يعيش المغرب في السنوات الأخيرة على إيقاع إنجازات كبرى شملت مجالات استراتيجية وحيوية، من البنية التحتية والانتقال الطاقي، إلى الدبلوماسية الاقتصادية والتموقع الجيوسياسي. إنجازات لم تأتِ من فراغ، بل كانت ثمرة رؤية ملكية ذات بعد استراتيجي بعيد المدى، تقوم على الاستباق، وتقدير التحولات العالمية، وربط التنمية بالسيادة والاستقرار. غير أن هذا المسار الطموح يصطدم، في محطات متعددة، بواقع حكومي يعاني من ضعف في الخبرة السياسية وقصور في تدبير الشأن العام. فالفجوة باتت واضحة بين مستوى الرؤية التي تُرسم في أعلى هرم الدولة، ومستوى التنزيل العملي الذي تتكفل به الحكومات المتعاقبة، وخاصة الحالية منها. الإشكال الجوهري لا يكمن فقط في محدودية الموارد أو تعقيد الظرفية الدولية، بل في أزمة كفاءة سياسية. فقد جرى التعويل بشكل مفرط على تقنوقراط وأطر ذات تكوين أكاديمي عالٍ أو شهادات من معاهد دولية، دون أن تكون لهم تجربة سياسية حقيقية أو ممارسة ميدانية في تدبير الشأن العام داخل الفضاء الحزبي والمؤسسات المنتخبة. والحال أن السياسة ليست مجرد إدارة تقنية للملفات، بل هي فنّ الاختيار، وبناء التوافقات، والتفاعل مع المجتمع، وتحمل المسؤولية أمام المواطنين. مكونات التحالف الحكومي أظهرت، في أكثر من مناسبة، عجزاً عن مواكبة الريادة الملكية في تدبير ملفات استراتيجية وتنموية معقّدة. بل إن بعض هذه المكونات تورّط في فضائح مرتبطة بالريع أو سوء التدبير، ما عمّق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وكرّس صورة سلبية عن العمل السياسي والحزبي. ويُضاف إلى ذلك إشكال لا يقل أهمية، يتمثل في غياب التناغم المذهبي والفكري بين الرؤية الملكية الكبرى وأهداف الأحزاب القائدة للحكومة. فالرؤية الملكية في السنوات الأخيرة وضعت بوضوح معالم الدولة الاجتماعية باعتبارها خياراً استراتيجياً يهدف إلى تقليص الفوارق، وتعميم الحماية الاجتماعية، وضمان العدالة المجالية والكرامة الاجتماعية. غير أن تنزيل هذا الخيار يتطلب أحزاباً تؤمن به مبدئياً، وتجعله جزءاً من مرجعيتها الفكرية وبرامجها السياسية. فلا يعقل، من منظور سياسي ومنهجي، أن يُسند تنفيذ مشروع الدولة الاجتماعية إلى أحزاب ذات اختيار ليبرالي صِرف، تقوم فلسفتها الاقتصادية على تقليص دور الدولة، وتغليب منطق السوق، والحد من النفقات الاجتماعية. فغياب القناعة الفكرية يجعل السياسات الاجتماعية تُنفّذ كالتزام إداري أو استجابة ظرفية، لا كمشروع مجتمعي متكامل. وعندما تغيب القناعة، يحضر التردد، وتضيع النجاعة، وتُفرغ الإصلاحات من بعدها الاجتماعي العميق، مهما كانت أهمية الموارد المرصودة لها. بعض الأحزاب السياسية، التي يُفترض أن تكون مدرسة لتكوين النخب ووسيطاً ديمقراطياً بين الدولة والمجتمع، تعاني من اختلالات بنيوية واضحة. فرغم ما تعلنه من أنشطة ولقاءات تنظيمية وتواصلية، فإن جزءاً كبيراً من هذه المبادرات يندرج، في الواقع، ضمن الدعاية الانتخابية المبكرة أكثر مما يندرج في خانة التأطير السياسي الحقيقي والتكوين المستمر للأطر والمناضلين. وغالباً ما يتم التركيز على الشكل والحضور الإعلامي بدل الاستثمار في النقاش الفكري والبرامجي. بل إن الإفراط في الإنفاق المالي على هذه اللقاءات والأنشطة، دون مضمون سياسي واضح أو أثر تكويني ملموس، يؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج عكسية، حيث يعمّق فجوة الثقة مع المواطنين، ويعزّز الانطباع بأن العمل الحزبي مرتبط بالمال والاستعراض أكثر من ارتباطه بالفعل السياسي الجاد والمسؤول. وهو ما يفرغ الوظيفة التأطيرية للأحزاب من محتواها، ويجعلها عاجزة عن القيام بدورها الطبيعي في إنتاج نخب سياسية قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب. إن مغرب الغد الصاعد لا يحتاج إلى واجهات تقنية أو بروفايلات أكاديمية معزولة عن الواقع، بقدر ما يحتاج إلى أحزاب ذات رصيد سياسي وفكري، وإلى أطر حزبية عالية التكوين، راكمت التجربة الميدانية، وتمتلك حساً سياسياً وقدرة على تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى سياسات عمومية ذات أثر اجتماعي ملموس. فالشهادات، مهما كانت قيمتها، لا تصنع رجل دولة، كما أن الخبرة التقنية وحدها لا تكفي لقيادة التحولات الكبرى. المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار للسياسة كفعل نبيل ومسؤول، وإعادة بناء الحقل الحزبي على أسس الكفاءة والنزاهة والتجربة، حتى يكون في مستوى الطموحات الكبرى التي رسمها المغرب لنفسه. لقد وفّرت الرؤية الملكية البوصلة والاتجاه، ويبقى التحدي الحقيقي هو تأهيل الفاعل السياسي ليكون في مستوى اللحظة التاريخية، وقادراً على تحويل الإنجازات إلى مسار تنموي مستدام يشعر بثماره كل المواطنين.