مداخيل الجمارك في 9 أشهر تتجاوز 51 مليار درهم    احتجاجات على قرار أوبل الألمانية نقل أنشطتها إلى المغرب    أنسو فاتي لخورخي مينديز: "أريد برشلونة فقط"    استنفار أمني بسبب فيديو يوثق لسرقة وتعنيف مواطنين بالدار البيضاء    صراعات قديمة يمكن أن تكون السبب في إقالة الوزيرة الرميلي    "Morocco Now".. ألوان العلامة الاقتصادية الجديدة للمغرب تتألق في ساحة (تايم سكوير) بنيويورك    لجنة حقوقية تندد ب"قمع" أساتذة "التعاقد" وتطالب بالإفراج عن المعتقلين منهم    أبرزهم البحراوي وأوبيلا.. نهضة بركان يشكو عدة غيابات في مباراة بن قردان التونسي    انعقاد مجلس الحكومة غدا السبت    السيطرة على حريق بسوق شعبي بالدار البيضاء دون تسجيل ضحايا    بعنوان "Désolé".. جبران الشرجي يطرح أولى أغنياته    سجن طنجة.. إصابة الزفزافي وحاكي بفيروس كورونا    بريطانيا.. اغتيال برلماني مخضرم داخل كنيسة يجبر "جونسون" على العودة إلى لندن    زارعة حوالي 30 ألف هكتار بأشجار الزيتون بجهة طنجة    الاتحاد العام لمقاولات المغرب يقدم كتابه الأبيض "نحو نمو اقتصادي قوي.. مستدام ومسؤول"    الجمعيات المدنية وسؤال إحياء المولديات المغربية 2/2    مفاجأة في تشكيلة باريس سان جيرمان أمام أنجيه    طنجة..كورونا تصل لجسد "ناصر الزفزافي" و "محمد الجاكي" بالسجن    قوات الأمن تفرق بالقوة مسيرة أساتذة التعاقد وتعتقل عدد منهم    300 ألف شخص سيتفيدون من برنامج محو الأمية بالمساجد    توقف مؤقت لخدمة التنقل عبر "تراموي الرباط-سلا"    البطولة الاحترافية 2: المغرب التطواني يزيد من معاناة الكوكب المراكشي    مضيان يقطر الشمع على اخنوش وكاد يفجر التحالف الحكومي    هل هي بداية النهاية لزياش مع تشيلسي …!    تتصدرها جهة الرباط.. إليكم التوزيع الجغرافي للحالات المصابة بكورونا    وكيل الملك يرد على هيئة التضامن مع منجب بخصوص منعه من السفر    فتاح العلوي تشارك في الاجتماع ال104 للجنة التنمية    الجزائر بحاجة إلى استقلال ثان من قادتها المسنين    ألمانيا ترفع المغرب من قائمة "الخطورة الوبائية" للسفر    المرزوقي : قيس سعيّد دكتاتور يريد أن يعيد حكم بن علي إلى تونس    التعريض بالجناب النبوي في بلاد الإسلام.. رب ضارة نافعة    62 قتيلا في انفجار بمسجد للشيعة في أفغانستان    تفاؤل عام بمجلس الأمن إثر تعيين المبعوث الجديد إلى الصحراء المغربية    قطبي يسلم زوجة ماكرون دليل-كتاب معرض "أوجين دولاكروا" المنظم بالرباط    السعودية تلغي إلزامية ارتداء الكمامة والتباعد ضمن إجراءات تخفيف الاحترازات الصحية    شكيب بنموسى يعتبر ممثلي الأسر شريكا أساسيا وفاعلا مهما في المنظومة التربوية    5865 إصابة نشطة بكورونا في المغرب والحالات الصعبة والحرجة تبلغ 414    المغرب يقترب من المناعة الجماعية .. ويستعد للخطوة التالية    عجلة البطولة الاحترافية "إنوي" تعود إلى الدوران بإجراء الجولة السادسة والجامعة تكشف عن تعيينات الحكام    اشتباكات بيروت: هل يقف لبنان على حافة حرب أهلية؟ – صحف عربية    تداعيات الأزمة المالية .. 67 في المائة من الجزائريين متشائمون بشأن مستقبل بلادهم    تعيين المغربي فتح الله السجلماسي أول مدير عام لمفوضية الاتحاد الإفريقي    المغرب حاضر بثلاث أعمال سينمائية بمهرجان الجونة السينمائي    أسامة غريب ينضم إلى قائمة المرشحين لتولي منصب رئيس اتحاد طنجة    عشرات القتلى والجرحى جراء انفجار داخل مسجد للشيعة في أفغانستان    زواج عائشة.. نص في مقرر للتعليم الإبتدائي يثير الجدل ويغضب شيوخ السلفية    السجن مدى الحياة للمليونير الأمريكي روبرت دورست بتهمة قتل زوجته وعشيقته    طقس يوم الجمعة.. ارتفاع درجة الحرارة بجنوب المملكة    الحافظي يزور محطة عبد المومن لتحويل الطاقة    مونديال قطر 2022.. نتائج الجولة 12 وترتيب تصفيات أميركا الجنوبية    تهافت التهافت المغربي على "يهودية" أمريكا    منظمة الصحة العالمية جائحة كورونا زادت من وفيات مرضى السل للمرة الأولى    العبدي.. في راهنية نيتشة لحظة ذكرى ميلاده    صدور العدد 74 من مجلة "طنجة الأدبية"    حقيقة وفاة النجم المصري عادل إمام    دعوة لثقافة فولتير    بعد نص الاجتماعيات.. ذ.خالد مبروك يكتب: "مصيبة التعليم"!    الشيخ عمر القزابري يكتب: الزمُوا حَدَّكُمْ.. إِنّهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم!!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لوحة عبد السلام أزدم احتفاء معرفي بالجسد

تتميز تجربة الفنان التشكيلي والنحات المغربي عبد السلام أزدم بتعدديةٍ هي فيض بليغ عن ينابيع التجريب، الذي اتخذه أسلوبا ونهجا معرفيا. فهذا الفنان الذي يحاكي المادة، ويثير تساؤلاتها البصرية فوق المربع الأيقوني للوحته، في تدفق للمفردات الصباغية التي يستعملها، والتي إن قمنا بتتبع لقانونها الداخلي لن نجده غير الحرية، التي يتخذها الفنان كموقف انساني وممارسة فعلية –لا تقنية فنية تشاكس ادراكنا البصري وهذا كل شيء.
لوحة عبد السلام أزدم الاتية من جُهد إبداعي، أحافير الاشتغال عليه واضحة، ليست غير تَماثًلات للغةٍ مفتوحة على الخلخلة والانكشاف، الذي يَتملك كامل فضائها برهافة عالية، وصمت ذو بلاغة ساردة. فهذه اللوحة التي يمتطيها الفنان سندا للحوار مع الاخر. هي هنا استثمار في العابر والهش والبسيط في تجديل بين اللون والفضاء والمنسي من سيرتنا...
كل لوحة، هنا، هي عبارة عن بوح لوني وايقونة بصرية احتفالية تسكنها مغامرة مفتوحة على جمالية «اللا مكتمل». التي تُؤمّن إمكانية القراءة والتأويل، وهي ما تَحمل المتلقي على الشعور بجمالية تَمْتحُ من الشعري كامل أدواتها. فأزدم الذي عوّد نفسه بصرامة مفضوحة على التهَرب من القيود، يحترم أصول الفن. فتدبيره الجمالي يرتكز على عُدة معرفية مُعتبرة، ورؤية ذاتية لا تنقصها روح المغامرة. لهذا تجده يرسم –بديناميكية – وهو ينفُت في لوحته حيوات عديدة تُشكل حركيتها الذاتية. وهي تتطلب إقامة علاقة مُشاهَدية نبيهة ومغايرة. فصفاء الإشارة وخفة الدال اللذان يُميزانها في غير افتعال يرتكزان على روح طفولية واعية بشرطها الإبداعي.
بعيدا عن عدوى الاستنساخ والتنميط الذي بات مشهدنا التشكيلي بارعا في إنتاجه، يوظف عبد السلام ازدم لمسته التعبيرية المُجتهِدة، والتي يعيد تنقيح أدواتها باستمرار إلى جانب انتخاب تيماته حسب الأجدى والأكثر التصاقا بالجوهر، في حرص- مُدلل- على تجديد مصادره . وهذا ما يجعلنا نرى إلى حيوات غفيرة تسكن اللوحة عنده وتُشكّل حركيّتها الذاتية.
وهي لوحة على ما فيها من انطباع متوهج، تستقي مادتها البصرية الحيوية من كرم انفتاح عوّدت نفسها عليه.
فهدا الفنان الذي يستثمر كل البلاغة التركيبية والاستعارات الدالة على الحرية، في مَسحَة جمالية بليغة، لا يتوانى على مزاوجة عمله الفني بين التشكيل والنحت، الذي له فيه إسهامات فارقة، ليس لأن منحوتاته مسكونة بتكتيف دلالتها المتداخلة بين السكون والحركة، وإعماله للآلة النشطة للكشط والتشييد والمحو، وإنما لما تحمله هذه المنحوتات من صفاء الإشارة وخفة تعبيريّتِها، تسندها رؤية فنية أوعَزها الفنان إليها بحرص كبير وعناية وافرة.
تظل الإشارة التشكيلية كثيفة لدى هذا الفنان، سواء في اشتغاله على اللوحة أو المنحوتة، أو في انزياحه على مستوى أعماله الجديدة، حيت نجد أن اللوحة هي سَند المنحوتة، في تركيب فني حواري يلتفت إلى نفسه أكثر مما يلتفت لمُسلمات معهودة، ونقديات تَجنيسية صارت متجاوزة في مشغله. وهنا تنشط تلك العلامات والرموز المتطايرة والمتلاشية التي تغطي أيقونية اللوحة/المنحوتة في اندِغامهما السعيد.
عن مقترب هذا الفنان الصباغي والنحتي، سطّر الناقد الجاد محمد اشويكة ورقة بحثية رصينة من بين ما جاء فيها: « يشتغل الفنان المغربي عبد السلام أزدم بشكل فني مزدوج، فهو نحات وتشكيلي دون مفاضلة، إلا أن اللافت في تجربته ذلك التداخل بين الفنين: تحسه ينحت داخل اللوحة، ويرسم (أو يُشَكِّل) منحوتاته.. يمسك الإزميل عوض الريشة.. يبحث عن ظل المنحوتة وضوئها عبر سَبْر تجاويفها الغائرة كي تصير نيرة وبارزة، ويحفر في بواطنها كي يخرجها من عَالَمِ السكون إلى الحركة، ومن الصمت إلى الضجيج، وكأنه ينفخ في أجساد بعضها الطاقة التي تلزم للكلام...»
الرغبة في اختراق أفق كل ما هو جميل وفاتن، هو ما جعل هذا الفنان يوظف لوحته كخلفية لمنحوتته المتّسمة دائما بإرسالياتها الإستيتيقية، التي هي احتفاء معرفي بالجسد، كعلامة رمزية باذخة تشكل تمثلات أنثروبولوجيا وروحية. يستدعي الفنان مَلمحهُ الثقافي والدلالي، ليحرره من القوى الخفية والكامنة في انتماطية وأحادية مترسخة في الأذهان.. الجسد هنا يريده عبد السلام أزدم .. متحررا.. متمردا.. منطلقا، ومع ذلك يخضعه لسلطةٍ /سلطة واحدة .. هي سلطة الارتقاء والمحو الطافي بين الألوان التي تنفجر داخله، لا فوق ملابسه وتعبيرات ملامحه.
الجسد خلاصة مرجعية به نتذوق الحياة، ونكتشف بهاءها، وهو بهاء يعمل أزدم على تكسير قيوده وعرقلة ما يشوش عليه، من يومي وواقعي.. لا يُرتّب داخله كتلة من الرموز والدلالات المجردة بعلامات خطية، وهذا كل شيء. بقدر ما يسائل تلك الصورة شديدة الإحراج والتي تقتنص الإحساس بالاغتراب الداخلي، الذي يبسط سيطرته على كامل المسافة في وجداننا المعرفي المشترك. فهذا الجسد وهو ليس غير غلاف مادي لذواتنا، ودليل لضمان حضورنا في العالم. لم يهتم هذا الفنان بإلباسه أي شيء.. يتركه في كل منحوتاته لعريّه المفتوح الذي يبتغي عدم التفرقة والتمييز .. كل الناس مُتحِدون في بنية الجسد ومتساوون، وهذا جانب أساس في المشروع الجمالي لعبد السلام أزدم، الذي يشغله تجاوز وإلغاء كل مظاهر التفرقة بين البشر.
يرسم عبد السلام أزدم بجدية الطفل -المايكبر-الذي يريد أن يقول أشياء كثيرة مرة واحدة، وهذا ما يجعلك تنظر إليه يمارس فعله التشكيلي، وهو لا ينطلق من الممارسة التقنية أو الحِرفيّة بمعناها الضيق، لأنه التمَعَ في ذهنه مبكرا – وهذا ما أفصح به لي ذات زيارة لمرسمه -: «أن الممارسة التشكيلية قبل كل شيء عملية ثقافية وجمالية بالضرورة، وهذا حافزي الأساس على الاشتغال على النحت والتشكيل رغم الصعوبات في المشهد الثقافي والميدان التسويقي...» فعبد السلام أزدم الذي لم ينخدع بأوهام سوق الفن وتهافتاته المرضية.. ظل وفيا لاشتغاله الركيز، والحفر فيه بِعُدة معرفية آهلة ومُتّقدة في صمت وغير ادعاء .. وهذا ما يهب عمله الفني نضجا واختمارا يُؤهِل، لالتفاتة نقدية واسعة، لأعمال هذا الفنان الذي يستدعي نسقا طفوليا، وهو يلمّع تكبير التفاصيل (détails) التي يَسِمُها بصباغة حركية وغنائية (lyrique)، ما يجعل تأثير اللون هنا يشبه تأثير الموسيقى من حيث كونه لا يخضع لقوانين ثابتة..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.