إن بناء الرجولة يصبح أكثر تعقيدا، كلما تحركت في سياق إيماني مغلق. ذلك أنها (الرجولة) تشتغل أساسا على الفصل بين هويتين جنسيتين مختلفتين. وعلى هذا الأساس، فالتمييز بين عطر الرجل وعطر الأنثى في الإسلام مؤسس، على مستوى البنية السيكولوجية، على كراهة الأنوثة وتحقيرها. فصحيح أن النبي (ص) كان يحب النساء، لكن الوحي علمه كيف يقمع كل ما هو أنثوي في الرجل، رغم أن العطر يتقدم في الأحاديث النبوية السالفة، وفي المستوى العميق للتأويل، كفعل «تذكير للمؤنث» وتسويغ له. إن العطر الرجولي بهذا المعنى كشف لهوية جنسية ضدا على معادلها الموضوعي (الأنوثة)، إذ أن الرجولة لا يتم الاستدلال عليها دائما بفضل الحركات ونبرة الصوت واختيار اللعب والملابس، بل إن الانتساب الجذري إليها، وحتى قبل فحص العضو التناسلي، يمر عبر حاسة الشم (الرائحة). وكل خروج عن هذا القانون يعتبر تعبيرا عن «اختلاف بيولوجي» محرم، ما دامت الذكورة في الإسلام ليست مفهوما إشكاليا، أي أنها ليست متعددة، وليست لها أي نوايا للتنازل عن امتيازاتها وسلطها. كما أن هؤلاء الذين»كانوا يكرهون المؤنث من الطيب ولا يرون بذكورته بأساً» إنما يرون أن الذكورة امتياز طبيعي لا ينبغي تلويثه بأي عنصر هش يؤسس للشك في القضيب. إن العطر، كما يقدمه النبي ويشتهيه، ليس تعبيرا عن انزياح، بل عن تراتبية جنسية. فعطر الرجل يتميز بالصلابة، بينما تنطلي الرخاوة على العطر الأنثوي. وهكذا يتم إعادة هذا التمييز إلى مرجعيته الجنسية؛ ف»الصلب مثلاً يصبح أعلى من الرخو، بما أنه يحيل إلى القضيب بينما يحيل الرخو إلى المهبل. وكما نرى يزداد امتداح الصلابة في المجتمعات الأكثر بطريركيّة، بينما تكون الرخاوة بمثابة عار على الرجل، أو عار على الرجولة جمعاء». ومع ذلك، فلا ينبغي أن نظن بأن هناك حربا بين الرجال والنساء حول هذا الموضوع. فإثبات الذكورة بالنسبة للمجتمعين معا غاية. فالنساء «لسن أقلّ تمثّلاً لموقعهنّ، المحدّد من وجهة النظر الذكوريّة، إذ يندر أن نجد امرأة تنجذب إلى رجل أضأل منها قامة، أو أدنى منها مرتبة على مختلف الأصعدة، وحتّى يندر أن تفضّل امرأة رجلاً مكافئاً لها، بل تسعى لا شعوريّاً وراء من تعتقد أنّه يتفوّق عليها». وعلى هذا المنوال وجدنا النبي (ص) يميز بين العطرين، لأن السؤال المطروح أنذاك هو كيف أحب النساء؟ وكيف تقبل علي النساء؟ وكيف أحافظ على ذكورتي في مجتمع يمجد الذكورة ويحقر الأنوثة؟ نقرأ في دراسة حول «الذكرنة العربية» مايلي: (لقد بلغ تفضيل الذكر على الأنثى في الإسلام درجة أضحى ينعكس حتّى في اختلاف القراءات القرآنية، فقد ذكر القدماء بهذا الشأن تفضيل القراء بالياء (= مذكّر) على القراءة بالتاء (= مؤنّث): «عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله قال: إذا شككتم في الياء والتاء فاجعلوها ياءً، فإنّ القرآنَ ذكرٌ فَذَكِّروه.» (مصنف ابن أبي شيبة: ج 7، 202). فالذّكرُ في العربيّة هو الجليل الخطير، أو هو «النّصل المطبوع من خلاصة الحديد، فالمعنى: أن القرآن نبيهٌ خطيرٌ فاعرفُوا له ذلك وصفوا به.» (الفائق للزمخشري: ج 2، 13؛ أنظر أيضًا: سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي: ج 1، 4505). ولا تقتصر الذكورة على وصف القرآن، بل تتعدّاه أيضًا إلى الحديث، فقد ذكر الزّهري: «الحديثُ ذكرٌ يحبّه ذكورُ الرّجال ويكرَهُه مُؤنّثوهم. وأراد الزهري أنّ الحديثَ أرفعُ العلم وأجَلُّه خطرًا، كما أنّ الذكور أفضل من الإناث، فأَلِبّاءُ الرّجال وأهلُ التمييز منهم يحبّونه، وليس كالرّأي السخيف الذي يحبه سُخفاء الرجال، فضربَ التذكير والتأنيث لذلك مثلاً...» (غريب الحديث لابن قتيبة: ج 2، 229؛ أنظر أيضًا: المجالسة وجواهر العلم لأبي بكر الدينوري: 228؛ النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي : ج 1، 16). وحتّى العطور والطّيوب الّتي كان يتطيّب بها العرب قد تمّ تقسيمها إلى مذكّر ومؤنّث، ووصلت الكراهية العربيّة الإسلاميّة إلى العطور والطّيوب المؤنّثة، حيث فضّلوا عليها المذكّرة: «كانوا يكرهون المُؤَنّثَ من الطّيب ولا يَرَوْنَ بِذُكْورَتِه بأْسًا». (الفائق للزمخشري: ج 1، 64؛ لسان العرب: مادة «أنث»؛ تهذيب اللغة للأزهري: ج 5، 112؛ غريب الحديث لابن الجوزي: ج 1، 362).