسلامية على مدى أربعةَ عشر قرنا، وما زالت تعرفُه؟ هل الإسلام هو المسؤول عما آل إليه حالنا من فساد أخلاقي يشمئز منه الاشمئزاز؟ أليس النفاقُ والسرقةُ والتسولُ والأنانيةُ والتسلطُ... هي الصفات التي تميزُنا حاليا عن خلق الله في العالم؟ من الأكيد أنه سيرفضُ هذا الربط (وهو مرفوض على كل حال)، ومن هنا تسقط مقالته. فيكون من العبث الحديثُ مع من لا يعرف أين يضع رجله.
أما مَن بحث في المرجعية الغربية للأصولية للتدليل على عدم مُلاءمَتها للواقع الإسلامي فقد بقيَ في موقع مَنْ تُمكنُ مخاطبته، لتبيين مكان الاختلاف معه. فهو لا شك يحيلُ على كلمتي intégrisme و fondamentalisme (fundamentalism) وإن لم يذكرهما، كما أنني بدوري لم أُحِل عليهما. يكمُن الاختلافُ بيني وبينه في أن ترجمة الكلمتين إن وقعت لا تعني النقل الحرفي لمعناهما، فنحن نجتهد في ملاءمة المصطلحات مع معطيات البيئة التي نوظفها فيها. وهذا يصدق حتى على كلمتي حداثة وعِلمانية (ونحن نكسر عينها قصدا). فالإنسان يعيشُ بين الكوني والمحلي: هناك تاريخٌ عام وتاريخ خاص، وهناك جغرافيا عامة وجغرافيا خاصة. كان عليه أن يأخذ في الاعتبار ما يطرأ على المصطلحات حين تخرج من بيئة إلى أخرى، بل من نسَق إلى آخر داخل البيئة الواحدة. سيتضح الأمرُ بعد الاطلاع على تعريفي الخاص للأصولية، وعلى دافعي لاستعمالها بدل «إسلامية» التي صارت ملتبسة.
الأصولية عندي حاليا هي الدعوة إلى العودة إلى الأصول وتحكيمها في صياغة الواقع الراهن والتخطيط للمستقبل المرتقب، درجات من التحكيم؛ تصلُ عند المتطرفين إلى حد التحكم. ولذلك ففي المغرب، مثلا، ثلاث، أصوليات: 1) أصولية دينية، و2) أصولية عرقية، و3) أصولية اجتماعية ريعية، نسميها المخزن، وسميتها في مناسبة سابقة سلفية مخزنية. ولا مُشاحَّةَ في الاصطلاح.
تلتقي هذه الأصوليات في العمل على تحصيل منافع وامتيازات اعتبارية ومادية اعتمادا على امتداد في الماضي: السَّلَف الصالح، أو الأجداد الأمجاد، أو الأمر الواقع.
1 - الأصولي الديني «الخالص» عندي (أي الذي لا تشوبه شائبةٌ من الحداثة) هو الذي يقول لمواطن مغربي: إذا لم يُعجبك الإسلام فاخرجْ من المغرب، هذه بلاد الإسلام، وقد قيلت في التعاليق المشار إليها أعلاه، ويقولها بعضُ سلفي مصر الآن للأقباط، فيرد عليهم بعض أصوليي الأقباط: نحن الأقدم هنا، ارحلوا أنتم!
أما إذا لم تُرِدْ أن تخرج من المغرب فَعِشْ مُنافَقا مكبوتا كاتما ما تؤمن به وتطمئن إليه. وقد أعجبني الشيح رشيد الغنوشي (وخطابهُ مشوب بالحداثة) حين ردَّ بقوة على أحد الصحفيين الذي ظن أنه أحرجه بالسؤال عما سيفعُله مع من لا يلتزمون بالضوابط الدينية، قال بهدوء: لن نفرض شيئا، لا نريد أن نعيش مع منافقين.. وقص عليه قصةَ الطائرة التي خرجت من إحدى العواصم العربية مليئة بالمُحجبات، وما إن ارتفعت في السماء حتى تبخرت العباءات والطرحات، سقطت الأقنعة، ولم تعد بها محجبة واحدة. ثم قال: ما مُلخصه: عشرة بالمائة التي صَمدتْ في تونس مع ضغوط النظام القمعي المنهار خير من الخسارة مائة بالمائة التي حصلَ عليها البلد العربي الذي يُلزم بارتداء الحجاب، البلد الذي انطلقت منه الطائرة. وذكر أنه شاهد عيان على هذه الواقعة. وهو صادق فيما قال، فقد عشتُ شخصيا هذه التجربة عدة مرات كانت أولاها أكثرها صدما في رحلة من عاصمة عربية إلى اصطامبول.
2 - والأصولي العرقي «الخالص» عندي صنفان: الصنف الأولُ، هو الذي يبلغُ به الأمرُ أن يقول لأخيه المغربي: إذا أردتَ أن تتحدثَ عن العرب أو العربية فارحل من المغرب إلى الجزيرة العربية. وقد عرضتُ لنموذج من هذا القبيل في مقال سابق1. والصنف الثاني هو الذي يُشهر في وجهك بِدعةَ «الشرف الدموي» قَصْدَ تحصيل امتياز مادي أو معنوي، أو هما معا، بناءً على علاقة تربطه بجهة يعتبر دمَها أشرفَ من غيرها. وقد ازدهرت هذه العرقية الشريفية بين الأعيان والمثقفين نتيجة الامتيازات التي وفَّرها النظامُ المخزني لأصحابها منذ قرون. هذه العنصرية الشريفية من رواسب التشيع في المغرب، تحولتْ في عصور تالية إلى صناعةٍ وصكوك غفران. وهي افتراء سياسي لا علاقة له بالإسلام، فالدعوةُ الإسلاميةُ عَوَّضتْ رابطة الدم القبلية برابطة التقوى. فمن الآيات البينات المُحكمات، بل نقول، إذا جاز القول، أنها أروعُ آياتِ القرآن الكريم فيما يخص العلاقات الإنسانية، قوله تعالى: «يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أثقاكم». لا كرامة في الإسلام بغير التقوى والعمل الصالح.
3 والأصولي الاجتماعي الريعي المخزني هو كل من يُصِرُّ على إدامة امتيازات الناهبين أبا عن جد مُرَكِّزًا نظام الارتزاق والاسترقاق بأقنعة مختلفة. هذا النوع من الأصولية يَضربُ مبدأ العدل وتكافؤ الفرص الذي كان من المفروض أن تضمنه المواطنة، وبذلك يؤدي إلى طرد الكفاءات الشابة الموهوبة الرافضة للاستعباد خارج الوطن. هذا وضع محزن. الأصولي المخزني هو الذي قال للسرفاتي: إذا لم يعجبك أن تَحْني رأسَك فأنت برازيلي!
تَلتقي هذه الأصوليات الخالصة في معاداة المواطنة، أي معاداة التكافؤ!
هل تعرف لماذا؟
لأن التكافؤ يجعل الترقي بالعمل والمبادرة والإبداع، لا بالأصول. التكافؤ مفتاح الحرية: لا يمكن إجراء مسابقة بين مقيد وطُلق، ولا بين «مَعلوف» وجائع، ولا بين منضبط للقانون ومتناول للمنشطات المحرمة. لهذه الاعتبارات انتقدتُ حزب الأصالة والمعاصرة قبل الإعلان رسميا عن تأسيسه في مقال بعنوانه: المنشطات المخزنية في السياسة المغربية. وهو موجود في كتابي: منطق رجال المخزن وأوهام الأصوليين، وفي موقعي على الأنتيرنيت. فهذا الموقف ليس جديدا عندي.
تلتقي الأصوليات الدينية والمخزنية والشريفية في القول: هكذا كانت دولة المغرب، وهذا شرط بقائها، لا نريد دولة مدنية أو ملكية برلمانية، وتقول الأصولية العرقية المتطرفة: كان المغرب يوما على صورة ما ينبغي العودة إليها. الأصوليون تُرهبُهم الحُرية والتكافؤ والإبداع.. ترهبهم الحداثة التي تُجَسِّد كلَّ ذلك.
هنا أيضا يطرح المتحدثون باسم النهضة التونسية تحديا للأصولية الخالصة: ليست لديهم حساسية مع الحداثة، لدرجة أن محاوريهم يصابون بدوخة فيسألونهم: ألستم علمانيين؟ ويطرح الأتراكُ تحديا آخر حيث يقول أردوغان: أنا مسلم والدولة التركية علمانية: تقف على مسافة واحدة من كل الأديان. وهذا كفر بَواحٌ عند الأصولية الدينية الخالصة من شوائب الحداثة.
لماذا أُصِرُّ على استعمال «أصولي» بدلَ «إسلامي»؟
جزء من الجواب يتعلقُ بما سبقَ ذكره من انتماء «الأصولية الدينية» الخالصة عامة إلى نسق من الأصوليات المعوقة للحداثة، والجزء الثاني يتصل برفع اللبس الذي أحدثه الإصلاح الدستوري الأخير وما رافقه من صخب وتوتر حول إسلامية الدولة. لم يعدْ مُمكنا بعد هذا الدستور (الذي وقع فيه الإصرار على نقلنا من صفة مسلمين إلى إسلاميين) أن نترك أحدا يستبد بتلك الصفة: فنحن جميعا إسلاميون بهذه الصفة. ولذلك ليس من المعقول أن يستبد بعض المواطنين، أو بعض الأحزاب، بصفة «إسلامي» التي هي صفة الدولة. هذا فضلا عن أن وصف حزب سياسي بصفة دينية يتنافى مع القانون الذي يمنع قيام أحزاب على أساس ديني أو عرقي.. الخ.
يبقى بعد ذلك التمييزُ ورسم الحدود بين أصولي جذري حرفي جهادي، سميناه خالصا، وأصولي مقاصدي منفتح يُفضل الحوار، أي مشوب بالحداثة، لا يكفِّرها ولا يشمئز منها، ولا يشم رائحة النتانة في المختلفين عنه من المواطنين. وبين هذين القطبين ألوان وأطياف من الخطابات والممارسات الأصولية.
المقاصديُّ المنفتحُ يُسقط لونَ «الأصولِ» (أو النكوص) على لون «المستحدثات» (أو الحدثان) فيُنتجُ لونا رماديا، مثل الذي ينتج عن لقاء البياض بالسواد: أجد هذه الصورة في خطاب الأستاذ مصطفى المعتصم حين يجعل الإسلام في تحقيق العدل، دون اهتمام كبير بالشكليات والكيفيات. ولذلك لا يجد الحداثيون مسافةً كبيرة بينهم وبينه. أمَّا الجذري الحَرْفي فلا يرى، ولا يقبل غيرَ لون واحدٍ، لون في منتهى الصفاء والنصاعة (اللون الأبيض). ومن المعروف تاريخيا أن الصفاء يستتبع كراهية الآخر (الأسود) الذي يبدو متسخا نجسا (وليس مختلفا)، والكراهية تستتبع الرغبة في «التصفية» و»التطهير»، عرقيا كان أم عقائديا. أجدُ في خطاب الشيخ الفزازي نموذجا صالحا لهذا الخطاب، فهو متحمس لضرب الأعناق، أو على الأقل التشريد خارج بلاد الإسلام. فهو يضع مَنْ يختلفُ معه في موقع من يحارب اللهَ ورسولَه ويسعى في الأرض فسادا، أدنى عقوبة يستحقها هي التشريد في الأرض.
هذا هو تصوري حاليا للأصولية، بل الأصوليات، فلا تبحثْ عنه لا في ترجمة كلمتي intégrisme وَلا fondamentalisme، ولا حتى fanatisme. وإذا كان لديكم مصطلحٌ آخرُ مناسب، يُبعدنا عن لبس «الإسلامية» فأفيدونا به، أفادكم الله. واتركوا الإسلام يُزهرُ في قلوب المؤمنين ويُثمر في سلوكهم.
خلاصة: أنا حداثي لأني أرفضُ أن أُسْتعبدَ باسم أي أصل أو حق سابق لوجودي. نحن جئنا إلى هذا العالم أحرارا فلماذا تريدون استعبادنا بجينات وهمية وتفويض إلَهي مَكْذوب؟ نحن جئنا إلى هذا المغرب فوجدناه محتلا بالمخزن والشرفاء ورجال الدين. وأمام أعيننا سلمه هؤلاء ألأصوليون أنفُسهم للاحتلال الأجنبي نتيجة فشلهم في الدخول إلى العصر الحديث من باب العلم والإبداع، كانوا يكتفون بحلْبنا وجَزِّ صوفنا والعيش على جلودنا كالقراد. وحين حررناه بدماء أبناء الفقراء عادوا مرة أخرى لاحتلاله باسم الحقوق المسجلة في أصولهم ووَصاياهم. كفى! نريد نصيبا من وطننا بعَرقنا المهذور، بعقولنا، بإحساسنا وعواطفنا، لا باسم أي كان، ولا صدقة من أي كان. نحن مواطنون: لسنا 1) عبيدا، ولا 2) رعايا، ولا 3) مريدين. هل فهمتم لماذا أرفض الأصوليات؟
(*) باحث في البلاغة وتحليل الخطاب
www.medelomari.com
1 انظر مقالا بعنوان: رسالة إلى أخ أمازيغي. في موقعي على الأنتيرنيت.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.