نساء الطليعة: النساء عاشت أوضاعا صعبة بسبب فرض حالة الطوارئ الصحية    في تصريحات مثيرة للجدل ..زوجة الأمير البريطاني هاري تتهم العائلة المالكة بالعنصرية    العثماني : كنخسرو فلوسنا و كنخدمو لله في سبيل الوطن و ما غاديش ننساحبو    الحاج عبد المالك أبرون يدعم ترشيح فوزي لقجع لعضوية المكتب التنفيذي للفيفا    الكعبي ثاني أفضل لاعب في الجولة الثالثة لعصبة الأبطال    مديرية الأرصاد الجوية تتوقع نزول تساقطات مطرية غدا الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة    المغرب يتجه لإحداث وكالة وطنية لزراعة وإنتاج وتحويل القنب الهندي الموجه للإستخدامات الطبية والتجميل    سبتة تتنفس الصعداء بعد 48 ساعة من الأمطار الغزيرة وخطر الفيضانات    وزارة الصحة تعلن عن تسجيل 102 إصابة بفيروس كورونا وحالة وفاة وحيدة    كورونا..102 حالة إصابة جديدة والمغرب يقترب من 4 ملايين مستفيد من اللقاح    الإعلان في سوريا عن إصابة بشار الأسد وزوجته بفيروس كورونا    تخليدا لليوم العالمي للمرأة.. مظاهرات صاخبة لجزائريات طالبن فيها بتنحية ال"تبون"    بنك "CIH" يحقق نتيجة بنكية صافية تقدر ب 2.76 مليار خلال 2020    مؤسس تويتر يطرح التغريدة الأولى على الشبكة للبيع    سيارة بأزيد من 70 مليون..تفاصيل مثيرة في قضية أغنى متسولة بالمغرب    مشروع ملكي ضخم يبصر النور بالسمارة !    حملة دعم وتأييد واسعة لفوزي لقجع    لابورتا يكشف عن رسالة ميسي بعد فوزه في انتخابات برشلونة    "كان" الفتيان.. ثلاثة احتمالات تحسم مصير البطولة الذي يُحدده اجتماع اليوم    الأمن الوطني يكرم النساء الشرطيات في عيد المرأة العالمي    اليوم العالمي للمرأة.. نادي القضاة يحتفي بذكرى أول امرأة قاضية    الغواصة الروسية "الثقب الأسود" تتجسس على المناورات الأمريكية المغربية    في اليوم العالمي للمرأة.. استئناف محاكمة الأستاذة سهام المقريني بابتدائية الدريوش    بعثة نامونغو التنزاني تحط الرحال بالمغرب استعدادا لمواجهة الرجاء    الأمطار الأخيرة تساهم في ملء سبعة سدود بالشمال بنسبة 100%    ميناء طنجة المتوسط "يواصل صعوده المتسارع والمذهل"    خبراء مغاربة يحذرون من نقص الإمدادات و توقف حملة التلقيح بالمغرب !    إسرائيل تبدأ عملية تلقيح فلسطينيين ضد "كورونا"    تقرير أممي : مليار طن من الطعام يرمى في القمامة !    منظمة أممية: قيود السفر تلازم ثاني سنة للجائحة    ودادية القضاة تتهم دفاع منجب ب"الإساءة للعدالة" بنشر "مغالطات"    المغرب يتصدر قائمة الدول العربية المصدرة إلى المكسيك سنة 2020    حجز طنّين من مخدر "الشيرا" في مدينة العيون    أطروحة دكتوراه تثير ضجة بكلية سطات !    من جديد.. مشروع تقنين زراعة "الكيف" على طاولة المجلس الحكومي    كورونا إفريقيا.. عدد الإصابات يقترب من 4 ملايين حالة    خاليلوزيتش يتنفس الصعداء بعد عودة بونو    الشرطة الإيطالية تعتقل جزائرياً ساعد في هجوم باريس    المغرب على موعد مع شحنة جديدة من لقاح "أسترازينيكا" في أفق الرفع من أعداد المستفيدين من الحملة الوطنية للتلقيح ضد كوفيد-19.    خلال سنة.. إحداث أزيد من 14 ألف منصب شغل بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة    سويسرا تحظر رسمياً النقاب !    أزمور.. القاتل الصامت يتسبب في وفاة زوجين داخل منزلهما    انطلاق الروح    زيدان: هدفنا الفوز بلقب الدوري.. وسنواصل القتال حتى النهاية    ترامب يواجه ورطة بعد ظهور تحقيقات جديدة حول أحداث الكابيتول    خاص بعيد المرأة | قصيدتين للشاعر عبد السلام جبيلو    المغرب يتصدر قائمة الدول العربية المصدرة إلى المكسيك سنة 2020    بروفيسور مغربي يتوج بجائزة "بورفو" الأمريكية في التدريس والبحث    ولنا عمْر يا أمي!    تعويضات جزافية لأرباب القاعات الرياضية المتضررين من الجائحة    الديوان السابع عشر من دواوين شهر الشعر الثلاثين للشاعرة الجزائرية خالدية جاب الله بعنوان:" للحزن ملائكة تحرسه"    8 مارس 2021 بميسم الشعر دار الشعر بمراكش تفتح ديوان "أصوات نسائية"..احتفاء بالتنوع الثقافي المغربي    عبد الله ساعف: نحن أمام ملامح جديدة لدولة ما بعد الوباء    بين ال«هسترة» الذكورية و«دسترة» الورد !    تأملات في قصيدة «مد وجزر» للتيجاني الدبدوبي    هل تفطر لقاحات كورونا الصائم في رمضان؟.. مركز الأزهر يوضح    "الصوفية و النقد الذاتي من خلال الضبط السلوكي والمصطلحي"    رسائل مصابة بالحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد عنيبة الحمري: تضميد الأشياء والأسماء
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 22 - 01 - 2021


1
تجربته هي تجربة جيل «تأبط شعرا»؛ شاعر الجرار والدوارق والفلوات. يركض في أرض القصيدة دون ارتباك، وخلفه يهرول آلاف الصعاليك الحفاة. يحنو عليهم، ويقاسمهم الزاد والعتاد، ويعرضهم على الشياطين، شيطانا بعد شيطان بعد شيطان.
شاعر متمرّد وساخر وجريء. جملة اعتراضية منذ ديوانه الأول «الحب مهزلة القرون». كفاح فطري ضد «المؤسسة»/ بها وعليها. لا يحرث في العدم اللغوي، كما فعل الأدونيسيون، بل اختار أن يتسكع في الخطى والمحن. تارة يأنس ل»الراووق المُصَفِّي»، وتارة يطلب لحم الأُسود.. كل ذلك، لأنه يدرك أن شعره لا يحتاج إلى مواد حارقة ليتقد، ولا إلى «فازلين» ليُسَهِّل دخول القارئ، ولا إنارةٍ مُعارة لإضاءة المستغلق والمبهم. لا إبهام في شعره، ولا غربان، ولا ميدوزا للسيطرة والإيهام بالتفرد و»الإتيان بما لم تستطعه الأوائل».
2
شاعر قوي. قوته ليست في «التدمير الاستعراضي» لأبنية النص وإيقاعاته، بل في مناعة جهازه الشعري؛ وهي المناعة التي راكمها بجدارة الممسكين ب «العروض الشعري»، إقامةً وتمكناً وتمزيقاً وتخريقاً؛ وبرشاقة منجل يحصد القمح، وعينه على الخبز في فرن القصيدة.
إن الشاعر محمد عنيبة الحمري، خارج الضوء المبهر للشللية ومشاعل قطاع الطرق النقديين، هو أحد روّاد القصيدة السبعينية وأكثرهم حضورا وانتظاما وإنتاجا وجاذبية. ذلك أنه أعطى قصيدته بعداً متفرداً في تفاعلها مع الشعر والنثر في أرقى صياغاته، وعالج في شعره الإنساني والوجودي برؤية منقوعة في الرؤية المتكاملة والعميقة للكون. كل ذلك لأن الإيديولوجيا لم يكن لها في رأسه مكان، وبتعبير الماغوط «جميع غرف مخه مشغولة بالشعر والنزوح إلى البراري الخرافية وعدم الراحة». باختصار كان، في ذروة الانزياح إلى «الأفكار الحمراء»، متفرغاً لجنونه الداخلي وحده. أليس هو «الشاعر الذي تكتبه المحن»؟
3
شاعر لا يلتزم ب»آداب المائدة» أو ب»آداب الجلوس» أو ب»آداب المحادثة»، ليرضي دهاقنة «الحداثة الشعرية». يفرك قلبه ويُذَوِّب معه كل العناصر الأربعة. لا يستوقد النار، لأنه هو النار نفسها. حاد كأنه مطرقة تهبط على مسمار، وبسيط كحفيف مغمور في غابة لا تُرى. شاعر زمني يكتوي بإغراء الورق:
يقول قي قصيدة «الزمن»:
كان لا بد من فرح
ليطهر هذا الأسير
من أشجانه
فالزمان زمان
بدون فواصل تحكمه
قد يضيع
وأنت تبدده في القلق
أو يطول
وأنت تحاول منع الأرق
أو يذوب
كما لحظات الغرق
لا تبالي به
إذ تسود في متعة
صفحات
الورق
4
نصف قرن من الوثب الطويل في مفاوز الشعر ومروج الخيال، ومع ذلك ظل محافظا على رشاقة «الأكروبات» سائرا فوق المهاوي على حبل رفيع. يبني أبراجا وقلاعا وجسورا ويحطمها. يغمس أصابعه في محبرة المتنبي والمعري والبحتري، ويقتفي آثار الشنفرى والسليك بن السليكة وأبي خراش الهذلي والبراض بن قيس وعروة بن الورد وديك الجن.. لكنه سرعان ما يعود ليغوص في محابر نفسه، ينفض عنها الآخرين، كل الآخرين الذين يحبهم، ويسير باتجاه جزر لا يعرفها سواه.
5
شاعر عصي على القبض، وتصعب السيطرة تماما على الأجراس التي تقرع في دمه. متشوق دائم للإبحار، يرثي المصلوبين، ويجمع بين يديه تلك الشوارع التي تشرب رمل أحقادها، يربيها على مهل ويستخرج من ظلالها تلك القبور التي تكبر في النسيان.
6
شاعر لا ينسى، كأنما خلق ليتذكر ويستظهر وينصرف إلى حال نبضه الغارق، حتى الكأس الأخيرة، في الغياب. غائب بقوة الحضور، وحاضر بقوة الغياب. قاد باقتدار حربا لا هوادة فيها، في النص وبه، ضد مصاصي دماء النصوص الذين يسطون على الدرر الغفيرة، ويخفونها تحت لحم المجاز وعضلاته المصنوعة بالنزوح السري نحو الشعريات العابرة للتاريخ.
7
بتلك اليد التي تفك أزرار البياض، وأسبابَه وأوتادَه، يُسمّي ويُضَمِّد الأشياءَ والأسماء، ويرغمها على الانقياد لإرادة تفجير الإيقاع. يقول:
«الذي يريد تفجير عمارة، عليه معرفةُ طبيعة بنيتها وأساساتها قبل الإقدام على التفجير».
لا يكفي أن تمسك بإصبع ديناميت دون حيازة «الحد الأدنى» من النظر والتخطيط، ودون دراية بتلك الكيمياء الضاربة في التعقيد التي تصنع الإيقاع. أليس «الإيقاع هو المعنى»، كما يقول هنري ميشونيك؟ والتفجير لا يأتي بكبسة زر، ولا بإخفاء زحاف أو علة. التفجير لا ينصاع إلا للشعراء الحقيقيين الذين ترسبت في أعماقهم أصوات المعلمين الأوائل.. هؤلاء الذين حازوا اللغة والإيقاعات، فامتزجوا بها وجعلوا منها النور والنار، الضوَء والطريق، الجسد والروح، المبنى والمعنى.
8
شاعر متشبث بعناده وتفرده. غير منفصل عن ذلك «اللوح الرملي» الذي يكتبه مزاجه وريحه، كل يوم على نحو جديد. أليس «عيب الانفصال هو أن يكون مرغوبا لذاته؟»..
محمد عنيبة الحمري شاعر يرفع رأسه، ولا يكف عن التحليق في صيرورة يدرك أسماءها وألسنها وأنسابها. يحلق بثقة لأنه ابن الانغراس الهائل في ما لا يجعله مهيض الجناح.
باختصار شديد: الشاعر لا يكون شاعرا إلا إذا أثرى الاتجاهات ونَوَّع المراكز.. الشاعر لن يكون كذلك إلا إذا صار المركز الذي يهتدي إليه كل تدفق، ويخرج منه كل نهر، وكل ساقية.
9
لا يتخلى محمد عنيبة الحمري وهو يتقدم في المجرى الشعري عن فكرة الالتفات؛ هذا هو التزامه الملح الذي يجعل لقصيدته ذاكرة ذات ظلال ومرجعيات وأسماء وأشباح. فهو، وإن كان ليس متعلقا بما خلفته الشعرية العربية وراءها، فإن نبيذه الشعري المعتق في النسيان يجعلنا، حين نشربه، نتذكر تلك القوة المتوثبة التي لا يستقيم أي شعر دون حيازتها والإمساك بها. ولهذا، أجزم أن شعره ليس «اقتراع كلمات»، بل حمضا نوويا يضاهي الحياة.
10
لا يصطنع الشاعر الطلقات. يصير هو الطلقة التي يوجهها إلى كل انزياح مصطنع. ومع ذلك، هناك إصرار لذيذ على القول من داخل الترتيب الإيقاعي، فكل الصور والمجازات والترميزات تتقيَّد بإلايقاع كما رضعه الأسلاف من ضروع الخليل، ولا يعني ذلك، إطلاقا، الإيغال البعيد في معجم لسان العرب، ذلك أن محمد عنيبة الحمري يجعلنا نصحو في مدن استعارية ترتعش في الوقت الراهن. إنه إن شئنا الدقة شاعر متجدد، رغم أنه لا يتخلى عن ضوء الأسلاف وطريقهم. ومعنى ذلك أن شعريته تنبني أساسا على الحوار المستمر مع الشعراء القدامى، والانفتاح على التجارب الشعرية الجديدة، دون السقوط في ما يمكن تسميته « شرك الانقطاع عن الموصول الشعري»، ودون أن يبني مفهومه للشعر على «قتل الأب».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.