يويفا تفتح تحقيقا رسميا بعد واقعة عنصرية في مباراة بنفيكا وريال مدريد    مسؤول في "الكاف": لم تحترم القوانين في نهائي "الكان".. والمغرب ضحية "ظلم تاريخي"        حكيمي يكتب اسمه بين الهدافين المغاربة في دوري الأبطال    إنذار بوجود قنبلة في مقر "فرنسا الأبية"    المغرب يتولى رئاسة مؤتمر نزع السلاح    نقابة "التوجه الديمقراطي" تندد بالهجوم على مكتسبات الشغيلة وتحمل الوزارة مسؤولية تصاعد الاحتقان    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها على وقع الانخفاض    أنفوغرافيك | المغرب في المرتبة 41 عالمياً ضمن مؤشر "مسؤولية الدول 2026"    باستوني مدافع إنتر يكشف عن تلقيه تهديدات بالقتل بعد مباراة يوفنتوس    توقيف عشريني بفاس للاشتباه في تورطه في سرقة موزعي طلبيات تحت التهديد بالسلاح الأبيض    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    إيران وروسيا ستجريان مناورات في بحر عمان    عيد الربيع 2026.. شباك التذاكر في الصين يحصد مليار يوان خلال ثلاثة أيام فقط    بسبب التماطل في صرف المستحقات.. موظفو جماعة البيضاء يلوحون بالتصعيد ويطالبون الرميلي بحلول عاجلة    رمضان 1447.. الرقم الموحد 5757 لتعزيز حماية المستهلك ومراقبة الأسواق    إحداث أول وحدة جهوية لدعم البحث العلمي والتقني في جنوب المغرب    مجازر الدار البيضاء تسجل حصيلة قياسية خلال سنة 2025 بتجاوز 30 ألف طن من اللحوم الحمراء    "البام" يؤازر وهبي في ملف المحاماة    إقبال جماهيري كبير على مباراتي المغرب ضد الإكوادور والبارغواي    بدء اجتماعات مغلقة بين موسكو وكييف    توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    مدرسة "ريادة" تضم أربعة تلاميذ وأستاذين تثير تساؤلات حول حكامة التخطيط بإقليم تيزنيت    تبعمرانت تطلق "أركا يالا وأركان" وتدق ناقوس الخطر بشأن تدهور شجرة الأركان    المغرب يتولى رئاسة مؤتمر نزع السلاح بجنيف    الريال يثأر وغلطة سراي يقسو وسان جرمان يقلب الطاولة ودورتموند يتفوق في ليلة درامية    تعيين الدبلوماسية الفرنسية آن-كلير لوجوندر رئيسة لمعهد العالم العربي    الاتحاد العام لمقاولات المغرب ووزارة التعليم العالي يوقعان اتفاقية إطار لتعزيز قابلية التشغيل وتنافسية الاقتصاد الوطني    استئنافية مراكش تصدر أحكاماً بالسجن في ملف أحداث "احتجاجات جيل زيد" وتدين 43 متهماً بعقوبات تصل إلى ست سنوات نافذاً        جدل في فرنسا بسبب الخلاف حول تحديد موعد أول أيام شهر رمضان    فانس: ترامب يدير التفاوض مع إيران    البرلمان يصادق على 49 قانونا في السنة التشريعية الرابعة و367 مقترحا لا تزال قيد الدرس    تقرير دولي: هشاشة سوق الشغل وضعف الحماية الاجتماعية على رأس المخاطر التي تواجه المغرب    تدخل أمني فوري ينهي حالة الرعب بتجزئة الفتح – المنظر الجميل    أكثر من 80 دولة تدين قرار إسرائيل ضم أراضٍ في الضفة الغربية    "Gnawa Love".. روح كناوة تعانق الجاز والفانك في ألبوم جديد لسمير لانغوس    القصر الكبير.. سوق الجملة للخضر والفواكه يستعيد نشاطه بالكامل بعد تحسن الأحوال الجوية    الأحزاب والوضع السياسي الراهن بالمغرب: أين الخلل؟ وما العمل؟    رياض السلطان يستقبل رمضان بسهرة غرناطية لفرقة رشيد التومي    "سوق أتاي".. دراما رمضانية تغوص في كواليس تجارة الشاي بمدينة العيون    الجيش الملكي في مواجهة فريق مصري آخر في ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا    إضراب وطني بالجامعات المغربية لمدة 48 ساعة والنقابة الوطنية للتعليم العالي تحمل الحكومة كامل المسؤولية    تيزنيت : منتدى "كاتب وما كتب"في حلقته الخامسة يسلط الضوء على إصدار تربوي جديد للأستاذ الخديري    شعلة باشلار وأخلاق العالم    حقينات السدود تبلغ 70,64 في المائة إلى غاية اليوم الثلاثاء    صفحات فنية تتحول إلى منصات لترويج الأعمال الرمضانية مقابل مبالغ مالية        القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دواء تجريبي جديد يعزز فرص نجاة مريضات سرطان المبيض    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    حجية السنة النبوية    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    تحذيرات خبراء : "أطعمة تقتل الإنسان ببطء وتوجد في نظامنا الغذائي"    هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    ظلمات ومثالب الحداثة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مراكش قبيل الحماية .. أسرار البهجة و حال المكتبات و المدارس العلمية ودور الحمار

كيف كانت مراكش قبل مائة سنة ؟ ماذا كان أسلوب سكانها في العيش قبيل دخول الحماية الفرنسية ؟ كيف كان حال مكتباتها و مدارسها العلمية ؟ كيف أدرك زوارها من الأجانب الأروبيين خصوصيتها العمرانية ؟ كيف فسروا طبع البهجة و الانشراح الذي ميز ساكنتها حينها ؟ كيف كانت علاقة السكان بالثقافة و العلوم في بداية القرن العشرين ؟
يشكل كتاب غاستون دوفردان « تاريخ مراكش من التأسيس إلى الحماية « الذي ترجمه الأستاذان محمد الزكراوي و خالد المعزوزي عن منشورات وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية ، نزهة شيقة في حديقة هذه الأسئلة، التي نقترح على القارئ بعضا من الأجوبة التي يقدمها دوفردان عنها .
و عرف المراكشيون غاستون دوفردان المزداد سنة 1906 ناظرا ثم مديرا لثانوية محمد الخامس بباب اغمات في عهد الحماية، و كان انشغاله الأساسي هو البحث و التقصي في تاريخ مدينة مراكش و من خلاله تاريخ المغرب ، مخلفا عملين هامين أولهما الكتاب موضوع حديثنا، والثاني كتاب « النقوش العربية بمراكش « و توفي الرجل عن سن 73 سنة في عام 1979
خراب تتقزز منه النفس
يقدم غاستون دوفردان في كتابه وصفا لمراكش في نهاية القرن التاسع عشر، من خلال ما نقلته شهادات زوارها من الأجانب ، الذين يُجمعون على أنها كانت (و ربما مازالت إلى يومنا هذا) فوضى كبيرة يعمها الخراب و الاتساخ و الإهمال . و رغم أن دوفردان ينبه إلى أن شهادات هؤلاء الأجانب قد تكون ضحية ما توحي بها العمارة الطينية التي كانت تسود مراكش حينها ، إلا أنه يعود ليقر أن ظاهرها أي مراكش مغموم و متكدر . هذا النص الذي نقترحه على القارئ ، و المقتبس من الصفحتين 662 و 663 من الجزء الثاني من الكتاب المذكور يصلح كثيرا لمقارنة ماضي المدينة بحاضرها و قياس مدى الفارق الحضاري الفعلي الذي حققته بعد مائتي سنة . يقول دوفردان :
ليس هناك من زائر واحد لمراكش لم يذهل لحالة الفوضى و التسيب التي عرفتها، سواء كان الزائر سفيرا أو تاجرا أو سائقا أو ضابطا أو غيره، فقد أجمعت النصوص كلها على ملاحظة الخراب و الدور المهجورة و الأحياء الميتة و الأسوار المنقضة. و قد جاش من أجل ذلك خاطر الشعراء . و أخبر « شيني « أن داخل هذه العاصمة قفر مهجور ، تراكمت به خرابات البيوت بعضها على بعض حتى تكونت بين الأكداس أودية يترصد فيها الصعاليك و قطاع الطرق المارة لنهبهم .
و بعد عشرين سنة أضاف «رينال « : « لقد استطاع سيدي محمد بن عبد الله أن ينزع بعض الردم و يزين بعض البساتين بتهيئة مماشي بين أشجار البرتقال، و يحول بعض البنايات الخربة إلى ثكنات، لكنه عجز عن رد الحضرة إلى سالف مجدها و سابق عهدها، و لن يستطيع أحد ممن سيخلفونه « . و وصف علي باي سنة 1804 المدينة بقوله : « لم يبق من سالف أبهتها إلا خيال .. و لم تنج من عوادي الزمان و عبث يد الإنسان إلا الأسوار « .
و في سنة 1830 لاحظ واشنطن أن بعض الأحياء خاوية على عروشها .. و أن الأعشاب النامية بها تحاذي ، في تناقض صارخ، ما يتراءى من خراب أسوارها» . و شهد لمبير في سنة 1867 بأن الأسوار نفسها تتصدع، فصار الراجل يمر من شقوقها بسهولة عندما تقفل الأبواب . و أمست الكتبية منعزلة عن المدينة، حتى أن الطريق المؤدي إليها صار اسما علما (يسمونه الطْريق) . أما الانجليزيان هوكر و بال فيبالغان بلا شك عندما يصرحان في 1879 بأنهما مع كونهما مسافرين طاعنين في السن، و رغم استئناسهما بوسخ مدن الشرق، فإنهما يتفقان على أنهما لم يتصورا أبدا مدينة كبيرة على هذا القدر من الدرن : فهي مدينة وسخة تتقزز منها النفس، و تعبر بغاية الوضوح عن تدني كرامة الإنسان .
و في سنة 1879 لاحظ الضابط الفرنسي إركمان أن الأسوار بلغ منها الإهمال أن بقيت بدون صيانة، و يمكن تسلقها دون عناء. أما الإيطالي كريما، و قد زار مراكش سنة 1882 فلم ير بها شيئا سوى الخراب، رغم تجواله عبر دروب عديدة بالمدينة. و أما هورفتس الألماني، فيؤكد تهافت الأسوار سنة 1887، و يسمي هنري دي لا مرتينيز مراكش « مدينة الأطلال « .
حال المكتبات بمراكش قبل الحماية
148 إعارة في قرن كامل
هذا النص الذي نقترحه على القارئ ، يقدم مؤشرا واضحا على الوضع الثقافي بمراكش قبيل الحماية، ويتمثل في وضعية المكتبات العمومية بها و درجة الإقبال عليها. و يشير دوفردان في هذا الصدد إلى أن جرد الإعارات من مكتبة ابن يوسف، سجل 148 إعارة فقط خلال مائة سنة بالتمام و الكمال. و تفاقم هجران المكتبات إلى أن تحول بعضها إلى ركام من الغبار والحشرات، واختفت محتوياتها وتعرضت للإهمال والنهب ...النص مقتطف من الصفحتين 631 و 632 من الجزء الثاني من كتاب غاستون دوفردان « تاريخ مراكش من التأسيس إلى الحماية « الترجمة العربية.
يقول دوفردان :
عثرنا على ما يدل على المجهود الجبار الذي قام به المولى إسماعيل لتنظيم خزانة مسجد ابن يوسف، و هو قائمة كتب إحدى الخزائن، يعود تاريخها إلى سنة 1700 م ، تخبرنا عن كيفية إعارة الكتب، و هي وثيقة تشهد بندرة اختلاف الطلبة و المتأدبين عليها (148 إعارة في قرن كامل ). و لعل من الأسباب فيما يبدو لنا أنها كانت تفتقر إلى كتب في الثقافة العامة. وقد تعرضت للنهب، وهو ما يعترف به الإفراني نفسه؛ ثم آلت إلى الإهمال. فالكتب المسجلة في الزمام اختفت اليوم كلها تقريبا. ولما كان السلطان سيدي محمد حريصا على إغناء الخزائن العمومية في مملكته، فقد وزع إثني عشر ألف كتاب ضمتها خزانة جده المولى إسماعيل بمكناس. وذكر بوميي، قنصل فرنسا، أن خزانة مراكش، سنة 1868، كانت مغلقة مدة طويلة، وأنه ظن أنها لم تعد تضم شيئا يذكر سوى الأرضة والغبار، و لعله أراد خزانة المواسين، التي اعتنيت بنقل ما بها من كتب إلى خزانة ابن يوسف، أما القاعة الكبيرة التي اختيرت لها فقد بناها المولى الحسن، و أمر بأن يجمع بها كل ما تخلف من الكتب بمساجد المدينة. إلا أن ابنه المولى عبد الحفيظ عندما دعا لنفسه بمراكش، قيل إنه انتهز الفرصة فتخير مخطوطات نادرة في غياب القيمين وضمها إلى خزانته الخاصة، ووهب عنها عدة كتب مطبوعة في النحو والشريعة الإسلامية. و في سنة 1912 لم يبق بمراكش أي كتبي، مع أن مطبعة حجرية أقيمت بفاس منذ عهد السلطان المولى عبد الرحمن، و صارت الكتب أقل ندرة بالمغرب، فاعتدل ثمنها. «
لولا الحمار لكانت الحياة مستحيلة بمراكش
يصف دوفردان الدور الحاسم الذي لعبه الحمار في حياة المراكشيين، وأهميته الاقتصادية حيث يقول :
« ليس مرادي هنا رد الاعتبار للحمار، لأني لست أول من يشير إلى أهمية الخدمات التي قدمها و يقدمها الحمار في حوض البحر الأبيض المتوسط . وقد أدت غارات البدو إلى التخلي عن التنقل بالعربات ذات العجلات بشمال إفريقيا، إلا أن ذلك لم يؤثر في عاصمة الجنوب : فقد عرفت مراكش الجمال والخيل منذ القديم. و لاريب أن الحمار له نفع كبير في هذه المدينة المستوية الفيحاء، و هو الدابة بامتياز : فهو صغير الحجم، عنيد بل متصلب الرأي، يقوى على التحمل كثيرا ويستطيع أن ينسل في كل مكان و يشق طريقه في الزحام، و لو اقتضى الأمر قرع المارة. و أهل المدينة لم يستغنوا عنه أبدا : عيْنَا خُرجه ينقلان كل شيء من خارج المدينة إلى داخلها : مواد البناء والفواكه و الخضراوات و اللحوم و التبن و الحشيش، و أيضا الأزبال و المصنوعات في الاتجاه المعاكس. فبدون الحمار لا يمكن حمل الرحل، و لا الذهاب إلى النزهة، و لن تجد العامة ركوبا، و لن توزع البضائع المستوردة بعد تخزينها في متاجر الجملة. و مع ذلك فالناس يعاملونه بقسوة، عكس ما تتمتع به بغلة الغني الفارهة من عناية، و ما يحظى به «كنار» ذوي العواطف الرقيقة من رقة و لطف. فالحمار مسحوق تحت حمل ينوء به، و السب و اللعن يتبعه؛ و يستحث وخزا بإبرة طويلة تدمي غاربه، و مع ذلك فهو خدوم؛ و لا دابة غيره تقوم مقامه . فلولا الحمار لكانت الحياة مستحيلة بمراكش قبل 1912 .
لم أر طلبة مدرسة بريمة يوما يحملون كتابا، و غاية ما يشتغلون به احتساء الشاي
يصف دوفردان مظاهر الانحطاط الثقافي و الانحصار العلمي الذي كانت تعانيه مراكش قبل فترة الحماية . و يقدم صورة قاتمة عما آلت إليه المدارس العلمية بالمدينة الحمراء رغم تشجيع السلاطين لتمدرس الطلبة مستشعرين خطر الانقراض الوشيك للعلم بالحضرة المراكشية. و المثير في الأمر، و استنادا لشهادات من زار مراكش و كتب عنها من الأجانب في هذه الفترة، كون دوفردان يلح على نقطة ذات أهمية قصوى و دلالة حتى في حاضرنا، و هي أن الطلبة ينشغلون بأي شيء ماعدا قراءة الكتب .. معطيات تدعونا لكثير من التأمل في حاضرنا. يقول غاستون دوفردان: «اجتهد السلطان العظيم سيدي محمد اجتهادا خاصا لصالح الطلبة بمراكش، فبنى مدارس و جلب العلماء للتدريس بها من كل مدن المغرب. لكن تلك البنايات لم ينعكس اثرها على جمال المدينة، و لا هي استطاعت دعم الحياة الثقافية طويلا بها. و قد صرح علي باي سنة 1804 أن الفنون و الصنائع بهذه المدينة لا يمكن أن تزدهر و لا حتى أن تشجع، لأنه « ليس بالمدينة مدرسة واحدة ذات بال» . و قد جاء في ظهير للمولى عبد الرحمن أن العلم بالمغرب كاد يندثر، و بمراكش أكثر. و في سنة 1859 ذكر الرحالة الإسباني كاتل أنه لم يكن بمدرسة «بريمة» إلا حوالي عشرين طالبا .» و قد زرتهم خمس مرات، أو لعلها ست و لم أرهم ، يوما يحملون كتابا، و غاية ما يشتغلون به احتساء الشاي و إذا توفر لديهم . ومنهم من شابت لحيته؛ و أصغرهم سنا يبلغ خمسا و عشرين سنة « . والعجيب أن السلاطين ما فتئوا يقدرون الطلبة: فقد دعوهم لحفل خاص بهم بحديقة القصر ابن ادريس بمناسبة شفاء المولى عبد الرحمن. أما المولى الحسن فلما هاله ما آل إليه التعليم وهب خمسين ريالا في السنة كسوة لكل من يحفظ «مختصر» سيدي خليل عن ظهر قلب. و قد انخفض عدد الطلبة شيئا فشيء بالحضرة المراكشية، و انحصر التعليم بها و بفاس أيضا بالتدريج في المسجد الجامع و مدرسته، و تدنى مستواه إلى الحضيض. و في 1902 لاحظ دوتي أن الدرس كان يقتصر على القرآن و الحديث و النحو و الشريعة، أما التفسير فقد حظره المخزن بمراكش و بفاس أيضا، لأسباب سياسية بلا شك . أما التاريخ و الجغرافيا و العلوم و الفيزيائية و الطبيعية و الاقتصادية و السياسية فلم تكن معروفة؛ و كانت النتيجة مأساوية لأن الطلبة بعد قضائهم سنوات عديدة من عمرهم بالمدرسة يخرجون منها دون أن يتحصل لهم قدر بسيط من هذه العلوم النافعة، أو أن يتوسع أفقهم الفكري . فكانوا عاجزين عن تتبع الأحداث العالمية و السياسة الدولية. و تربيتهم غير المتوائمة مع الظروف كانت تحول بينهم و بين فهم تطور بلدهم و الوعي بعظيم ما يحتاج إليه .
سلاسل ممر سيدي عبد العزيز التباع
قبل سنوات قليلة أزاحت المصالح البلدية بمراكش السلستين المقامتين بمدخلي ممر ضريح سيدي عبد العزيز التباع في قلب المدينة الحمراء . فسواء بالمدخل القادم المفتوح على الطريق المؤدي لرياض العروس أو المدخل المفضي إلى طريق حي المواسين الشهير، اعتاد سكان مراكش الانحناء قليلا تحت السلسلتين قبل الولوج إلى منطقة الضريح. و في أعلى القوسين اللذين علقت بهما السلسلتين توجد لافتة صغيرة كتب عليها بأحرف لاتينية « ممنوع على غير المسلمين» ، و كثير من التفسيرات الشعبية كانت تعتبر أن وظيفة هذه السلاسل هي فرض انحناءة خفيفة على كل من يعبر الممر احتراما للهيبة الروحية لهذا الولي دفين الضريح قبل المرور بالقرب من مرقده، لكن غاستون دوفردان يوضح في كتابه الشيق، سياق تثبيت هاتين السلسلتين و دواعيه و الوقائع التي كانت مقدمة له حيث يقول :
« زار مراكش زيارة دراسية عدد كبير من الأروبيين منذ القرن 18. و حوالي 1842 كتب رونو يقول « إن بلوغ هذه المدينة و زيارتها ليس أمرا بالغ الصعوبة « ، و مما لا يقبل الرد أن المغرب بدأ يفتح أبوابه للأروبيين ، إن طوعا أو كرها، و ذلك بعد عناد طويل أعيى السلطات الشريفة .
و استطاع قنصل فرنسا «بوميي» و زوجته الدخول إلى حرم سيدي بلعباس، مرتدين الزي الأروبي و لا يحرسهما إلا جندي واحد من المخزن . و في 1893 كثُر عدد الأروبيين الذين يسلكون الممر الداخلي بسيدي عبد العزيز، فأمر السلطان بأن تُنصب فيه سلسلتان لمنعهم من استعمال هذا الممر ؛ و ما تزالان عليه إلى اليوم ..»
ندرة الأروبيين
مراكش اليوم مدينة عالمية، على الأقل هكذا يحس بعض أبنائها بفعل العدد الكبير من الجنسيات التي تتعايش بداخل أحيائها. فقد يكون بيت الواحد منهم جسرا بين قارتين متباعدتين. لأن جاره الأيسر من أروبا و جاره الأيمن من أمريكا، و قد يكون الجار الذي يقطن في البيت المقابل من القارة الأسترالية. هذا الوضع يعد اليوم جد عاد في عمق دروب المدينة العتيقة . لكن شهادة غاستون دفردان تبين أن الوضع كان جد مختلف قبل أزيد من مائة سنة، و أن مراكش في مطلع القرن العشرين لم تكن مدينة منفتحة بما يكفي. يقول دوفردان :
« أخبرني الجنرال لاراس أنه كان بمراكش أربعة أروبيين سنة 1898 ، هم الضابطان الفرنسيان بوركار و لاراس، و الملازم الفرنسي المكلف بسكنى الجنود مرشان، و القائد الشهير ماك لين الإنجليزي الجنسية.
و بعد سنتين من ذلك يُستفاد من تقرير مؤرخ بمارس 1900 ، وجدناه بأرشيف البعثة العسكرية الفرنسية ، أن الجالية الأروبية لم يعد بها إلا فرنسي واحد و ستة ألمان (اثنان منهم متزوجان) و خمسة انجليز (هم من البعثة البروتستانتية) و إسبانيان و سويسري واحد و تركي متزوج كانت له الحماية الفرنسية . «
أسرار البهجة المنطلقة
في الخاتمة العامة لكتابه ، يرسم دوفردان بروفايل طريف لشخصية المراكشي ، يستعيد فيها صفة البهجة التي ظلت ملتصقة بأبناء هذه المدينة ، محددا بعض الجذور التي تسمح بفهم الطابع المرح للمراكشي و استعداده التلقائي للمسرة و الحبور . و يبدو لنا أنه من الأفيد الوقوف قليلا عما كتبه في هذ الصدد في هذا المقطع الدال . يقول دوفردان :
« و لئن كانت فاس دوما مدينة تتكلف و تتصنع ، بناء على قول أكبر العارفين بها ، فإن لمراكش طابع البهجة المنطلقة، و هو طابع استطاعت الحفاظ عليه. فالمدن شأنها شأن أهلها لها من الطبائع الإنسانية ما لا يكاد يتغير. فنحن لا نختلف عن أجدادنا إلا اختلافا طفيفا، هو أقل بكثير مما نظن، و المراكشيون، و قد أتوا جميعا من جهات معلومة، ظلوا على حالهم . فهم مبتهجون كما لا يبتهج إلا الشلوح، شلوح تجري في عروقهم كما زعموا دماء سود ، و يستأنسون بيسر ؛ و لعل ذلك راجع إلى سجية الأدب التي أورثهم إياها الإسلام و الحياة الحضرية التي يجتهدون في خدمتها . والمراكشي بطبعه عامل نشيط عفيف، يحب الاستمتاع. و مع أن المرأة في المدينة مسيجة في الظاهر بصرامة، فإن التزامهم الأخلاقي لا يصمد للرشوة إلا قليلا. و مع الخدمات التي تقدمها الإدارة للمخزن، فإن العيوب و الآفات تنخرها ؛ كانت تشتري المناصب و تبيع أحكامها و حمايتها .
و في هذا المجتمع الذي لم يكن نشاط القضاة و الإداريين فيه موجها نحو المصلحة العامة، كان كل واحد يرى في النفع الآني ما يكفيه همّ غد مشكوك في أمره .
و يبدو لنا أن نفسية الساكنة غير مستقرة : فهي غالبا تقية ورعة، لكنها تتشوق إلى مشاهد الدم و الملذات و للموت ، كما قال موريس باريس ؛ و لاشيء يشدها كسحر البلاغة ، و هي فضيلة عظمى في أرض الإسلام . و المراكشي هو الأريب النشيط البسيط المبتهج ، يظهر من خلال المصادر التاريخية مسحوقا تحت ضغط عقيدة تذهب أبعد من صيانة إيمانه بالسحر و الخوارق و التنجيم ، بل تجعله قادرا على إطلاق العنان فجأة لحماس يدعو للقلق، و ذلك في باب التصوف و المناظرة الكلامية».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.